أحوال تركية
يوليو 29 2019

ما هي أوراق أردوغان للضغط على الغرب؟

لماذا كلّما ضاقت الخيارات أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقوم بتوجيه التحذيرات للاتحاد الأوروبي مستعملاً أدوات ضغط باتت مستهلكة من شدّة تلويحه بها واستخدامه لها؟ ما هي قوّة أوراق الضغط التي يملكها أردوغان ليهدد بها دول الاتحاد الأوروبي؟ هل يحاول الضغط على أوروبا لتضغط بدورها على واشنطن لتستجيب لمطالبه، أو جزء منها، أم أنها استراتيجيته الدائمة في الضغط على الآخرين لتمرير بعض مصالحه؟

هل ينفع أسلوب التهديد والوعيد في تحقيق مكتسبات سياسية دائمة أم أنّ أردوغان يكتفي بالمكتسبات الآنية التي تفيده مرحلياً؟ هل يراهن أردوغان على الخشية التي يثيرها لدى الغرب من خلال إظهاره الاستعداد للمضي نحو الحدّ الأقصى من تنفيذ التحذيرات والتهديدات إذا ما تمّ تقييده والتضييق عليه أكثر فأكثر؟

من بعض أوراق أردوغان للضغط على شركائه الغربيين، ملفّ الهجرة غير الشرعية، والملف السوري، وملف غاز قبرص، والتسلح التركي بالأسلحة الروسية، ناهيك عن استخدامها للإسلاموفوبيا أداة سياسية موظفة في خدمتها، وتلويحها بإمكانية استغلال الجاليات المسلمة لصالحها، على أساس أنّها راعية المسلمين في العالم، بحسب ما تحاول تصدير صورتها.

وملفّ المهاجرين غير الشرعيين هو أحد أهمّ الملفات العالقة بين تركيا والاتحاد الأوربي، وتهدد تركيا بالرجوع لسياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين، والسماح بتدفق اللاجئين وإغراق الدول الأوروبية بهم كما فعلت في 2015، وتشكيل أعباء إضافية كبيرة عليهم، وخلق مشكلات اقتصادية واجتماعية لها، ودفع جماعات وشرائح اجتماعية فيها للتشدّد، والتسبب بخلخلة الأمن والأمان فيها.

وحرص أردوغان على التذكير بما قدمته بلاده من تضحيات وخدمات من أجل استقبال اللاجئين السوريين، موحياً أنّه بات من الضروري وضع حد لذلك، وبيّن أن بلاده مضطرة لتوفير الاستقرار في إدلب السورية، قائلًا: "قد لا يكون لدى النظام السوري أو الولايات المتحدة أو أوروبا هكذا همّ ولكن نحن محتاجون لهذا كثيرًا، فلا يوجد أي بلد في العالم استقبل على مدار سنوات لاجئين بحجم بلغ خمس عدد سكانه".

وفي هذا السياق قال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، قبل أيام، إن الحكومات الأوروبية لا تستطيع الصمود 6 أشهر، في حال فتحت تركيا أبوابها أمام المهاجرين وسمحت لهم بالعبور نحو القارة الأوروبية.

وهناك الملف الذي يقضّ مضاجع أنقرة، وهو الدعم الغربي للإدارة الذاتية الكردية في سوريا، وإصرار أنقرة على إيقاف ذلك الدعم، وطرد المقاتلين الأكراد من المناطق الحدودية المحاذية لها، وإنشاء منطقة آمنة بإدارة تركية، الأمر الذي لا يحظى بموافقة واشنطن الداعمة للقوات التركية والحليفة لها.

وأثار الحديث عن دعم أوروبي، فرنسي وألماني، وتدريب دانماركي للقوات الكردية، استياء وغضب أنقرة التي بدأت تلوّح بخيارات الهجوم على شرقي الفرات، وتطالب بإلحاح أكثر على وجوب المباشرة بإنشاء المنطقة الآمنة المفروضة.

لاجئون
في الطريق إلى أوروبا..

وهناك ملفّ الغاز في سواحل قبرص، والتوترات المتزايدة شرق المتوسط، والتهديدات التركية بالتصعيد، والإشارة إلى خشية الجانب القبرصي والدول الأوروبية من القوة العسكرية التركية المتنامية، وإجراء مناورات عسكرية بحرية وجوية بالقرب من المنطقة.

وحول موضوع التنقيب في شرق المتوسط، قال أردوغان: "هؤلاء (أوروبا) منزعجون من أنشطتنا في المنطقة. اتخذنا ونتخذ خطواتنا وفق القانون الدولي، وقانون البحار". وتابع: "تركيا ليست كأي دولة بالنسبة إلى مسألة قبرص، فهي دولة ضامنة، ولدينا أبناء جلدة هناك. الاتحاد الأوروبي مراقب، لكنه لم يفعل أبدا ما يقع على عاتقه".

وعلى الرغم من أنّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أبدى استعداده للمساهمة في تسوية القضية القبرصية، مرحبا باللقاء المرتقب بين زعيمي شطري الجزيرة، فإنّ رئيس وزراء جمهورية شمال قبرص التركية، أرسين تتار قال: "الروم واليونان يهدفون لضم قبرص كيانا موحدا إلى الاتحاد الأوروبي، وانسحاب تركيا من هذه الأراضي، سيجعل القبارصة الأتراك أقلية في الجزيرة، وإصرارنا وعزيمتنا للوقوف في وجه هذا الأمر، يجعل من جلوس الروم إلى طاولة التفاوض معنا أمرا مستحيلا".

وفي إطار التسلح، ومستقبل تركيا في الناتو بعد حصولها على منظومة صواريخ إس-400 الروسية، ومطالبتها بالحصول إلى طائرات إف-35 الأميركية الشبح، وتعليق واشنطن لمشاركتها في برنامج إنتاج هذه المقاتلة، شدد أردوغان، الجمعة، على حق بلاده في امتلاك طائرات حربية من جهات أخرى، إذا امتنعت واشنطن عن إتمام صفقة شراء طائرات إف 35. وقال مخاطبا الولايات المتحدة" "ألن تعطينا طائرات إف 35؟ حسنا، إذن لا تؤاخذونا، فنحن سنتخذ تدابيرنا في هذا الموضوع، ونتوجه إلى جهات أخرى". وقال أردوغان، إن "أي عقوبة أو تهديد سيوجه إلى تركيا، بما في ذلك التهديد باستبعادها من مشروع إنتاج إف 35، لن يثنيها عن أولوية أمنها". وأضاف أن "الذين يظهرون حليفا استراتيجيا، لم يعطوا لتركيا ما تريده مقابل المال، إلا أنهم يقدمون للمنظمات الإرهابية السلاح والذخيرة مجانا".

وفي سياق استغلال للجاليات المسلمة، والمتاجرة بالكراهية والإسلاموفوبيا، وزعم معاداتهما ومحاربتهما، تنشط تركيا في الغرب بتشييد مساجد ضخمة توحي بقوتها، وتشهد بأنها راعية للإسلام والمسلمين، ويحق لها الحديث باسمهم، أو الدفاع عنهم، وهذا ما يتعارض مع ما يفترض أنه ابتعاد عن التدخّل في شؤون الآخرين الداخلية.

ويلفت مراقبون أن أردوغان سيواصل التلويح بأوراق الضغط التي يمتلكها ضد الغربيين، وقد يلجأ إلى استخدام بعضها بشكل مرحلي، أو نسبي، وبشكل متوازٍ معاً، كغض النظر عن عبور اللاجئين إلى اليونان، وزيادة التوترات بالمتوسط، والمضي قدماً في مسألة التسليح التي تسببت بأزمة كبيرة بينها وبين الولايات المتحدة، ناهيك عن تحميل الغرب مسؤولية المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها..

ويشير محللون إلى أنّ سعي أردوغان لترهيب الغرب بهذه الأوراق، سينعكس عليه، وأنّ غروره وشعبويته سينقلبان عليه، ولن يقوى على الاستمرار في أية مواجهة لأنّ مشاكله الداخلية تضيّق الخناق عليه وعلى حزبه العدالة والتنمية الحاكم الذي بدأ الناس ينفضّون من حوله بشكل كبير في الآونة الأخيرة.