أحوال تركية
يونيو 19 2019

ماذا وراء تصعيد أردوغان تهديداته ضدّ خصومه؟

أنقرة - عاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى لهجة التهديد والوعيد التي دأب على استخدامها وتوظيفها، بطريقة يصفها معارضوه بالشعبوية، من أجل تجييش بعض الدعم الشعبيّ والانتخابيّ له.

وبالتزامن مع عودته للهجته العدائية تجاه الآخرين، تثار أسئلة من قبيل: ما الذي دفع أردوغان إلى إطلاق سهام انتقاداته اللاذعة هنا وهناك على خصومه في الداخل والخارج؟ هل ينبع ذلك من اقتناعه أنّه أدخل نفسه والبلاد معه في نفق مظلم وأنّ التصعيد اللفظيّ قد يظهره بمظهر القويّ الواثق من قراراته أم أنه يلجأ إلى ذلك بعد عجزه ويأسه من قدرته على تحقيق أيّ فرق أو تغيير؟

على الصعيد الداخليّ، يحاول أردوغان تعويض خسارة حزب العدالة والتنمية لإسطنبول في الانتخابات المحلية التي جرت في 31 مارس، والتي اعتبرت من أكبر الانتكاسات التي تعرض لها منذ وصول حزبه للسلطة في عام 2002، ويلجأ إلى أساليب ملتوية لا تليق برئيس يقدّم نفسه على أنّه رئيس للأتراك جميعاً، وليس لأعضاء حزبه الإسلاميّ الحاكم فقط، بحسب ما يؤكّد معارضون أتراك.

وأعلن أردوغان شنّ هجوم على أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول الذي خسر منصبه، وذلك قبل أيام من إعادة حاسمة لانتخابات البلدية، واتّهمه بأنه على صلة بالداعية فتح الله غولن، الذي يعيش في الولايات المتحدة، والذي تلقي أنقرة باللوم عليه في محاولة تدبير الانقلاب الفاشل في عام 2016.

وقال أردوغان محاولاً تشويه سمعة إمام أوغلو، وترويع مناصريه والناخبين الذين سيصّوتون له، بأنهم إنّما يختارون مرشّحاً مشبوهاً قد تلقي السلطات القبض عليه بأية لحظة، واتهامه بالإرهاب، أو مناصرة الإرهابيين، أو زعم أو اشتباه صلته بغولن: "أين يقف؟ إنه مع أنصار غولن"، واستشهد بتغريدات أرسلها إمام أوغلو على تويتر في يوم الانقلاب لكنه لم يقدم أي دليل آخر.

وحاول أردوغان تجييش المشاعر الدينية أكثر فأكثر قبيل انتخابات بلدية إسطنبول التي من المقرر إجراؤها يوم الأحد المقبل، بتوظيف واقعة موت الرئيس المصري السابق محمّد مرسي، من أجل الإيحاء أنّ الإسلاميين مستهدفون، وأنّ من الواجب مناصرة مرشّحه المهزوم بن علي يلدريم لانتخابات بلدية إسطنبول.

ويأتي تصريحه اليوم وقوله إن الذين "يتوقعون لأردوغان مصيرا مشابهًا لمصير مرسي، هم من أتباع عقلية السيسي، نحن لا نخاف من هؤلاء، لأننا ارتدينا أكفاننا وسلكنا هذا الطريق"، في سياق التعبئة الشعبية، وأنّه موقوف لخدمة تركيا وأبنائها، وأنّ ذلك جهاد في سبيل الله.

وتراه بعد تلهّيه بقضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في أكتوبر الماضي، وفشله في تدويلها، يحاول استغلال موت مرسي، والقول إنهم سيتابعون التطورات المتعلقة بوفاته، وإنهم سيفعلون كل ما يتطلبه الأمر لمقاضاة مصر في المحاكم الدولية..

وذلك على الرغم من السجلّ السيّئ الصيت لتركيا في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، وتجاهل أردوغان لعشرات الألوف من المعتقلين في السجون التركية، والممارسات الشائنة التي تتمّ بحقّ السجناء من تعذيب وقتل في تلك السجون، وكان آخر مثال على تلك الوحشية، تصفية السجين الفلسطيني زكي مبارك الذي اعتقلته أنقرة واختلقت له تهمة التجسس ولفّقتها له. وجاهد أردوغان للتغطية على الأمر، ولم يكترث لدعوات أهل مبارك وأسرته بإجراء تحقيق بمقتله، ما دفعهم إلى المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية من أجل ذلك.

أردوغان يقوم بتشويه سمعة إمام أوغلو، وترويع مناصريه
أردوغان يقوم بتشويه سمعة إمام أوغلو، وترويع مناصريه

وفيما يتعلّق بتعزيز موقفه الداخلي، وإبراز نفسه على أنّه الزعيم القوي المتشبّث بكلمته، أعلن أردوغان أمس أنّه لن يتراجع عن صفقة شراء منظومة صواريخ إس -400 الدفاعية الروسية، وأنّ بلاده ستحصل عليها قريباً، وبأنه أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا رجعة عن اتفاق شراء منظومة صواريخ إس-400، جدد أردوغان تأكيده أن تركيا أكملت الصفقة وأغلقت الملف، وستتسلم قريباً جداً طلبيتها من المنظومة.

وكعادته في تحميل جهات يتهرّب من تسميتها، ويحاول التلويح والتلغيز بأنّه مكتشف الأسرار والخبايا، وفاضح نظريات المؤامرة، يلقي أردوغان بانتقادات على مَن يصفهم بالمتآمرين الذين يتربّصون ببلاده، ويعملون على تخريب اقتصادها، وتراه يكرّر ويقول إنهم "لا يريدون رؤية تركيا تدافع عن المظلومين والمضطهدين، بل يريدونها تتسول على أبواب صندوق النقد الدولي طلبا للدين".

ويسخر مراقبون من ذلك، بالإشارة إلى أنه هنا من المفترض أن يفهم الناخب التركي أنّ المقصود هم خصوم أردوغان جميعاً، في الداخل والخارج، وكلّ من لا يريد الخير لتركيا، بحسب تعبيره، وكأنّ الأمر مرتبط بالحسنات والسيّئات، وليس مرتبطاً بالحقائق والأرقام والوقائع والسياسات التي ينتهجها والتي توصف من قبل كثير من الأتراك بالخاطئة.

ولا يفوّت أردوغان أيّة فرصة للتأكيد على حقوق بلاده في الغاز المكتشف قبالة السواحل القبرصية، ويهدد ويتوعّد بمحاسبة مَن يحاول منعهم من التنقيب في المتوسط وإيجة، وأنه لا أحد يستطيع منعهم من متابعة حقوق ومصالح القبارصة الأتراك شرق البحر المتوسط، ويصف الأمر بالاغتصاب، وأنه لن يسمح لأحد بغصب حقوق ومصالح القبارصة الأتراك شرق البحر المتوسط.

ويحرص أردوغان على ربط أية مسألة، داخلية أو خارجية، بقضية وجود البلاد، وأمنها القومي، وأنّ العمليات التي تنفذها أطراف مختلفة على أصعدة متنوعة، تستهدف فقط بقاء تركيا واستقلال شعبها، ويزعم أن النجاحات التي حققها في الاقتصاد والأمن والسياسة والدبلوماسية والصناعات الدفاعية خلال الأعوام الـ 17 الأخيرة، تزعج البعض بشكل كبير.

يقف الرئيس التركي في مواجهة واقع بائس، الاقتصاد التركي بأسوأ مراحله، الليرة تنهار بشكل متسارع، أسعار المواد الاستهلاكية ترتفع بطريقة جنونية، وتركيا على أعتاب خسارة حليفها الاستراتيجيّ؛ الولايات المتّحدة، من أجل إتمام صفقة صواريخ إس-400 مع روسيا، كما أنها تعاني في سوريا، ولا تستطيع تحقيق أية مكتسبات ميدانية، ناهيك عن إقحام الجيش التركي في حملة عسكرية ضد العمال الكردستاني بشمال العراق..

أمام هذه الملفات الشائكة، يلفت مراقبون للشؤون التركية إلى أنّ أردوغان بات محاصراً أكثر من ذي قبل، وأنّه حين تضيق الخيارات به فإنّه يلجأ إلى رفع وتيرة الشعبوية والتصعيد ليؤجّج التوتّرات، ويلعب على حبال الشعبوية، ويوظّف المستجدّات السياسية والاقتصادية لخدمته وخدمة حزبه، مقسّماً بذلك بين الأتراك، ومتعاملاً مع المواطنين الأتراك من منطلق مَن ليس معه فهو ضدّه، وهذا ما يناقض القسم الذي أدّاه كرئيس للجمهورية التركية، وللأتراك جميعاً من دون التفريق بينهم على أيّ أساس.