اومت كرداش
يوليو 28 2019

ماذا سيبقي لتركيا إذا ضاعت منها قيم الخير والحق والجمال

يتألف المجتمع في كل دولة من طوائف وجماعات تختلف فيما بينها في هويتها العرقية ومعتقداتها الدينية وفكرها السياسي والفلسفي والثقافي. وهذا أمر طبيعي لا غرابة فيه. 

وإذا تمكنت تلك الطوائف المختلفة، التي تعيش - جنباً إلى جنب - على أرض وطن واحد، من إدراك إرادتها في العيش بسلام؛ من خلال التواضع على قيم معينة، فإنها تستحق حينئذٍ أن تكون جزءاً من مجتمع متماسك يتحدث أبناؤه مع اختلاف انتماءاتهم بصيغة "نحن" فقط. 

وعلى النقيض من ذلك، تقف الأفعال الفردية حجر عثرة أمام شيوع روح التلاحم بين أبناء الوطن الواحد، بل وتغذي روح الكراهية في المجتمع بتمييز طرف أو طائفة على الأخرى؛ فيصيب الدولةَ الضعفُ في شتى المجالات، ويحكم على الناس أن يعيشوا حياة تعيسة.

والواقع أن السياسة والبيروقراطية إما أن تشجعا على إقامة مجتمع مسالم سعيد، أو أن تعملا على إضعافه، بنشر روح الفُرقة بين أبناء المجتمع؛ سعياً وراء تحصيل مصالح أو إيديولوجيات خاصة. ونظراً لاستحالة تحقيق وحدة مجتمعية سياسية، فغالباً ما تصل الأوضاع إلى حدوث صدامات قانونية، بعيدة عن الديمقراطية، بين القوى المختلفة داخل المجتمع؛ طمعاً في السلطة. ودائماً ما تتسبب تحالفات بين القوى المختلفة في وقوع جرائم سياسية؛ يسقط بسببها الكثير من الضحايا.   

لذلك، حاولت السياسة والبيروقراطية - على مدار التاريخ - طبع الأشخاص، الذين ينتمون إلى طوائف مختلفة داخل المجتمع، على نمط واحد، وعمدت - في ذلك - إلى استخدام سياسات عنيفة مثل الترحيل والإبادة والإنكار والقتل، وتبنت في ذلك ثقافة الإفلات من العقاب في انتهاكات حقوق الإنسان. وكلما استمرت على هذا النهج، فهذا يعني أن العائق الذي يتعين عليها اجتيازه لا يزال قوياً صلداً.  

وفي حالة إذا لم يتم التوصل إلى حل وسط، وتحقيق السلام؛ استناداً إلى قيم مثل الحق والخير والجمال وقيم الحرية والإنسانية، فهذا يعني أن الفرصة لم تسنح بعد لتحقيق الوحدة السياسية.

وللأسف، فإن السلطة الحاكمة في تركيا - مع كافة الأجهزة التي تدعمها- لا تزال تعرقل إحلال السلام، والتوصل إلى تسوية؛ استناداً إلى تلك القيم الإنسانية الرفيعة؛ الأمر الذي يسبب شراً جسيماً. 

لا يمكن لتركيا المضي قدماً، مع اتباع الإيديولوجية التمييزية داخل "التوليفة" التركية الإسلامية، التي تنتهجها حكومة العدالة والتنمية، كما أنه لا توجد وسيلة لإقناع الكوادر البيروقراطية السياسية لهذه الأيديولوجية وامتداداتها المدنية؛ لأن ثقافة جزء كبير من المجتمع يغذي هذا الفكر.

ولكن ما المقصود بالقيم التي ذكرتها أعلاه، وأين الغالبية العظمى داخل تركيا من هذه القيم؟  

نقصد هنا بالقيم الأخلاقية أي دراسة الأخلاق من المنظور الفلسفي. والمقصود بالأخلاق - كما يعرفها الفيلسوف كانط - هي قوانين الحرية والمبادئ الأخلاقية. وعلى الرغم من أن الأخلاق كانت موجودة مع بداية وجود البشرية، إلا أن ميلاد علم الأخلاق كان مع تطور الفكر، الذي يتخذ من الإنسان والمجتمع مركزاً له في الفلسفة اليونانية القديمة، التي ركزت بشكل كبير على الكون وقوانين الطبيعة. 

يرى سقراط، الذي عاش في نفس فترة السوفسطائيين (مجموعة من المفكرين اليونانيين كانوا يُعلِّمون الشباب الخطابة وفنون الجدل)، أن الأخلاق مطلقة "ثابتة"، وهي المعيار عند الانسان. لهذا السبب، فالأخلاق - في رأيه - لا تتغير من إنسان لآخر، ولكن الوصول إلى المعرفة والفضيلة لا يتأتى إلا بالتعلم. 

تساعد المناقشات الأخلاقية (في إطار علم الأخلاق) على خلق وعي أخلاقي مشترك، وخلق مجتمع أكثر سعادة، كما تساعد على خلق وعي أخلاقي يشمل الجميع، من خلال توجيه الأفراد في أعمالهم؛ بتقديم أفكار أخلاقية مختلفة. 

ولكن إذا لم يتحمل السياسي مسؤولية عواقب الخروج عن برنامج حزبه، واعتبر أن كافة السبل مباحة أمامه؛ حتى يحافظ على موقعه وسلطاته، بما فيها تنحية الديمقراطية جانباً داخل الحزب، واعتمد لغة العنف والحرب وبث الكراهية منهجاً له؛ من أجل الحفاظ على سلطته ومصالح المقربين إليه، حتى لو كان ذلك على حساب سعادة الآخرين، فهذا يعني أن هناك مشكلة أخلاقية خطيرة.

وإذا ما جمعت السلطة الحاكمة في يدها وحدها كافة الصلاحيات، وأدارت مؤسسات الدولة (الجيش والمخابرات والشرطة والقضاء.... إلخ) دون تحري الشفافية، وحصَّنت نفسها من المساءلة في جميع أعمالها، فهذا يعني أيضاً وجود مشكلة أخلاقية خطيرة.

وبالمثل، إذا لم يبذل السياسيون والبيروقراطيون وأعضاء السلطة القضائية جهدهم من أجل سعادة المواطنين وسلامتهم، ولم يتحروا العدل في تعاملهم معهم، وإذا لم يتحملوا مسؤولية مكافحة الفساد والمذابح والكوارث التي تقع في مناطق حكمهم، وأصروا - في المقابل - على البقاء في مواقعهم تحت أي ظرف، فهذا يعني وجود مشكلة أخلاقية خطيرة.

إذا رأيتَ أن قوة الشريحة الموالية للسلطة الحاكمة تزداد، وأنها تنحي ضمائرها جانباً، وأصبح لها سلطة وسلطان داخل المجتمع، وصارت تعبد السلطة الحاكمة صاحبة النفوذ الأوحد؛ من أجل تأمين مصالحها، ولم تتردد في قتل كل من لا يفكر بنفس طريقتهم وفي تدميره، فاعلم أن هناك مشكلة أخلاقية خطيرة أيضاً.

إذا استقوى صاحب العمل بالدولة والسلطة الحاكمة واستغل العامل، وإذا ما تجرأ الذين يتولون أمر الدولة على الاستيلاء على مدخرات الناس واستثماراتهم، فهناك مشكلة أخلاقية خطيرة.

للأسف تنطبق كل هذه النقاط، التي ذكرتها أعلاه، على الوضع في تركيا؛ سواء على الصعيد السياسي أو على أصعدة البيروقراطية والقضاء والإعلام كذلك. والواقع أن هذه المجالات ليست مستقلة عن بعضها البعض؛ أي أنه إذا اختل معيار أحدها، فإن تأثير ذلك لا بد أن يمتد إلى المجالات الأخرى. وقد رأينا كيف تسبب تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية - على وجه الخصوص - في حدوث مشكلة أخلاقية لا يمكن تحملها في المجتمع التركي.

 دعونا ننتقل للحديث عن موقعنا بالنسبة لقيمة الجمال كذلك.

الإنسان - وفق علم الجمال - هو الكائن الذي يدرك ويفهم ويستمتع بالطبيعة أو بأي عمل فني، دون أن يكون ذلك بدافع منه أو لمصلحة لديه. ويهتم علم الجمال، أو فلسفة الجمال - كما يطلق عليها- بالموجودات في الطبيعة، أو الأشياء التي من صنع البشر. وهو يحلل القيم التي توصف بأنها جميلة.

إذن فعلم الجمال يبحث عن طبيعة الجمال، ليس في مجال الفن فحسب، وإنما في الطبيعة ككل، وهو في ذلك يهتم بالجمال الكامن في الموجودات بشكل أكثر توسعًا من اهتمام فلسفة الفن به.

السؤال الآن: هل من الممكن أن يفتقر الإنسان إلى الحس الجمالي، فيما يتعلق بالفن بوصفه من خلق الطبيعة والبشر، وهل يفتقر الساسة، الذين يجهلون المقصود بقيمة الجمال، إلى التمييز بين الحق والخير والجمال؟  

هل من الممكن أن يدرك نظامٌ دأب على تكميم أفواه الكُتَّاب ورسامي الكاريكاتير- بالزج بهم في السجون، أو بنفيهم، تحت زعم ارتكابهم جرائم سياسية - قيمة الجمال؟ 

هل هناك علاقة بين قيمة الجمال، التي نتحدث عنها، وعقليات لا تتردد في اقتلاع الأشجار، وتدمير المساحات الخضراء؛ من أجل غرس هياكل خرسانية، وبناء قصور فارهة، لا لشيء، وإنما لتحقيق الربح، وبعض أبناء الشعب لم يعترضوا على مثل هذا السلوك المشين؟

لا شك أن وجود القيم الأخلاقية والجمالية من عدمه في مجتمع من مجتمعات ينحصر بين ثقافتين؛ تحرص الأولى على الحفاظ على جمال الطبيعة وجزرها وخلجانها وتاريخها، وتسعى للتناغم مع الطبيعة، من خلال توفير خدمات تخدم العائلات، بدلاً من إقامة الفنادق الضخمة، أما الأخرى فهي ثقافة منفصلة عن التاريخ، لا تلقي بالاً بتدمير الطبيعة، وخنق جزرها وخلجانها، بمشروعات سياحية؛ الغرض الأول منها جني الأموال فحسب.

من الضروري على كل إنسان يسعى للعيش حياة سعيدة أن يبذل قصارى جهده؛ كي يكتسب قيمة الجمال في حياته، بالاستعانة بحرية العقل، وأن يبحث عن الحق والخير والجمال.  

دعونا ننتقل الآن إلى وجهة أخرى، ونسأل عن وضع القانون لدينا الذي يتوافق مع قيمة الحق؟ 

إن العدالة هي تحري الموضوعية وسيادة القانون. وتقوم فكرة العدالة الموضوعية على "تطبيق القانون كما ينبغي أن يكون". لهذا السبب، فإن العدالة هي الهدف النهائي والأسمى، الذي يسعى إليه القانون، أو بمعنى آخر إن القانون هو الوسيلة للوصول إلى العدالة.  

والقانون، الذي يهدف إلى تحقيق قيمة الحق أو العدالة، هو أيضًا مظهر من مظاهر الثقافة المتخمة برصيد ضخم من القيم الموجودة بالفعل، أو بمعنى آخر، إن القانون هو مفهوم ثقافي واقعي. 

وهذا يعني أيضاً أن القانون هو وسيلة الدولة لتحقيق سيادة القانون، أو بقول آخر هو أحد أدوات العدالة الموضوعية؛ التي تقتضي عدم اللجوء إلى استخدام القوة فقط، والاحتكام إلى القانون، وألا يكون فرض الإرادة الشخصية هو مصدر قوة الدولة. وبهذه الطريقة فقط، يمكن منع التعسف والاستبداد. وبدلاً من الاستبداد والانحياز، يصبح القانون ملزماً للطرفين. وهذا يعني أن القانون هو الضمانة الحقيقية للأشخاص، الذين يشرفون بحمل القيم الرفيعة؛ كي يتمكنوا من العيش في أمن وسلام، في ظل مناخ من الحرية والمساواة.   

يشرح كانط ما الذي يتعين على الفرد أن يفعله في تعامله مع الآخرين بقوله: "اعتمد في تعاملك مع الآخرين على احترام الكرامة الإنسانية لديك ولدى الآخرين، واحرص على أن يكون ذلك هدفاً لك على الدوام، وليس مجرد وسيلة". 

لقد استندت جميع الحكومات التركية، التي تتابعت طوال عصر الجمهورية، باستثناء بعض الجهود البسيطة، إلى نظام استثنائي؛ داس على الكرامة الإنسانية للمواطن، وانتهك سيادة القانون، فكانت النتيجة أن ساد الظلم، وضاع العدل، خاصة مع تحالف بدا - في مظهره الخارجي - تحالفاً مدنياً. 

لقد فقد ما يزيد عن مائة ألف شخص أعمالهم ووظائفهم؛ بسبب إجراءات إدارية تعسفية أقرتها مراسيم قرارات غير قانونية، أدت إلى تشريد أعداد كبيرة من الأطفال، بعد القبض على آلاف الأشخاص، واختلاق جرائم وأدلة زائفة لإدانتهم. ليس هذا فقط، بل وزج بمئات الأطفال في السجن مع أمهاتهم؛ مما حدا بمئات ممن تعرضوا لهذا الظلم إلى الإقدام على الانتحار.

لا شك أن انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا قد وصلت إلى مُنتهاها، وتحوَّل انتهاك حقوق الموظفين العموميين، وأعمال القتل بدم بارد، وممارسة أعمال العنف، إلى ثقافة للإفلات من العقاب.

من ناحية أخرى، حُكم على مئات الصحفيين والمراسلين، ليس لديهم مصدر دخل آخر غير رواتبهم، بعقوبات مشددة، دون تقديم دليل دامغ على ارتكاب أية جرائم. لهذا السبب أيضاً، تعرضت العائلات للتفكك.  

وكان أحمد ألتان ونازلي إليجاك وسرّي سوريا أوندر من بين الذين صدرت بحقهم أحكام بعد إدانتهم بتهم باطلة. وبالإضافة إلى هؤلاء، اضطر مئات آخرون من الصحفيين والكُتَّاب والأكاديميين إلى الفرار بحسرتهم إلى الخارج، والخدمة في بلدان أخرى. 
لقد فر بالفعل الكثير من الكفاءات خارج الوطن، بعدما فُقدت الثقة في نزاهة القضاء التركي، بل وفي الأمل في مستقبل البلد.

وبذلك تكون السلطة السياسية الحالية قد وجهت رصاصتها إلى رأس المجتمع، فأصابت جزءاً كبيراً منه بالعطب؛ فصار جسد المجتمع يبدي ردود فعل غير طوعية.  

وفي السياق نفسه، تم القبض على العديد من رجال الأعمال، وصدر بحقهم أحكام، بزعم انضمامهم إلى منظمات مهنية، على الرغم من أن هذه المنظمات كانت الدولة تعترف بوجودها وقت انضمامهم إليها. 

 وبالمثل قُدِّم عثمان كافالا، الذي ساهم بشكل فاعل بنشاطه في المجتمع المدني، للمحاكمة، بعد سنوات من التحقيق لم يوجه له خلالها أي اتهام حقيقي. ومع ذلك لم يطلق سراحه إلى الآن. 

 وعلى الرغم من أن غالبية زعماء المنظمات المحظورة وقادتها مثل جماعة فتح الله غولن وحزب الاتحاد الديمقراطي موجودة في الخارج، إلا أن الدولة تقوم بنصب الشراك للمعارضين لها، الذين يعملون في المؤسسات والهيئات العامة، وتوجه لهم الاتهامات بالانضمام لتلك المنظمات، دون تقديم دليل حقيقي تؤكد به صحة زعمها. 

وقد أصاب الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا في تعبيره عن هذا الوضع، عندما قال " إن الذين يستطيعون تصريف شؤون الدولة سراً يحكمون سيطرتهم على الدولة بالكامل، وهم ينصبون الفِخاخ للمواطنين في السلم، مثلما يفعلون وقت الحرب".  

أدى افتقار تركيا لقيم الحق والخير والجمال إلى وجود مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء والأسر المكلومة.  

حسناً، لم يعد هناك مكان لقيم الجمال والخير والحق الذي يهدف في الأساس إلى تحقيق العدالة، وامتلأ الفراغ الذي خلفه غياب هذه القيم بالشر واللامبالاة والفساد والظلم واليأس، وداست المصالح السياسية على كرامة المواطن، الذي لم يعد يدري كيف يخلق لنفسه مناخاً يستطيع العيش فيه بإنسانيته. 

هذا المقال يعكس آراء المؤلف وليس بالضرورة أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/adalet/etik-estetik-hukuk-yoksa-geriye-ne-kalir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.