ماذا سيقول ترامب لأردوغان في نيويورك؟

 

أعرب وزير التجارة الأميركي ويلبر روس في زيارته لتركيا، التي استمرت 5 أيام، أجرى خلالها مباحثات مع المسؤولين الأتراك، عن رغبة بلاده في زيادة حجم التجارة بين البلدين من 20 مليار إلى 100 مليار دولار، وفتح باب التصدير لتركيا؛ لتصدير منتجات بقيمة 50 مليار دولار، واصفاً إياها بالأرقام الصغيرة بالنسبة للاقتصاد الأميركي الذي يبلغ 5 تريليون دولار، ولم يغفل روس كذلك التأكيد على أن الوضع لم يتغير بالنسبة لموضوع فرض عقوبات على تركيا بسبب شراء الأخيرة منظومة S-400 الصاروخية من روسيا.
أكد روس على تصريحات وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين بأن العقوبات الأميركية على تركيا لا تزال موضع بحث، وأطلق تهديداته لتركيا قبل مغادرته أنقرة بقوله "قانوننا حازم وملزم (قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات).
وكان الرئيس الأميركي ترامب قد أطلق تهديده لأردوغان في ديسمبر من العام الماضي عقب قول الأخير "يمكن أن ندخل إلى هناك فجأة في أية ليلة"، في معرض حديثه عن أن العملية العسكرية التي سيقوم بها الجيش التركي في شرق الفرات يمكن أن تبدأ في أي وقت، ورد عليه حينها قائلاً "إذا هجمتم على الأكراد فسوف ندمر اقتصادكم".
وقد أعقب رسالة ترامب هذه، التي شارك بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اتصال تليفوني بين الرئيسين أُعلن بعده أن الزعيمين قد اتفقا على مواصلة التعاون فيما بينهما، بشأن إقامة منطقة آمنة في سوريا، وأنهما ناقشا مسألة زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 100 مليار دولار.
وخلال  الأشهر التسعة التالية لهذا الاتصال، كرَّر أردوغان حديثه عن القيام بعمل عسكري شرق الفرات، وردت الولايات المتحدة أيضاً بإطلاق تهديدات متواصلة لتركيا، مشددةً على أنها لن تسمح لتركيا بالدخول إلى شمال سوريا، كما أنها ستفرض حصاراً وعقوبات اقتصادية قاسية على تركيا حال أقدمت الأخيرة على شراء منظومة الدفاع الجوي S-400 من روسيا.
وبالتزامن مع هذه الأحداث، بعث نائب وزير الدفاع الأميركي حينها باتريك شاناهان برسالة إلى وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أبلغه خلالها أن أميركا بصدد فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية شديدة ضد تركيا؛ بسبب إصرار الأخيرة على شراء منظومة الدفاع الروسية  S-400، وأنه إذا لم تتراجع تركيا عن موقفها من هذه الصفقة، فسيتم استبعاد تركيا من المشاركة في مشروع الطائرة الحربية الأميركية المتطورة F-35، وسيتم إعادة طاقم الطيَّارين الذين يتلقون تدريبات في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من تصريح المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم كالين حينها بقوله "تركيا ليست مجرد عميل في مشروعF-35 ، وإنما شريك فيه" إلا أن الولايات المتحدة مضت بالفعل في اتخاذ إجراءات استبعاد تركيا من برنامج F-35 ".
وعلى الرغم من بدء روسيا عملية شحن أجزاء صواريخ S-400s إلى أنقرة في منتصف يوليو، إلا أن الرئيس ترامب لم يتخذ خطوة جادة نحو تطبيق تلك العقوبات على تركيا، بل إنه حاول بعد لقائه أردوغان، على هامش قمة مجموعة ال 20 في اليابان في أواخر يوليو الماضي، إيجاد المبرر لشرائها منظومة S-400، وذكر حينها أن تركيا اضطرت لشراء هذه المنظومة الدفاعية، بعدما رفضت إدارة أوباما تزويدها بنظام باتريوت.
وبعد هذه التطورات والتصريحات المتبادلة من الطرفين، أُعلن عن اتفاق بين ترامب وأردوغان تلتزم فيه تركيا بعدم نشر صواريخ S-400، وفي المقابل تتراجع أميركا عن فرض عقوبات عليها.
في غضون ذلك، تمركزت القوات الأميركية في شانلي أورفه-أقجه قلعه في تركيا، في إطار اتفاق جرى التوصل إليه بين الطرفين بشأن تنسيق العمل مع أميركا في المنطقة الآمنة، وإقامة مركز عمليات مشترك في هذه المنطقة.
وعلى الرغم من تصريح وزير الدفاع التركي أكار حينها بأن الاتفاق مع الولايات المتحدة بشأن المنطقة الآمنة يسير كما هو مخطط له،  إلا أن الرئيس أردوغان كان يتبنى وجهة نظر مضادة تماماً؛ إذ زعم أردوغان، بعد ذلك، وجود اختلاف بين المنطقة الآمنة، كما تتصورها الولايات المتحدة، وبين ما يدور بخاطر تركيا حيالها عند التطبيق على أرض الواقع، وأضاف أن أميركا أرسلت بالفعل ما بين 50-55 شاحنة محملة بالأسلحة والمعدات إلى وحدات حماية الشعب هناك.
استمر أردوغان في تصريحاته قائلا إن بعض المركبات المدرعة والدوريات التي تقوم بها 3-5 طائرات هليكوبتر لن يمكنها إقامة منطقة آمنة، وأضاف أنه إذا لم يتم إحراز تقدم ملموس في إحكام السيطرة على شرق الفرات حتى نهاية سبتمبر، فإن القوات التركية ستدخل بمفردها في تلك المنطقة. وفي غضون ذلك، عاود أردوغان حديثه عن تدفق محتمل للاجئين، في تهديد غير معلن لأميركا ودول الاتحاد الأوروبي.
من ناحيته، وصف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو موقف الولايات المتحدة ومقترحاتها ڊ "التدابير التجميلية"، وأضاف أن تركيا أتمت جميع استعداداتها، وأنها قد تبدأ في أية لحظة في التدخل بمفردها في المنطقة بشكل مباشر.
وبالتزامن مع الخلاف الذي دب بين الجانبين، بخصوص موضوع الاتفاق حول المنطقة الآمنة، بدأ الحديث يتردد عن التعاون الاقتصادي والتجاري مع الولايات المتحدة، والرغبة في زيادة حجم التجارة الثنائية بين البلدين إلى 100 مليار دولار.
وبينما المفاوضات مستمرة في تركيا بين وزير التجارة الأميركي ويلبر روس من ناحية، ووزير التجارة التركي روهصار بكجان وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق ورجال الأعمال وممثلي الغرف الصناعية والتجارية ورجال الصناعة في تركيا، خرج وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين بتصريح من واشنطن، أكد فيه أن العقوبات الأميركية على تركيا بسبب شرائها منظومة S-400 من روسيا لا تزال مطروحة على الطاولة في إطار قانون (مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات).
ومن اللافت أن تصريحات الوزير الأميركي جاءت بعد تعثر المفاوضات بين تركيا وأميركا بشأن المنطقة الآمنة، التي أعقبها مجيء جنرالين أميركيين إلى تركيا، ولقائهما مع قادة الأركان العامة والقوات المسلحة التركية، وتصريحات أردوغان بتحديد مهلة للولايات المتحدة حتى أواخر شهر سبتمبر الحالي.
وفي رأيي، فإن إدارة ترامب كانت تتبع سياسة "العصا والجزرة" مع تركيا عندما أرسلت وزير التجارة إلى أنقرة، وراحت تُغدق الوعود برفع التبادل التجاري بين الجانبين لضعفي حجمه الحالي أو ثلاثة أضعافه، وقيامها، من الناحية الأخرى، بإرسال رسالة لتركيا مفادها أن العقوبات الأميركية ضدها قد تدخل حيز التنفيذ في أية لحظة.
أما أردوغان، الذي يعاني من وضع الاقتصاد المتردي، فيرى أن الوعود الأميركية بالاتفاق حول تكوين منطقة تجارة حرة مع الولايات المتحدة، ورفع نسبة الصادرات التركية بنسبة تتراوح بين 40-50 مليار دولار مع مزايا جمركية كبيرة، تمثل أهمية حيوية بالنسبة لتركيا.
وعلى النقيض من ذلك، قد يجد أردوغان نفسه أمام الخيار الآخر المتمثل في فرض عقوبات اقتصادية على بلاده بسبب شراء منظومة S-400 الصاروخية، الذي سيكون من شأنه تعميق حدة الأزمة الاقتصادية الحالية، وما سيعقبها من ارتفاع جنوني لسعر الفائدة ونسبة التضخم، وسعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة التركية.
ذكر وزير التجارة الأميركي ويلبر روس، أثناء زيارته لتركيا، التي تعد أطول زيارة يقوم بها وزير أميركي لتركيا حتى اليوم (ثلاثة أيام في إسطنبول ويومان في أنقرة)، أنهم يسعون لتعويض الفجوة، التي نجمت عن الحرب التجارية، التي وقعت مع الصين بالتوجه إلى أسواق بعض الدول من بينها تركيا. وفي الإطار نفسه، خرج الرئيس الأميركي ترامب ليقول إنهم يسعون لرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 20 مليار دولار إلى 100 مليار دولار، على الرغم من إعداد الكونغرس الأميركي حزمة من العقوبات لتطبيقها على تركيا.
وعلى الجانب الآخر، لم يعط روس اهتماماً كبيراً بموضوع عقد اتفاق مع تركيا بشأن منطقة تجارة حرة بين البلدين، على الرغم من الأهمية الكبيرة التي توليها حكومة أردوغان لهذا الموضوع، واكتفى بالتعليق "عادةً ما تستغرق المفاوضات حول اتفاقيات التجارة (الحرة) سنوات. أعتقد أن الأمر استغرق من 8 إلى 10 سنوات من أجل التوصل إلى اتفاق شراكة عبر المحيط الهادئ. وهذا يعني أنه لا يمكننا أن نتوقع حدوث أي شيء خلال وقت قصير للغاية، كما أننا لم نبدأ بعد مرحلة التفاوض بشأن هذه الاتفاقيات. وبدلاً من ذلك، فإننا نركز الآن على الأشياء التي يمكن للدولتين تنفيذها خلال فترة زمنية وجيزة، والتي من شأنها تخفيف حدة التوتر بين البلدين".
من ناحية أخرى، أشار وزير التجارة الأميركي إلى أن بلاده لم تتراجع عن فرض عقوبات على تركيا بقوله "ليس هناك جديد في تصريح وزير الخزانة (إننا نبحث مسألة العقوبات). لدينا قانون يسمى (قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات) يضم أحكاماً واضحة وملزمة للحكومة. ومهما كانت النتيجة التي ستفضي إليها المفاوضات فيجب أن تأتي متوافقة مع متطلبات حلف الناتو وقواعده؛ لأن الولايات المتحدة وتركيا عضوتان في الحلف".
وقد أعلن في المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير التجارة روهصار بكجان عن قرار إنشاء لجان قطاع مشتركة لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، وأن الأولوية ستُعطى لقطاعات المنسوجات والأثاث والرخام والسيارات والمجوهرات والطيران المدني والاسمنت.
ومع ذلك، فالواقع الفعلي يؤكد حاجة الشركات التركية العاملة في هذه القطاعات إلى زيادة طاقتها الإنتاجية في هذه المجالات؛ حتى يمكنها تلبية الطلب الهائل للسوق الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، يجب على تركيا أن تعطي الأولوية في تحركاتها للأجندة السياسية والعسكرية بين البلدين بشكل يرضي تطلعات أميركا في مسألة صواريخ S-400 وشرق الفرات؛ حتى تنجو من العقوبات الأميركية المحتملة عليها؛ لأن عالم المال والأعمال سيفضل الانتظار؛ حتى يرى إلى أين تتجه الأحداث في تلك القضايا.
لذلك، فإن النتيجة التي سيتمخض عنها اجتماع أردوغان– ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ستبدأ في نيويورك في 17 سبتمبر، ستكتسب أهميتها من زاوية أنها ستعطي مؤشراً عن الفترة المقبلة.
وفي رأيي، فإن هذا هو السبب وراء تحديد أردوغان موعد عملية شرق الفرات في نهاية شهر سبتمبر؛ لأنه يعتقد  أنه سوف يقنع ترامب. وعلى الجهة المقابلة، أشار ترامب إلى ما يريده من أردوغان من خلال التصريحات التي أدلى بها وزير التجارة روس في أنقرة، ووزير الخزانة منوتشين في واشنطن. وهذا يعني أن ترامب قد وضع أردوغان أمام خيارين لا ثالث لهما..
وبالتالي لن نتفاجأ إذا عدل أردوغان عن رأيه عندما يعود من أميركا..
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/trump-erdogan/trump-new-yorkta-erdogana-ne-diyecek
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.