ما مصلحة تركيا في عودة الاتفاق النووي الإيراني؟

تبدو تركيا حريصة على إحياء الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة بينما تحاول المنطقة التكيف مع وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض. ففي 29 يناير، تحدث وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن الموضوع خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف. وقال إن تركيا تأمل في أن تعود الولايات المتحدة إلى هذا الاتفاق ويعود التعاون في القضية النووية مع إدارة بايدن. وأضاف بأنه يأمل "رفع العقوبات والحصار المفروض على الشقيقة إيران".

وقال الزميل المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، الدكتور حميد رضا عزيزي، إن هذا الشعور يميز تركيا عن جيرانها في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل أو أغلب الدول العربية.

وتابع لموقع أحوال تركية: "على عكس بعض الدول الأخرى في المنطقة، تؤيد تركيا إحياء الاتفاق النووي". فبالنسبة لأنقرة، ستقلل العودة إلى الدبلوماسية من انعدام الأمن وسط التوترات المتصاعدة بين جارتها من جهة وأهم حليف لها في الناتو من جهة أخرى.

في آخر سنة من ولاية دونالد ترامب، وصلت حدة الخلاف بين واشنطن وطهران إلى درجة أزعجت تركيا. فبعد ضربة الطائرة دون طيار التي أطاحت بالجنرال الإيراني قاسم سليماني العام الماضي، دعت تركيا إلى وقف التصعيد بسرعة، وهو أمر كررته بعد اغتيال إسرائيل المزعوم لعالم نووي إيراني في وقت لاحق من نفس السنة.

كما ضغطت الحملة "أقصى قدر من الضغط" التي أطلقها ترامب على تركيا لخفض كمية واردات الطاقة من إيران، التي كانت في السابق واحدة من أكبر مورديها. وانتقد الرئيس رجب طيب أردوغان هذا في ذلك الوقت، لكنه اضطر للامتثال.

وقال عزيزي إن خفض التوتر سيكون موضع ترحيب، خاصة إذا أدى إلى تفادي أي حالة من عدم الاستقرار كانت ستصبح مشكلة لتركيا بصفتها جارة إيران. وأوضح: "لهذا السبب، أعتقد أن إحياء الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة يخدم مصالح تركيا الأمنية".

في ظل حملة الضغط الأميركية، تقوّض موقف تركيا بشكل غير مباشر من خلال تحركات أخرى لاحتواء طهران. ومن أبرزها تطبيع العلاقات بين خصوم إيران العرب وإسرائيل. ورأى مراقبون في اتفاقات أبراهام التي وقعتها الإمارات والبحرين وإسرائيل ضربة خطيرة لموقع إيران في الشرق الأوسط. لكن آخرين أشاروا إلى أن تركيا تعرضت للتهميش بسبب هذه التطورات أيضا، نظرا لضعف علاقتها مع البلدان الموقّعة. وقال عزيزي لموقع أحوال تركية إن هذه العملية كانت عاملا مهما بالنسبة لإيران وتركيا.

وذكر أن أي تحسن في علاقات تركيا مع الدول العربية وإسرائيل تُرجم إلى مزيد من الضغط على إيران والعكس صحيح. ففي السنوات الأخيرة، حددت إسرائيل والإمارات والسعودية تركيا على أنها تهديد يمكن مقارنته بإيران. وفي السنة المنقضية، وصف مدير جهاز المخابرات الإسرائيلية تركيا بأنها "التهديد الحقيقي"، بينما ذكر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ذات مرة الاثنين معا كجزء من "مثلث الشر".

وجدت إيران وتركيا نفسيهما على نفس الجانب عندما قاطعت دول الخليج قطر. كما عملا معا في سوريا دبلوماسيا مع روسيا في إطار ما يسمى بعملية أستانا التي تهدف إلى إنهاء الحرب الأهلية التي استمرت عقدا.

وبعيدا عن أهدافهما الجيوسياسية، تجمع عوامل أخرى تركيا وإيران. وأشار عزيزي إلى الفترة الطويلة دون نزاع مفتوح بين الجارتين، وهي "أطول من تاريخ بعض البلدان"، ويمكن أن يرجع ذلك إلى روابط "اجتماعية وتاريخية وثقافية قوية". ومع ذلك، تبقى الطموحات الجيوسياسية المتنافسة موجودة، والتي لا تزال تؤثر على هذه العلاقة. فهي تمنع درجة أكبر من التقارب لكنها ليست العامل الذي يجعل العلاقة متماسكة.

كان هذا بارزا في الصراع الأخير في قرة باغ عندما قاتلت حليفة تركيا، أذربيجان، لاستعادة الأراضي المتنازع عليها من أرمينيا. فقد وقعت إيران في مأزق بسبب الحرب حين أعلنت بعض الفصائل دعمها لأذربيجان الشيعية على أسس عرقية، مع وجود أكثر من 20 مليون إيراني من أصول أذرية. وقد اتخذت الحكومة في طهران موقفاً وسطا: رفضت تمكين أنقرة لباكو من الانخراط في حملة عسكرية رأت أنها تعزز الوجود الإسرائيلي في المنطقة نظرا لقربها من أذربيجان.

وقال عزيزي إن "هناك اعتقادا قويا في إيران بأن الحرب كانت بمبادرة أردوغان"، وليس مبادرة الرئيس الأذري إلهام علييف.

وصادقت إيران على الهدنة التي توسطت روسيا فيها والتي أنهت القتال في 11 نوفمبر، لكنها كشفت عن شكوكها في الطموحات التركية والحساسيات الاجتماعية والثقافية. فعلى سبيل المثال، تلا أردوغان قصيدة في باكو اعتبرت طهران أنها تدعو إلى الانفصالية الأذرية، مما أثار أعمال شغب مناهضة لتركيا في مدينة تبريز الإيرانية.

ووصف عزيزي هذه الواقعة بأنها "مثال جيد على كيفية رؤية إيران لموقعها" بعد الصراع، وقال إن رد الفعل على خطاب أردوغان يدل على عدم ارتياحها.

وأضاف: "ربما بالغت إيران في رد فعلها، لكن عندما يتعلق الأمر بقرة باغ، تشعر طهران بالقلق من أن النفوذ التركي المتزايد سيكون على حسابها".