أحوال تركية
أغسطس 18 2019

ما معنى أن يدل مظهرك على هويتك كشخص تركي

أفاد تحليل نشرته مؤسسة (ريسيت دوك) ومقرها ميلانو في إيطاليا يوم الإثنين الماضي بأن من يهاجرون حديثا إلى ألمانيا من الأتراك عادة ما يُنصحون بعدم إظهار ما يدل على "الهوية التركية"، وهو أمر يؤكد المفاهيم الألمانية عن الأتراك ويسلط الضوء على المشكلة الأساسية في المجتمع التركي.

بفضل توظيف عمالة تركية في ستينات القرن العشرين، أصبحت ألمانيا وطنا لعدد كبير من المواطنين ذوي الأصول التركية حيث يبلغ عددهم قرابة الثلاثة ملايين. وهذا هو أكبر تجمع سكاني للأتراك في بلد غير تركيا.

ومن واقع دراستين نشرتا في الفترة الأخيرة، فإن أبناء الجيلين الأول والثاني من الأتراك كانوا من من العمال غير المهرة من المجتمعات المهمشة، ومن ثم انتهى بهم الأمر في طبقة اجتماعية واقتصادية مماثلة داخل ألمانيا.

لكن في السنوات الأخيرة، وصلت ألمانيا موجة جديدة من المهاجرين الأتراك، تضم عمالا محترفين وطلابا وسياسيين أتراك وجامعيين يعانون الاضطهاد. حدث هذا بالأساس في ظل تزايد طلبات اللجوء بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف عام 2016.

ونتيجة لذلك، أصبح الوصول إلى ألمانيا أكثر صعوبة: فلقد تضاعفت تقريبا خلال السنوات الأربع الماضية نسبة رفض طلبات الأتراك للحصول على تأشيرة دخول. لكن رغم ذلك، ذكر أكثر من نصف عدد الأتراك الذين تقدموا بطلبات لجوء في ألمانيا، وهو عدد قوامه 10600 شخص، بأنهم يحملون شهادات جامعية.

وتقول جولاي تركمان، وهي أستاذ زميل تشرف على الدراسات العليا في علم الاجتماع بجامعة جوتينجن الألمانية إن هؤلاء الوافدين الجدد من أصحاب المستوى التعليم الجيد يقابلون بإجابات من قبيل "لكن مظهرك لا يوحي بأنك تركي"، وهو قول عادة ما يثير الإحباط ويبعث على عدم الراحة.

وقابلت تركمان أكثر من خمسة من المهاجرين المهرة الوافدين من تركيا والذين وصلوا ألمانيا على مدى السنوات العشر الماضية.

وتنقل تركمان عن دويجو وهو باحث في علم الإنسان وصل ألمانيا قبل عامين القول "إن بدأت الحوار متحدثا باللغة الإنجليزية، فعادة ما يعتقد من يحادثني أني إسباني أو فرنسي."

ويضيف "حين أُخبر محادثي أني من تركيا، تتغير الوجوه ويتراجع من أمامي خطوة للوراء.. حينها أتساءل بيني وبين نفسي عما إن كنت أخطأت بحق من أمامي. أتساءل: لِمَ تعاقبني لمجرد أني قدمت من تركيا؟".

تعتقد تركمان أن هذا الرد من جانب الألمان يدل أكثر على الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية وعلى الموقف من الدين أكثر ما يدل على الموقف من العرق.

وكتبت الأستاذة الجامعية تقول "يعكس هذا أيضا قناعة ذاتية عن الشعب التركي والمشاكل التي تسببت عبر التاريخ في تقسيم المجتمع التركي متعدد الأعراق."

تتحدث تركمان هنا عن تقسيم المجتمع التركي بين الريف والمدن وبين المحافظين والمتحضرين، وهو تقسيم أدى خلال السنوات الماضية إلى تمييز من يمنحون أصواتهم لصالح حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذين يعرفون بالأتراك السود، وبين من يصوتون ضده، وهؤلاء يوصفون بالأتراك البيض.

سلط برنامج تلفزيوني انطلق في ألمانيا العام الماضي باسم "كلاب برلين" الضوء على هذه المشكلة وكيف يمكن أن تتسبب في تقسيم أجيال بل وإحداث إنقسام داخل أسرة واحدة.

في ذلك البرنامج، يحمل أب وابنه، وكلاهما ألمان من أصول تركية، رؤى بينها تناقض حاد عن تركيا وألمانيا، لدرجة أنهما يكادا يعجزان عن النقاش فيما بينهما.

قالت دالما وهي تركية تعمل في مجال التسويق وتعيش في ألمانيا منذ عام 2010 إنها حين تُواجه بالمفاهيم الألمانية تسعى لتوضيح اختلاف أوضاعها عن العمال الأتراك المنتمين للأجيال السابقة.

وقالت دالما لتركمان "في ألمانيا، يتعين علي باستمرار توضيح أني "لست واحدة من أولئك الأتراك."

ووفقا لدراسة أجرتها العام الماضي جامعة ديوسبورج-إيسين الألمانية، فإن غالبية أصحاب الأصول التركية ممن يعيشون في ألمانيا يشعرون بروابط أقوى مع تركيا عنها مع ألمانيا، ويشمل هذا حتى من يولودون وينشؤون في ألمانيا.

بعض الوافدين الجدد من الأتراك، وبينهم بيجوم المهندسة الميكانيكية، ينظرون إلى المهاجرين الأتراك الذين يعيشون في ألمانيا منذ فترة أطول بأنهم أناس قد تجاوزهم الزمن.

وقالت بيجوم في حديثها مع تركمان "أتيت من إسطنبول، والناس يعرفون أن أهل إسطنبول أكثر تطورا. بالإضافة إلى هذا، تدور محادثات ونقاشات بيني وبين أتراك ولدوا ونشؤوا هنا. على سبيل المثال، يتعجبون من طلاقتي في التحدث باللغة الإنجليزية."

هناك أيضا جامزه، وهي أخصائية تسويق تركية، إن مثل هذه التعليقات تقوم بدرجة كبيرة على تصنيف طبقي. ولا تواجه جامزه مثل هذه التعليقات في حياتها العملية، بل تجدها أكثر في الأماكن العامة، مثلما حدث حين اتجهت منذ فترة إلى المستشفى.

وقالت جامزه متحدثة لتركمان "شرحت للممرضة أن تركيا بلد متعدد به الكثير والكثير من الألوان. لكني رغم ذلك أعتقد أننا – نحن الشعب التركي – نصدر الأحكام على الناس أكثر من الألمان أنفسهم الذين يتسمون عادة بالانفتاح. حين نقول إننا "غير هؤلاء الأتراك الموجودين هنا"، فإننا نصدر حكمنا بتصنيف أولئك الأتراك."

وتقول تركمان إن تركيا مجتمع متعدد بشكل يثير الدهشة، لدرجة تجعل من الصعب تحديد شكل واحد للمظهر التركي. وتعتقد تركمان أيضا إن مقولة "لكن مظهرك لا يدل على أنك تركي" بها ملمح من الحقيقة.

في عام 2018، صدر استطلاع رأي أجراه مركز كوندا حيث وجد أن 16 بالمئة فقط من المستطلعة آراؤهم في عموم تركيا يحملون شهادات جامعية، مقابل نحو 70 بالمئة ممن اعتبروا أنهم من المحافظين.

كما كان كل من تحدثت إليهم تركمان من خريجي الجامعات، وكلهم اعتبروا أنفسهم من المتحضرين، وهو ما يعني أنهم مختلفون عمن سواهم.
وقالت تركمان "يفسر هذا سبب اعتقاد بعض الألمان أن مظهر شخص ما لا يدل على أنه تركي. ويفسر هذا أيضا سبب شعورنا جميعا بالاغتراب عن تركيا."

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-emigration/what-does-it-mean-look-turkish