ما مدى جدية أنقرة في التواصل مع الاتحاد الأوروبي؟

كتب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في مقال نشرته صحيفة بوليتيكو الأميركية قائلاً "إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى تركيا بقدر ما تحتاج تركيا إلى الاتحاد الأوروبي". ونظراً للظروف المثيرة للقلق التي تعيشها تركيا، لم تستطع كلماته إخفاء الشعور بالإلحاح الذي غمر أروقة السلطة في أنقرة.
لقد باتت مساحة المناورة في تركيا آخذة في التآكل كل أسبوع. من الواضح أن إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تسعى لإبقاء الأبواب مفتوحة مع شركائها الغربيين وحلفائها.
من الشائع جداً رؤية تشنجات المسؤولين الأتراك مثل سكرة الموت للخط السياسي الذي اختاروه منذ أكثر من خمس سنوات، حيث راقب العالم وداع جميع المعايير الأساسية التي قد تشكل الحد الأدنى من الديمقراطية.
تعيش السياسة الخارجية التركية في حالة من الفوضى وتفتقر إلى الاستراتيجيات المتماسكة. العديد من الوزارات، لا سيما وزارة جاويش أوغلو، ما زالت مشغولة في كسب يوم إضافي وتبدو كل خطوة محاولة لكسب المزيد من الوقت. لا تزال القضايا التي كان من الممكن حلها منذ فترة طويلة مع الجميع تتراكم وتتزايد، مع وجود أنماط من التهديدات في تركيا واستعراض القوة والخطابات العنيفة والانفعالية مما يفاقم المأزق.
أحد الأسباب الرئيسة لذلك هو اختيار أردوغان لترسيخ عملية صنع قرار مركزية للغاية، تربط كل أنواع الإدارة الكلية والجزئية بشخصه.
يفشل مقال جاويش أوغلو في إخفاء حالة القلق المتفشية في أنقرة، التي تبتعد بشكل لا رجعة فيه عن الاتحاد الأوروبي - الشريك التجاري الأكبر لتركيا - الأمر الذي قد يُعجل بموت السياسات التي يمثلها.
يأتي المقال بعد ما يسمى باجتماع مجموعة العمل الإصلاحي في الثامن من مايو في أنقرة، والذي لوحظ خلاله أن أردوغان، في كلمته أمام ممثلي الاتحاد الأوروبي، خفف إلى حد ما من لهجته العنيفة المعتادة.
وفي دعوة إلى إحياء روح الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فاجأ أردوغان الجمهور بقوله "إن أولوية تركيا تتمثل في تعزيز الحقوق والحريات الأساسية لمواطنيها. إذا لزم الأمر، فسنعيد تسمية الخطوات التي يجب اتخاذها من أجل (تعزيز الحقوق)، وتغييرها (المعايير) من كوبنهاغن إلى أنقرة".
حدد جاويش أوغلو خطوات، في مقاله بصحيفة بوليتيكو، من أجل إعادة الأمور إلى مسارها. أولاً، كتب قائلاً، إن البلاد تبتعد عن الأوقات العصيبة التي أعقبت محاولة الانقلاب، وإن كل ما تم فعله ينبغي قبوله "لأنه (كان) قضية وجودية للديمقراطية التركية" ثانياً، استشهد بالترتيب الدولي الوعر كعامل يجب أن يجمع تركيا والاتحاد الأوروبي. ثالثاً، حسب قوله، يحتاج الطرفان إلى بعضهما البعض في قضايا الأمن والهجرة والقوة الناعمة والطاقة.
مثل هذا التحول من وزير قام منذ فترة غير طويلة بتوجيه إهانات شديدة لزعماء الاتحاد الأوروبي هو أمر يفسر نفسه باعتباره يأساً سياسياً، لكن ما إذا كانت هذه النقاط مقنعة بما يكفي لإعادة بناء الثقة التي اختفت بالكامل، فمن السهل التنبؤ بها.
وبشكل عام، فإن تركيا اليوم بعيدة كل البعد عن الوفاء بمعايير كوبنهاغن، أو حتى معايير ماستريخت، عما كانت عليه قبل 20 عاماً عندما تم إعلانها "دولة مرشحة".
رئيسها هو الرجل القوي الذي لا ينازعه أحد والذي هدم الفصل بين السلطات تقريباً بالكامل، وتسبب في أضرار جسيمة لحكم القانون واستولى على ما يصل إلى 93 في المئة من قطاع الإعلام وتسبب في انتهاكات لا نهاية لها للدستور من خلال العمل كرئيس، وفي الوقت نفسه، رئيس حزبه السياسي، وهو حريص على أن يُنظر إليه على أنه الرئيس الحزبي للدولة.
من المشكوك فيه إلى حد كبير ما إذا كان نظام الرجل الواحد الذي أيده جاويش أوغلو في استفتاء عام 2017 - في ظل حالة طوارئ غامضة - يلائم المعايير التي من شأنها أن تؤهل استمرارية عملية الانضمام.
من حيث حقوق الإنسان، تقف تركيا مدافعة عن انتهاكاتها. قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن هناك ما يربو على 45 ألف سجين يمكن أن يُطلق عليهم "سجناء سياسيون" من الأكراد وأنصار غولن واليساريين والصحفيين وغيرهم، يتم احتجازهم خلف القضبان بشكل تعسفي وباتهامات وهمية. ووصف زعيم المعارضة الرئيسة كمال كليجدار أوغلو تركيا مراراً وتكراراً باعتبارها "سجناً مفتوحاً".
إذا كان يجب أن يؤخذ مقال جاويش أوغلو على محمل الجد، فإن ما يجب القيام به هو بمثابة مهمة عملاقة. إنه يشير إلى إرادة خجولة "للقيام بشيء ما" بشأن الإصلاح القضائي، لكن على نطاق محدود.
تقول بعض التقارير إن ورقة استراتيجية بشأن الإصلاح القانوني يتم إعدادها، وسيتم الإعلان عنها قبل عيد الفطر في أوائل يونيو. محتوياتها غير معروفة، لكن الشائعات تتضمن تعديلات طفيفة في قانون مكافحة الإرهاب، مما قد يؤدي إلى انخفاض الدعاوى القانونية ضد الصحفيين والأكاديميين.
ومع ذلك، وبالنظر إلى الروح المعادية للحرية والمعادية للأكراد والغرب في التحالف الحالي للإسلاميين أنصار أردوغان وشركائهم القوميين المتطرفين، ينبغي عدم تصديق كل ما يُقال.
في ظل التوتر المتصاعد - بسبب رؤية الجيش التركي قبالة قبرص وبحر إيجة، وهو ما يتابعه الاتحاد الأوروبي بحالة من القلق - سيُنظر إلى أي محاولة إصلاح معيبة أيضاً على أنها "استرضاء من أجل الحفاظ على العلاقات الاقتصادية سليمة" وحيلة للتنفيس عن المشاعر في الداخل إلى حد ما لتحويل الأصوات عن معارضة الحزب الحاكم، في انتخابات إسطنبول المقبلة.
قد يكون غصن الزيتون الحالي الذي تعرضه أنقرة على الاتحاد الأوروبي جافاً جداً ومتأخراً للغاية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eu-turkey/how-serious-ankara-reaching-out-eu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.