أغسطس 18 2019

ماذا تُريد تركيا من قواعدها في قطر والصومال ودول أخرى؟

برلين / لندن – بينما رأى تقرير جديد لموقع "شبيغل أونلاين" التابع لمجلة "دير شبيغل" الألمانية الشهيرة، أنّ نيّة تركيا زيادة تواجدها العسكري في قطر إنّما يعكس تحدّياً من قبل الدوحة للرياض ولولي العهد السعودي بشكل خاص، أعدّت "بي بي سي" دراسة خاصة حول انتشار القواعد العسكرية التركية خارج البلاد ومهامها وأهدافها، حيث لم تكن تركيا، وحتى قبل سنوات قليلة، تملك قواعد عسكرية خارج أراضيها ما عدا الوجود العسكري في شمالي قبرص الذي يعود لعام 1974.

وتمتلك تركيا قواعد عسكرية في كل من الصومال وقطر وقبرص، وكانت بصدد إقامة قاعدة بحرية في جزيرة سواكن السودانية لولا الإطاحة بالبشير، إلى جانب دعم عسكري غير مُعلن في ليبيا، فضلاً عن تواجد عسكري قوي شمال سوريا والعراق يهدف بالأساس لتقويض أيّ محاولة كردية انفصالية.

وحسب "دير شبيغل" فإن عدد الجنود الأتراك في الإمارة الخليجية قد يتجاوز خمسة آلاف قريباً، مُشيرة إلى أنّ "ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هو القوة الدافعة" لتلك المقاطعة الخليجية العربية لقطر، حيث وضع عدّة مطالب للدوحة من أجل إنهاء المقاطعة من بينها إغلاق القاعدة العسكرية التركية التي افتتحت في قطر عام 2016.
وذكرت الكاتبة هاندي فيرات أنّ حديثاً يدور عن "افتتاح كبير" في الخريف المُقبل للقاعدة العسكرية التركية الجديدة، موضحة أنها سافرت للدوحة وزارت قاعدة طارق بن زياد.
وأشارت فيرات إلى أن هذه القاعدة العسكرية في قطر مستمرة في النمو، وأنه يجري بناء قاعدة جديدة بالقرب من قاعدة طارق بن زياد العسكرية. ولفتت إلى أن أعمال بناء القاعدة الجديدة انتهت وأنها تضم عددا كبيرا من المنشآت الاجتماعية.

 

ومنذ وصول الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الحكم في تركيا عام 2002، شهدت تركيا تغييرات على الصعيدين الداخلي والخارجي، ومن أبرز هذه التغييرات رؤية تركيا لدورها الإقليمي على ضوء تاريخها العثماني، وما تشهده المنطقة المحيطة مباشرة بها من اصطفافات جديدة وتوترات وصراعات، حتى أنّ أردوغان قد انقلب على أقرب المُقرّبين منه في تركيا وخارجها، وحاد بشكل كامل عن سياسة "صفر مشاكل" التي كان قد اتخذها شعاراً من قبل لسياسته الخارجية.
يقول التقرير الحديث الذي بثّته "بي بي سي"، إنّ إحساس الرئيس أردوغان المتزايد بالتهديد من قبل السعودية والإمارات على الصعيد الإقليمي والمحاولة الانقلابية الفاشلة ضده عام 2016 عاملان أساسيان وراء السعي التركي المحموم لإقامة قواعد في قطر والصومال وفي غيرها.
ويرى أنّ القواعد التركية في سوريا والعراق لها دور وظيفي محدد وهو مرتبط فقط بمنع أكراد سوريا والعراق من تحقيق أي نوع من الاستقلال أو الحكم الذاتي، وهذا موقف الدولة التركية منذ ولادة الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك قبل نحو قرن.
وأقامت تركيا العديد من القواعد العسكرية الخارجية في كل من الشرق الأوسط وأفريقيا خلال السنوات الأخيرة بحيث يمكن لتركيا نشر أسلحة جوية وبرية وبحرية كبيرة في مناطق تعتبرها مهمة لحماية مصالحها الاستراتيجية خارج حدودها، وكذلك مواجهة منافسيها الإقليميين في المقام الأول المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية.

 

وجود غير مُعلن في ليبيا
لتركيا وجود عسكري غير مُعلن في ليبيا وهي تقدم المساعدة العسكرية لحكومة الوفاق الوطني التي تخوض صراعا عسكريا ضدّ قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر. وقد أرسلت تركيا عدداً من حاملات الجنود التي تنتجها والطائرات بلا طيار إلى قوات حكومة طرابلس.
ورغم أنّ هذه الإمدادات لن تُغيّر موازين القوة على الأرض لكنها رسالة إلى مصر والامارات والسعودية مفادها أنها لن تترك هذه الدول تنفرد بصياغة مستقبل ليبيا والقضاء على أي دور أو نفوذ تركي في ليبيا كما جرى الأمر في مصر عندما جرت الإطاحة بحكم الإخوان عام 2013.
وعقب الإطاحة بحكم عمر البشير في السودان، أفادت بعض التقارير الصحفية عن وصول قوات سودانية إلى ليبيا لدعم قوات حفتر ضد الجماعات المسلحة التي تدعم حكومة طرابلس.
كما ذكرت بعض الأنباء أنّ السلطات السودانية قد طلبت من الجانب التركي وقف العمل في جزيرة سواكن بشكل كامل، وكان يتضمن إقامة قاعدة بحرية فيها لأغراض عسكرية ومدنية وغيرها من الأعمال حسب الاتفاق الموقع بين البلدين عام 2017.

 

الصومال
بعد عام ونصف من افتتاح قاعدتها في قطر أقامت تركيا في الصومال قاعدة عسكرية كبيرة في العاصمة مقديشو لتدريب الجنود الصوماليين. وبلغت نفقات إقامة القاعدة حوالي 50 مليون دولار حسب بعض المصادر ويمكنها أن تأوي حوالي 1500 جندي وتقديم التدريب لهم في وقت واحد لمساعدة الحكومة الصومالية في التصدي لجماعة الشباب الاسلامية المتطرفة.
وتبلغ مساحة القاعدة أربعة كيلومترات مربعة وهي قادرة على استقبال قطع بحرية وطائرات عسكرية إلى جانب قوات كوماندوس.
وتقدم تركيا السلاح والعتاد للقوات التي تقوم بتدريبها في الصومال. وترافق الوجود العسكري التركي في الصومال مع قيامها ببناء مدارس وطرق ومستشفيات. كما قامت قطر بتقديم مئات الملايين من الدولارات للحكومة الصومالية لتمويل بناء طريقين أساسيين في البلاد.
وما يلفت الأنظار أن النشاط التركي في الصومال تزامن مع ترسيخ الامارات لنفوذها في الإقليمين الصوماليين اللذين انفصلا عن الصومال وهما أرض البونت وأرض الصومال. فقد استثمرت الامارات 440 مليون دولار في ميناء بربرة في أرض الصومال و336 مليون دولار في ميناء بساسو في أرض البونت.
لكنّ طموحات تركيا في ترسيخ وجودها العسكري في القرن الأفريقي تبقى تحت رحمة الجانب المصري الذي يتحكم بقناة السويس، ويمكنه منع السفن والبواخر التركية من المرور عبر القناة في حال تحول التنافس بين البلدين إلى مواجهة.

 

سوريا والعراق
مع تصاعد النشاط العسكري لحزب العمال الكردستاني في منتصف ثمانينيات القرن الماضي حتى خروج قيادة الحزب من سوريا انشغلت تركيا بهذا الصراع الدامي داخل حدودها غالبا، رغم فترات الهدوء القليلة التي شهدها هذا الصراع من حين إلى آخر.
وأقرّت تركيا عام 2018 بوجود 11 قاعدة عسكرية تركية داخل العراق، لكنّ العدد الحقيقي لهذه القواعد يصل إلى أكثر من 15 قاعدة عسكرية وبعضها يقع على عمق 30 كيلومترا داخل إقليم كردستان العراق، بحسب تقارير حديثة.
أما في سوريا فقد أقامت تركيا 12 نقطة مراقبة داخل محافظات إدلب وحماة وحلب بالاتفاق مع الجانب الروسي بهدف إقامة ما يعرف بمنطقة خفض التصعيد، لكن ذلك ظل حبراً على ورق فالمعارك لم تتوقف فيها بين قوات المعارضة والقوات السورية المدعومة بالطيران الروسي.
وقامت تركيا بتعزيز هذه النقاط التي تحولت إلى قواعد عسكرية حقيقية في عمق سوريا مثل تلك الواقعة قرب بلدة مورك وسط سوريا وعلى بعد 88 كيلومترا عن الحدود التركية.
كما تحتفظ أنقرة بعدد من القواعد العسكرية في مناطق الباب وجرابلس واعزاز وعفرين، وهي مناطق واقعة على الحدود التركية السورية، وتسيطر عليها تركيا وتديرها مع قوى المعارضة المناوئة للحكومة في دمشق، فيما تخضع تلك المناطق لعمليات تتريك شاملة لكل مناحي الحياة.