ماذا ستفعل الجالية الأرمنية في انتخابات البطريرك؟

كنت قد كتبت قبل أيّام مقالا حول عملية انتخاب بطريرك الأرمن في تركيا، بالإضافة إلى التحديات والمآزق التي مرت وتمر بها تلك العملية.

فبعد أن دخل البطريرك المريض (مُوطَافْيَانْ) في حالة الغيبوبة عام 2008، لم تجر أيّة انتخابات جديدة، وفي عام 2010 تم تعيين (آرام آتَشيان) من قِبل الدولة التركية كنائب للبطريرك.

وعلى الرغم من كثرة طلبات الانتخابات الجديدة تم رفض جميعها بطريقة أو بأخرى، ولكن بعد وفاة موطافيان سقطت نيابة (آرام آتشيان) تلقائياً، مما يعنى أنه لم يبقَ هناك مفر من إجراء الانتخابات.

وقد كان إتاحة فرصة إجراء انتخابات أمراً باعثاً للسرور لدى الطائفة الأرمنية، ولكن لا زالت الأحداث اللاحقة تخلق أزمات جديدة في صفوفهم وتعكر صفوهم.

ومن المؤسف أن "المرسوم" الذي نشرته وزارة الداخلية بشأن انتخاب البطريرك أدّى إلى خلق حالة من التعدّي على حقوق المرشحين لهذا المنصب؛ حيث إن المرسوم الذي يحدد الشروط اللازمة في المرشح ينص في الفقرة (ج) من المادة 25 على أنه لا بد من أن يكون المرشح من فئة أساقفة البطريركية الأرمنية في إسطنبول. وبهذا الشرط تم تحييد 10 مرشحين من أصل 13 مرشحا.

 وقد أعلن واحد فقط من هؤلاء المرشحين الثلاثة الباقين رفض المشاركة في الانتخابات بحجة أن المرسوم يعد انتهاكاً للحقوق.

صحيح أن المرشحَيْن الآخَرَين، وهما سربازان مشاليان، وسربازان آتيشيان، أقرا بأن المرسوم كان معيباً، إلا أنهما سرعان ما بدأا بـ"حملات انتخابية" كما لو لم يحدث شيء.

وإذا كنا نعلم أن هذين المرشحين كانا يلبيان مطالب الدولة وكانا من المقبولين لديها حتى قبل ترشحهما لمنصب البطريركية، فمن الواضح أن كلاً منهما سيتصرف بالسمع والطاعة تجاه الدولة، أيهما انتخب.

وعلى الرغم من أن قطاعات مختلفة من المجتمع الأرمني عارضت المرسوم وطلبت إعادة النظر في القرار، فإن لجنة المبادرة (اللجنة الانتخابية) التي تكونت من قادة المجتمع الأرمني ومديري جمعياتهم ورجال الدين الأرمن في إسطنبول لم يُلقوا بالاً لتلك الاعتراضات منذ اليوم الأول، بل مارسوا الضغوط على المعترضين، بذرائع لا أساس لها من الصحة، مثل قولهم: "إذا لم نقم بإجراء هذه الانتخابات، فلن يسمحوا بإجرائها مرة أخرى."

وقد أدى ذلك إلى تذمر في صفوف اللجنة أيضا واستقالة ثمانية أعضاء منها على التوالي.

وعندما لم تعترض اللجنة الانتخابية على المرسوم بدأ الأرمن في تجربة طرق مختلفة؛ حيث رفعت مجموعة من المواطنين الأرمن دعوى قضائية ضد المواد ذات الصلة من المرسوم طالبين بإلغائه ووقف تنفيذه، كما أنهم نشروا بيانا مفاده: "أن جميع دعواتنا إلى داغباه سربازان مَشاليان، ورئيس المجلس الروحاني سربازان آتشيان، وأعضاء اللجنة الانتخابية لم تسفر عن أية نتائج حتى الآن، واستمروا كلهم بالاعتقاد بأنهم يتفادون الوضع الحالي، ولكنهم يخاطرون بمستقبلنا، وعلى الرغم من اعتراف كل منهم بأن المرسوم  كان خاطئاً، إلا أنهم استسلموا لنقاط ضعفهم المتعلقة بمصالحهم الدنيوية. وحتى لا نخجل أمام الأجيال المقبلة، ونتركَ لهم مستقبلاً مليئًا أكثر بالأمل، بدأنا العملية القانونية لوقف الانتخابات وإعادة النظر في المرسوم."

بعد ذلك، رفع المحامي سيمون جَكَمْ، عضو مجلس إدارة جمعية كنيسة حوران، دعوى جديدة إلى القضاء، مشيرا إلى الشرط الذي أتي به مرسوم وزارة الداخلية والذي ينص على أنه يجب أن يكون المرشح لمنصب البطريركية من "أساقفة بطريركية إسطنبول" لم يكن موجودا في المراسيم السابقة، وأنه يتعارض مع حقوق المرشحين وقوانين الانتخابات.

وأضاف: "أن لجنة المبادرة (اللجنة الانتخابية) أهملت واجبها من خلال عدم اعتراضها على المرسوم، وعليه فإننا نطالب بفسخ هذه اللجنة وتشكيل لجنة جديدة وإيقاف عملية الانتخابات لتفادي الأخطاء المحتملة."

وهناك من يدَّعي أن وزير الداخلية سليمان صويلو التمس من قادة الطائفة الأرمنية أن توضع في المرسوم مادة تخول لهم خوض الانتخابات بأعضاء مقبولين لدى السلطة الحاكمة.

ولا يهم ما إذا كان هذا الادعاء صحيحاً أم لا، فالأمر المهم هو قبول هذا المرسوم الذي هو غاية في الإشكال وخوض الانتخابات في ضوئه.

ومع اقتراب موعد الانتخابات المزمع إجراؤها في بداية شهر ديسمبر لا تزال مجموعة من أفراد المجتمع الأرمني يفكرون بجديةٍ في القيام برد فعل تجاه هذا الوضع، ويفكرون في طريقة صحيحة للتعبير عن ذلك. فليس همُّ هؤلاء اختيارُ الأفضل من بين المرشحَين اللذين أُجبِروا على اختيار أحدهما، بل الأهم بالنسبة إليهم أن تتجلى الحقيقة وتتحقق العدالة.

وقد قامت هذه المجموعة بتشكيل فريق باسم "مبادرة الطائفة"، وجربت عددًا من الطرق لخلق الوعي بين أفراد الطائفة، ووجهت عشرات البيانات إلى اللجنة الانتخابية تناديها إلى تحمّل المسؤولية في إجراء انتخابات عادلة ونزيهة.

لسوء الحظ لم يعد هناك شيء يمكن فعله بعد الآن، والبديل الوحيد هو خيار المقاطعة. وبالفعل يعتقد بعض الأرمن أن عدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع سوف يشكك في شرعية الانتخابات، فهؤلاء لا يعتبرون هذه الانتخابات "انتخابات حقيقية"، وبالتالي يعتزمون عدم المشاركة فيها. وهذه خطوة مشروعة، ويمكن تَفَهُّمها.

وقد تطرق الأكاديمي أوهانيس كيليتشداغي مؤخراً إلى مسألةِ ما إذا كان يمكن أن يكون هناك طريقة بديلة عن "مقاطعة الانتخابات" وعدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع. حيث يعتقد كِيلِيتْشدَاغِي أن الذهاب إلى صناديق الاقتراع لا يعني بالضرورة تبرير الانتخابات والاعتقاد بشرعيتها. ويقول بأن "المهم هو ما تفعله أنت أثناء ذهابك إلى صناديق الاقتراع، وبإمكانك أن تبدي رأيك حول عدم الاعتراف بشرعية الانتخابات حتى أثناء ذهابك إلى صندوق الاقتراع، بل ربما تستطيع أن تعلي صوتك من خلال وجودك عند الصندوق أكثر من حالة رفضك له وغيابك عن عملية التصويت".

لهذا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو إلقاء أصوات فارغة، والأفضل من ذلك أن تكتب عليها عبارة "VOÇ / NO"  وتضعها في الظرف وترميها في صندوق الاقتراع. (وكلمة VOÇ  تعني باللغة الأرمنية: لا).

ويرى الأكاديمي كيليتشداغي أن الذهاب إلى صندوق الاقتراع والاحتجاج بكتابة "لا" على الورقة فكرة جيدة حقًا. ولكنني أعتقد أنه حتى جناح المعارضة في المجتمع الأرمني سيفضل الجلوس في المنزل، حيث يرون أنها طريقة أسهل وأكثر أماناً.

وبالمناسبة، صرح وزير الثقافة والسياحة المخول بالإشراف على الأوقاف والجمعيات، بما فيها الأوقاف الأرمنية، أن الوزارة بصدد الإعداد للوائح ومراسيم جديدة تنظم شؤون الانتخابات في الجمعيات التابعة للأقليات والطوائف، وأنه سيكون من أولوياتهم نشرها فور انتخاب البطريرك، وأن هناك تنسيقا شخصيا بينه وبين وزير الداخلية بهذا الشأن، وأن المشكلة ستحل نهائيا.

ومن الجدير بالذكر أن الإدارة العامة للجمعيات كانت قد ألغت اللوائح في فبراير 2013

على أساس أنها لا تلبي الاحتياجات، ولكنها لم تنشر بعد ذلك لوائح جديدة، ولذلك لم يتم انتخاب مجالس الإدارة في جمعيات الأقليات لمدة 6 سنوات.

وهذا يعني أن هناك ضوءا أخضر من الوزير، ولكن بأسلوب المساومة القذرة حيث يريد أن يقول: "اختر بطريكا يلائمني حتى أسمح لك بانتخاب مجالس الإدارة."

وهذه الصفقات القذرة تثير بطبيعة الحال تساؤلات في أذهان بعض أفراد المجتمع الأرمني، تجاه بعض الزعماء الذين يقفون أمام الدولة موقف السمع والطاعة، على حساب بعض المبادئ.

كيف سيتم حل المشاكل المادية والروحية لأفراد المجتمع الأرمني فيما يتعلق بالاحتفالات مثل الجنازات وحفلات الزفاف والمعمودية؟

ما نوع الأنشطة التي ستقام من أجل الحفاظ على الثقافة والمعتقدات الأرمنية؟

 ما نوع الفعاليات التي ستقوم بها البطريركية لشباب الطائفة الذين ابتعدوا عن البطريركية لمدة 10 سنوات؟

ماذا سيكون وضع الكنائس الأرمنية التي تم الحفر فيها بهدف البحث عن الكنوز؟

ما نوع المبادرة التي سيأخذها البطريرك الجديد؟

ما هي الطريقة التي سيتم اتباعها لتدريب رجال دين جدد؟

هل ستُتخذ خطوات لتعزيز العلاقات بين الأرمن في تركيا وبين أرمينيا وأرمن الشتات؟

كيف ستتخذ البطريركية موقفا بشأن الأرمن الذين بدلوا دينهم لكنهم يريدون العودة إلى جوهرهم؟

للأسف، إن هذه الأسئلة لا تهم المرشحين ولا أغلبية الطائفة الأرمنية التي تَستعد لاختيار أحد المرشحين، ولا الدولة.

أستطيع القول باختصار: إن الطائفة الأرمنية في تركيا ليس لها أن تضع لنفسها أجندة تخصها، وهي في الوقت نفسه تتطلع إلى الخوض في الانتخابات.

وليس في ذهنها إلا هدفان تريد تحقيقهما:

أولهما ألا تتعرض لمحنة كبيرة مرة ثانية، وثانيهما أن تحافظ على ما بقي في أيديها ماديا ومعنويا.

فهذه الحالة النفسية التي كبلت أيدي كثيرين من الأرمن، بالإضافة إلى المصالح الشخصية، والخوف والتذلل لدى بعضهم، قد يمكن تفسيرها وتبريرها بأعذار، ولكنها في الواقع مُهينة للغاية.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/patrik-sec/ermeni-toplumu-patrik-secimlerinde-ne-yapacak
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.