ماكرون بين التهدئة والحزم في مواجهة أردوغان

باريس - يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون صعوبة في الموازنة بين تلبية توقعات فرنسا باتخاذ موقف حازم والانتقادات المتصاعدة من العالم الإسلامي التي تؤججها تركيا، إذ عليه أن لا يتهاون مع الإسلام الراديكالي من دون أن يُتهم بمعاداة المسلمين.

ومن خلال سلسلة غير عادية من التغريدات بالفرنسية والإنكليزية والعربية، حاول ماكرون تهدئة الأمور الأحد بعد عطلة نهاية أسبوع من التوترات المتصاعدة، وعشرة أيام من قطع رأس المدرس صمويل باتي.

كتب ماكرون "نحترم جميع الاختلافات بروح السلام. لا نقبل مطلقاً خطاب الكراهية وندافع عن نقاش معقول. سنواصل".

في هذه التغريدات، لم يذكر إيمانويل ماكرون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو الدول التي أُطلقت فيها دعوات لمقاطعة المنتجات الفرنسية.

وحرصا منها على الحيلولة دون تفاقم هذه "الحملة المعادية لفرنسا"، تسعى باريس إلى توجيه "رسالة تهدئة"، بحسب مصدر مقرب من السلطة التنفيذية.

لأنه وإن كان تأثيرها التجاري سيكون محدودًا، فإن دعوات المقاطعة تثير القلق على "المستوى الرمزي" لأنها تجعل فرنسا تبدو كدولة معادية للإسلام.

لمواجهتها، يعتمد ماكرون بشكل خاص على المسؤولين الفرنسيين المسلمين، ومن بينهم مسؤولو المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية وهو المحاور الرئيسي للسلطات العامة، الذي استقبل ممثليه مجدداً الاثنين.

ودعا رئيس المجلس محمد موسوي المسلمين في فرنسا الإثنين إلى "الدفاع عن مصالح" البلاد في مواجهة حملة المقاطعة التي قال إن لها "نتائج عكسية" وإنها تتسبب ب"الانقسام".

ومن جانبه قال إمام مسجد باريس حافظ شمس الدين إن هذه الدعوات "صادرة عن أولئك الذين لطالما استغلوا الإسلام لأغراض سياسية"، داعياً المسلمين إلى "اليقظة في مواجهة هذه الدعاية الكاذبة".

واعتبر المسؤولون الأوروبيون أن تصريحات رجب طيب أردوغان الذي شكك في "الصحة العقلية" لماكرون "غير مقبولة" بعدما التزموا الحذر حيال تركيا. ووصفت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل هذه التصريحات بأنها "تشهيرية" بينما أعرب رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي عن "تضامنه الكامل" مع ماكرون.

وفي فرنسا، استنكرتها المعارضة اليمينية واليسارية، ودعا عالم البيئة يانيك جادوت إلى "تعليق الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا".

فقد أعاد أردوغان إشعال "الحرب الكلامية" الفرنسية التركية التي بدت في طريقها للتهدئة من خلال محادثة هاتفية مطولة بين الرئيسين في 22 سبتمبر.

وأشار مستشار ماكرون السابق، وزير الدولة للشؤون الأوروبية كليمان بون الأحد إلى "رغبة في زعزعة الاستقرار" لدى الرئيس التركي الذي "يقدم نفسه على أنه حامي المسلمين بطريقة تخدم تماماً مصالحه السياسية".

وتابع بون "تنتهج تركيا استراتيجية سياسية هجومية وعدوانية واستفزازية شاملة"، مستشهداً بالتوتر مع اليونان في شرق البحر المتوسط و"دعمها" أذربيجان في النزاع في ناغورني قرة باغ. وانتقد بون "التأثير التركي الضار (الذي) نراه أيضًا في مجتمعاتنا، من خلال الجمعيات والشبكات الاجتماعية".

واستنكر الرئيس التركي الخطة التي قدمها إيمانويل ماكرون في 2 أكتوبر بشأن "الانعزالية الإسلامية" وضرورة إعادة هيكلة الكيانات الإسلامية في فرنسا. وهي استراتيجية تشمل تدابير لإضعاف النفوذ التركي مثل زيادة السيطرة على تمويل المساجد أو حظر تدريب الأئمة في الخارج، بينما تدعم تركيا نحو 150 إمام مسجد في فرنسا.

وبعدما ترأس مجلسي دفاع بعد مقتل صمويل باتي، على إيمانويل ماكرون أن يواصل مشاوراته هذا الأسبوع "لإثراء أو تحسين" مشروع القانون الذي سيعرض في 9 ديسمبر على مجلس الوزراء.

منذ الهجوم، ازداد الجدل السياسي حول هذه الأسئلة حدة، إذ طرح اليمين واليمين المتطرف مقترحات قمعية على نحو متزايد قبل عام ونصف عام من الانتخابات الرئاسية.

وتقول اختصاصية علم السياسة كلوي موران من مؤسسة جان جوريس إنه "من الصعب للغاية" بالنسبة لإيمانويل ماكرون "تحقيق شكل من أشكال التوازن"، مستشهدة من بين المقترحات الواردة في المشروع بتعزيز تعليم اللغة العربية في فرنسا.

على الصعيد الدبلوماسي، سيلتقي الرئيس السفير الفرنسي في تركيا إيرفيه ماغرو الذي استدعاه للتشاور السبت للاحتجاج على "فظاظة ووقاحة" رجب طيب إردوغان.

ومع ذلك، دانت الرئاسة التركية الاثنين "الاغتيال الوحشي" لصمويل باتي.