ماذا يريد الأكراد في تركيا وسوريا؟

بعد أن لعبت دورا رئيسيا في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، اكتسبت المنظمات الكردية في سوريا وتركيا سمعة دولية في شجاعتها وعزلتها. غير أن نجاحاتها العسكرية وحدها هي المعترف بها اليوم – فمطالبها السياسية بالحكم الذاتي والاستقلال الإقليمي والتعايش القائم على المساواة لم تُسمع على نطاق واسع، وأهدافها السياسية لا تزال محل تشكيك.

وعلى الرغم من ذلك، فإن ما يريده الأكراد واضح جلي. ففي كل من تركيا وسوريا، يتبعون نهجا سياسيا لحل المسألة الكردية بدون عنف. ذلك النهج الذي وضع أساسه زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان منذ العام 2000، تحت مسمى "الحكم الذاتي الديمقراطي".

ثمة تجربة كبيرة في الحكم الذاتي الديمقراطي شهدتها السنوات الأخيرة في المقاطعات الثلاث المنفصلة جغرافيا في شمال سوريا، والتي تعرف باسم "روج آفا"، حيث ساهمت المنظمات التي يقودها الأكراد وتربطها صلات بحزب العمال الكردستاني في إقامة نظام حكم ذاتي.

وقد وجهت الحكومة التركية ضربة قاصمة لهذا المشروع من خلال شن عملية عسكرية الشهر الماضي لإبعاد الأكراد عن حدودها. وتعتبر أنقرة حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، وتقول إن وجود جماعات متحالفة معه على حدودها يشكل تهديدا أمنيا، لكن الكثيرين يرون أن التهديد الحقيقي الذي يحدق بالحكومة التركية يتمثل في وجود منطقة حكم ذاتي بقيادة الأكراد.

وعلى الرغم من أن الأكراد في تركيا يتعرضون أيضا لعنف شديد تمارسه الدولة وينأون بأنفسهم عاطفيا عن تركيا، لا يزال الممثلون السياسيون الأكراد يصرون على هذا النهج، الذي يحول دون إقامة دولة كردية مستقلة ويقتضي التعايش الديمقراطي مع تركيا وسوريا. هذا النهج يمثل المرحلة الاستراتيجية الرابعة للحركة الكردية، التي تصفها بأنها "نضال الشعب الثوري".

ولعل نهاية الاتحاد السوفيتي والإدراك المتزايد للطريق المسدود الذي أفضت إليه الحرب التي يشنها حزب العمال الكردستاني على الدولة التركية منذ العام 1984 هو ما دفع الحركة الكردية إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها ومبادئها الأساسية.

وأهم ما في ذلك هو أن هدف الاستقلال الوطني عن الدولة التركية قد تم استبداله ليحل محله مفهوم الحكم الذاتي الديمقراطي، والذي يستند إلى مفاهيم الكومونالية والكونفدرالية التي أرساها المفكر الليبرالي موراي بوكتشين.

جرى اقتراح ذلك باعتباره نموذجا لإضفاء اللامركزية على الدولة وتحقيق تغييرات جذرية في المساواة بين الجنسين والبيئة والاقتصاد المجتمعي. هذا النموذج يحاول إعادة سلطات الحكم إلى أيدي الشعب من خلال تطبيق هياكل الديمقراطية المباشرة، مع المطالبة بالاعتراف من خلال وضع الحكم الذاتي داخل الدولة المعنية.

من هذا المنطلق، فإن ذلك النموذج يمثل في المقام الأول ردا على نقد الدول القومية بصفة عامة، بمبادئها التجانسية والإقصائية للمواطنة وأنماط الحكم المركزية، وعلى الأخص تركيا وسوريا وإيران والعراق التي حاولت إنكار وجود الأكراد وغيرهم من الطوائف الدينية والعرقية مثل العلويين والأيزيديين والآشوريين. فكل من تلك الأقليات واجهت محاولات وحشية للقضاء عليها وتذويبها.

وعلى عكس نموذج بوكتشين، لا يعتمد الحكم الذاتي الديمقراطي الكردي على مجالس الأحياء فحسب، بل على آليات متغيرة تغيرا جذريا لنظام صنع القرار من القاعدة إلى القمة، والتي تتضمن مجالس مصنفة بحسب الانتماءات الاجتماعية مثل نوع الجنس والعمر والعرق والدين. وترتبط هذه الكيانات ببعضها البعض عن طريق منظومة مندوبين متعددة المستويات لمجالس المناطق المحلية وفي عموم البلاد.

يهدف الحكم الذاتي الديمقراطي إلى توفير سبيل للطوائف العرقية والدينية وغيرها من الفئات الاجتماعية للتعايش السلمي معا دون أي خوف من العنف والتذويب والاضطهاد.

هذا النموذج يختلف عن البرامج الأخرى للتغيير من أسفل إلى أعلى في أن الحركة الكردية لا تنتظر حدوث تغيير جذري للحكومة ولا قيام ثورة ولا التحرير الوطني، بل تهدف بدلا من ذلك إلى الإرساء الديمقراطي للأدوات والآليات الضرورية لإقامة الحكم الذاتي بحكم الأمر الواقع.

بدأت الحركة الكردية في إضفاء الطابع المؤسسي على نظام للمجالس على مستوى القرى والأحياء، ومجالس للمناطق والمدن، وكذلك لفئات النساء والشباب والأديان والأعراق التي يجتمع المندوبون عنها في المجالس الشعبية.

وقد حدث ذلك تحت مظلة الحركة من أجل مجتمع ديمقراطي في روج آفا، وفي المناطق الجنوبية الشرقية من تركيا المعروفة باسم كردستان الشمالية تحت مظلة حزب المجتمع الديمقراطي، الذي حظرته الدولة التركية في العام 2009 بسبب صلته بحزب العمال الكردستاني.

في ذلك استفادت الحركة الكردية في تركيا من بعض مؤسسات الدولة، بما فيها البلديات المنتخبة التي حققت فيها الأحزاب الكردية نجاحا متزايدا على مدى السنوات العشر الأخيرة. لعبت البلديات دورا حيويا بصفة خاصة، على سبيل المثال في إنشاء مؤسسات بديلة في المجالات التعليمية والاجتماعية والصحية ومجال إعانة الفقراء، كما بادرت بمساع اقتصادية بديلة مثل الجمعيات التعاونية النسائية.

لا تزال عملية إنشاء هذه المؤسسات والآليات قيد التطوير، وتنطوي على صعوبات كثيرة. وفي سوريا، تواجه هذه العملية عراقيل من الدولة السورية أقل من تلك التي تواجهها جراء الحرب على داعش وهجمات تركيا.

هيأت الحرب الأهلية الوضع الذي مكّن روج آفا من إعلان نفسها منطقة حكم ذاتي داخل سوريا في العام 2012، ووضعت لنفسها دستورا أطلقت عليه اسم "العقد الاجتماعي"، وأقامت مؤسسات خاصة بها. الكثير من الكومونات التي أقيمت في روج آفا يعمل بشكل أكثر استقلالا عن تلك القائمة في تركيا، إذ تهتم بشؤون الكهرباء والإمداد بالغذاء وتنظيم دعم الفئات الأشد فقرا في المجتمع وتزويدها بالوقود وغيره من الاحتياجات الأساسية إلى جانب بحث المشاكل الاجتماعية الأخرى وحلها.

قام البعض بإنشاء تعاونيات في الكومونات، بما في ذلك مخابز وورش خياطة ومبادرات زراعية. كما أن بها هيئات معنية بتنظيم شؤون الدفاع والعدالة والبنية التحتية والبيئة والشباب وكذلك الاقتصاد. ذلك كله يتعرض للهجوم والتدمير حاليا من جانب القوات التركية وحلفائها من المعارضة المسلحة السورية.

إن القضاء على الهياكل والأفكار الذكورية يمثل هدفا محوريا لدى الحركة الكردية. فقد تم التأكيد بقوة على فكرة أنه لا يمكن لثورة أن تقوم بدون تغيير جذري فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين. وبالتالي، تجد النساء لنفسها أماكن في جميع مراحل عمليات صنع القرار من خلال الكوتا البالغة 40 في المئة ونظام الرئاسة المشتركة، وهو ما يعني أن جميع المناصب المركزية يشغلها الرجال والنساء معا. ثمة لجان يقتصر تشكيلها على النساء تتمتع بسلطة التعامل مع جميع شؤون المرأة، كما يتم دمج النساء في منظومة الدفاع المسلح عن النفس، ولهن جناح عسكري خاص بهن في روج آفا.

وفي تركيا، تمت عرقلة إنشاء مثل هذه الهياكل للحكم الذاتي الديمقراطي وبشكل عنيف، لاسيما من خلال الاحتجاز الجماعي للقادة المحليين والإقليميين للحزب الكردي الشرعي وكذلك رؤساء البلديات المنتخبين والحكام المحليين (المختار) وأعضاء البرلمان والمحامين والصحفيين والأكاديميين البارزين. وتتمثل التهم الموجهة لكل من طالتهم الاتهامات في الارتباط بمنظمة إرهابية أو عمل دعاية لها، وتحديدا حزب العمال الكردستاني.

ذلك يؤكد مدى شعور الدولة التركية بقوة التحدي الذي يفرضه هذا النوع من إحلال الديمقراطية، الذي يهمش مؤسساتها من خلال تطبيق هياكل بديلة. وفي هذا الإطار، فإن ذلك النموذج من الحكم الذاتي الديمقراطي هو التأسيس الفعلي للحكم الذاتي. ومن ثم، يفسح هذا النضال من أجل التمتع بالحكم الذاتي المجال أمام الديمقراطية التشاركية داخل الدولة، وهو ما يمثل صلب المشكلة لكل من تركيا وسوريا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-kurds/what-kurds-want-turkey-and-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.