ماذا ستجني اليونان من الحوار مع تركيا؟

يختلف الحوار عن المفاوضات. وهو مقبول أكثر في العلاقات الدولية، وتشجّع عليه التشريعات والمجتمع الدولي. وتتم الزيارات في إطاره يوميا، على كل مستوى  في جميع أنحاء العالم. ويبقى اللقاء الثنائي على هامش بعض الاجتماعات الدولية شكلا من أشكال الحوار، لأنه ينطوي على تبادل المواقف والآراء وهو جوهر الدبلوماسية المطلق. ويصبح الدخول في حوار أكثر منطقية عندما يواجه الجانبان مشاكل أو مواقف متباينة.

للإجابة على السؤال المطروح في العنوان، يجب أن ننظر إلى الوراء إلى ما حدث خلال سنة 2019. باختصار، رأينا حجم الهجرة من تركيا يتضاعف ثلاث مرات، مع اتخاذ أنقرة موقف أكثر صرامة، سواء من حيث سلوكها غير القانوني، أو تصريحاتها العامة وحتى التهديدات التي وجّهتها لجيرانها. وشهدنا حربا هجينة على حدود اليونان الشمالية الشرقية مع تركيا في إفروس، واتفاقية الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس، والتنقيب عن المواد الهيدروكربونية على مسافات لا تتجاوز ستة أميال بحرية من الجزر اليونانية، والاستطلاعات الجويّة فوق الجزر اليونانية المأهولة.

بذلك، كانت تركيا تنتهج سياسة الضغط، واستراتيجية الإكراه، ودبلوماسية حافة الهاوية من أجل تهيئة الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى تصادم عسكري قبل التفاوض "مع الأسلحة على الطاولة".

واجهت اليونان سلوك أنقرة العدواني باستراتيجية ثابتة ومتسقة تربط الوسائل بالغايات، وتجمع بين السياسة والقوات المسلحة والدبلوماسية. وتقوم على ثلاث ركائز رئيسية:

1. الإعلان الموثوق والواضح لخطوطها الحمراء: مما يعني أنها ستسعى لمنع أي انتهاكا لحقوقها السيادية بأي وسيلة من الوسائل المتاحة لها.

2. رد فعل قوي على أي محاولات لانتهاك سيادتها أو حقوقها، كما شهدنا مع دفع المهاجرين وتحرّكات سفينة الأبحاث السيزمية التركية "أوروج ريس" غير المشروعة.

3. توضيح وجوب أن تمر أي علاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي أولا بمرشح علاقات حسن الجوار مع اليونان. وبالتالي، فإن أي انتهاكات لحقوقها السيادية ستؤدي إلى عواقب وخيمة على العلاقات الأوروبية التركية.

فهم المجتمع الدولي نقطتين: مواقف تركيا ستؤدي إلى زعزعة استقرار كبيرة في المنطقة وفي الناتو و ليست لليونان مسؤولة عن ذلك. وعلى الرغم من المقولة بأن الصراع يتطلب طرفين، كان التوتر ينتج باستمراره عن العدوان التركي وحده. وهو ما لم يترك أي عذر أو مجال لرفض المطالب باتخاذ إجراءات ضد تركيا لانتهاكها حقوق اليونان السيادية.

وفي الوقت نفسه، أعلنت أثينا رغبتها في فتح قنوات اتصال مؤكّدة أنها لن تجري أي محادثات تحت الضغط ولن تقبل أي إطار بخلاف ذلك الذي يوفره القانون الدولي والاحترام المتبادل.

في هذا الإطار، جاء تفعيل مبادرة الوساطة الألمانية. واستجابت اليونان بحسن نية إيجابيا، لأنها تريد أن تبدأ المحادثات مرة أخرى ولأنها دولة تعكس أفعالها توجّهاتها. ولن تكون موثوقة عندما تضع "خطوطا حمراء" يكون لانتهاكها انعكاسات دولية دون إثبات استعدادها لبذل جهد لتجنب هذا الخطر. وعلى مستوى العلاقات الدولية، لا تقل المصداقية أهمية عن القوة.

ومحت مشاركة اليونان في المحادثات الثلاثية، على الرغم من أن تركيا لم تعلن عن تحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد إلا مؤخرا، أي اقتراح بأنها يمكن أن تكون مسؤولة عن أي تصعيد محتمل أيضا. وأكدت مصداقيتنا وجنت ثمارها.

بعد كل هذا، أطلقت البحرية التركية إخطارا يُعرف باسم نافتكس لإجراء مسوح اهتزازية في المنطقة بين قبرص وكريت، وأظهرت بذلك أنها دولة تُفشل أي جهد للحوار وتسعى إلى المواجهة. بينما أدت سياسة اليونان المتسقة والموثوقة  مع تعزيز أسطولها في النهاية إلى تراجع تركيا.

ونتيجة لهذا، تحوّل اهتمام المجتمع الدولي إلى هذه المنطقة. ويمكن تفسير ممارسات مثل تسريب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو للمحادثات الثلاثية، وتحضير  سفينة الأبحاث السيزمية التركية "أوروج ريس" لتوجيهها نحو الجرف القاري اليوناني، على أنها محاولة من قبل دوائر معينة في الدولة المجاورة لتقويض أي حوار. وبتوجّه أعين المجتمع الدولي إليها، ستكشف هذه العملية صدق نوايا الأطراف وأي بلد يسعى إلى حل سلمي للخلافات على أساس قانوني ومن الذي يسعى إلى المواجهة.

تبقى اليونان ملتزمة بموقفها وراغبة في إعادة إطلاق المحادثات الاستكشافية الهادفة إلى ترسيم الحدود البحرية بين البلدين. وتعد المحادثات الاستكشافية عملية منظمة ومحددة من حيث الإطار والأهداف. ولتجنب أي سوء تفاهم، كان تحديد الشروط التي يجب توفّرها من أجل استئناف المحادثات الاستكشافية كشرط للمحادثات الثلاثية مع برلين، وليس أكثر من ذلك.

لا يزال البلدان في المراحل الأولى ولم تبدأ المحادثات الاستكشافية بعد. من جانب اليونان، تود الحكومة في أثينا أن يبدأ هذا في أقرب وقت ممكن، لأنه ليس لديها ما تخشاه. وإذا كان الحوار فعّالا، فسيجلب ذلك الاستقرار ويعزز حقوق البلاد.

إذا تخلت تركيا عن أساليب الضغط والإكراه، فسوف تمهّد الطريق للتعاون مع اليونان وأوروبا ، مما يجلب فوائد متعددة. وإذا لم تقرر ذلك، فسيتعين عليها تحمل مسؤولية خياراتها. لقد أثبتت اليونان موثوقيتها. فهي ملتزمة بسياسة تسترشد بالمبادئ والقانون، لكنها تعرف كيف تدافع عن حقوقها أيضا. ولن تجري مناقشات تحت الضغط ولن ترضخ للابتزاز ولن تتراجع في وجه التهديدات.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-greece/what-would-greece-gain-dialogue-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.