مَنْ الكذَّاب: البنك المركزي التركي أم وكالة رويترز للأنباء؟

 

يزداد الغموض يوماً بعد يوم حول احتياطيات البنك المركزي التركي من العملات الأجنبية، وهو موضوع يحتدم حوله النقاش في تركيا منذ فترة. وفي حين أفردت وسائل الإعلام المحلية والأجنبية مساحات واسعة في صدر صفحاتها لقيام البنك المركزي بعمليات بيع واسعة للعملة الصعبة عن طريق البنوك العامة، وضخها في الأسواق؛ من أجل كبح جماح العملة الصعبة والدولار على وجه الخصوص، الذي أفلت من عقاله، كانت أرقام الاحتياطي المعلنة أكثر إثارة للجدل على كافة الأصعدة.
ومن جهتهم، ذكر اللاعبون في السوق التركية والمؤسسات الإعلامية العالمية مثل بلومبيرغ ورويترز أن البنك المركزي التركي يتدخل بقوة في الأسواق بضخ مليارات الدولارات عبر البنوك المملوكة للدولة، في ذات الوقت الذي تتضمن فيه كل تقارير النظام المصرفي بيانات واضحة عن العملة الصعبة المُباعة والرقم الحقيقي لاحتياطي البنك المركزي التركي من العملات الأجنبية.
وقد أدت محاولة البنك المركزي التركي إخفاء قيامه ببيع 20 مليار دولار في شهر مارس الماضي من أجل السيطرة على سعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية إلى زعزعة الثقة في كل البيانات التي يصدرها البنك بخصوص حجم الاحتياطي النقدي لديه.
هذا وقد تخطى الدولار يوم الخميس الماضي حاجز الست ليرات ليسجل 6.25 ليرة، بعد فترة من الثبات النسبي استمرت مدة ستة أشهر، إلا أنه عاد ليتراجع 20 سنتاً دفعة واحدة، في الفترة بين ساعة الإغلاق في الثانية عشرة ليلاً حتى الرابعة من فجر اليوم التالي. وهو الأمر الذي استقبله اللاعبون الرئيسيون في السوق التركية بدهشة كبيرة صباح اليوم التالي؛ إذ فوجئوا بعد أن استيقظوا من نومهم بتراجع الدولار 20 سنتاً، وهم الذين تركوه عند مستوى 6.20 ليرة عند الإغلاق. وبالتزامن، كانت سوق طوكيو هي السوق الوحيدة التي شهدت عمليات تداول لليرة التركية.
ولم يمر الكثير من الوقت حتى تم الكشف عن الأمر برمته، عندما أعلنت وكالة رويترز للأنباء أن مبيعات البنوك العامة في تركيا للدولار في سوق طوكيو أدّت إلى صعود سريع لقيمة الليرة التركية أمام الدولار الأميركي. جاء في الخبر- نقلاً عن مصرفيين أجانب- أن البنوك التركية العامة قامت ببيع مليار دولار مساء الخميس وصبيحة يوم الجمعة.
وأعلنت الوكالة - في وقت لاحق - أن البنوك الحكومية التركية باعت خلال أسبوع واحد 4.5 مليار دولار.
وعلى الجانب الآخر، وصفت الأسواق سياسة البنك المركزي التركي للتستر خلف البنوك العامة طوال الفترة الماضية لبيع الدولار بأنها "سياسة الأبواب الخلفية"؛ إذ تمكن البنك المركزي – من خلال اتباع هذه السياسة - من بيع 17 مليار دولار خلال شهر مارس من أجل التدخل في السوق؛ منها عائدات مبادلة من السوق بقيمة 2.5 مليار دولار و13.5 مليار دولار عائدات الاستدانة، وقروض إعادة الخصم عن طريق المبادلة الأسبوعية، بالإضافة إلى مليار دولار آخر متبقي من عمليات الدخول والخروج التي نجمت عن مبيعات الدولار إلى المؤسسات الاقتصادية العامة. وعندما نضيف إلى هذا المبلغ مقدار التراجع في الاحتياطي النقدي يكون إجمالي ما باعه البنك المركزي التركي من العملة الصعبة هو 19-20 مليار دولار.
وبالتالي يمكن القول إن البنك المركزي قام، بعد إتمام هذه المبيعات مباشرة، بتسجيل العملة الصعبة التي اقترضها بنظام المبادلة من البنوك العاملة في السوق كأصول فقط، وإنه لم يتطرق إلى عمليات البيع تماماً عند إعداد الميزانية العمومية، وهو الأمر الذي أكده عدد من مسؤولي البنك المركزي الذين رفضوا الكشف عن أسمائهم. وعلى الجهة المقابلة، التزم البنك المركزي التركي الصمت إزاء هذا الموقف، الذي وصف بأنه فضيحة محاسبية دولية، ولم يصدر عنه أي بيان يوضح حقيقة الوضع.
وفي محاولة منها لتخفيف حدة الموقف، نشرت صحيفة "صباح" المقربة من الحكومة مقالاً حول هذا الموضوع؛ دافعت فيه عن الإجراءات التي يقوم بها البنك المركزي بقولها "إن القروض التي حصل عليها البنك من السوق عن طريق مناقصات المبادلة الأسبوعية هي قروض دائمة؛ أي قروض على المدى الطويل، وليست قصيرة الأجل". ولم تدرِ الصحيفة أنها أثبتت بحديثها هذا صحة ما يتردد عن فضائح المعاملات التي أقدم عليها البنك.
وتتزايد الشكوك من جديد في الوقت الراهن حول الرقم الحقيقي لاحتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية. ويرجع السبب في ذلك إلى أن عمليات البيع التي أكدت الأسواق ووكالات الأنباء حدوثها الأسبوع الماضي لم يتم التطرق إليها في البيانات الصادرة عن البنك المركزي. وتؤكد البيانات الخاصة بصافي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي انخفاض صافي أصول العملات الأجنبية والديون (الخصوم) من 23.4 مليار دولار أمريكي إلى 22.5 مليار دولار أميركي الأسبوع الماضي، أي بتراجع قدره 900 مليون دولار فقط.
بالإضافة إلى ذلك، لم يطرأ أيّ تغيير مهم على أرقام المبادلة، باعتبارها الوسيلة السرية التي يتبعها البنك المركزي لزيادة الاحتياطي، مقارنة بالأسبوع السابق، بشكل يؤكد مرة أخرى صحة ما نُشِر عن قيام البنك ببيع 4.5 مليار دولار أميركي.
وعلى الرغم من أن البنك المركزي لم يتدخل في المبيعات بشكل مباشر، وأن البنوك الحكومية هي التي تولت عملية بيع العملات الأجنبية مباشرة، إلا أن أرقام الميزانية العمومية للقطاع المصرفي، كما أعلنتها لجنة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها، تُظهر عدم حدوث تغيير مهم في أرقام أصول العملات الأجنبية الموجودة في خزانة القطاع، وأرقام قروض العملات الأجنبية قصيرة الأجل، التي اقترضها من داخل البلاد وخارجها. وهذا مؤشر مهم آخر على اختفاء البيانات الخاصة بعمليات البيع التي يجري الحديث عنها من الميزانية العمومية للقطاع المصرفي.
وبالطبع، يمكن للبنوك أن تبيع العملات الأجنبية في سوق التعاملات النقدية الفورية خارج الميزانية العمومية، وأن تأخذها في أسواق العقود الآجلة، وبالتالي تخفي حجم المبيعات. ومع ذلك، فهذا الأمر أيضاً يبدو مستحيلاً؛ نظراً لأن الطرف الذي سيشتري هذا القدر من العملات الأجنبية الآجلة لا بد أن يكون أحد اللاعبين الدوليين، وبالتالي فمن المستحيل تقريبًا التكتم على أمر كهذا.
أضف إلى هذا أنه على الرغم من عدم وجود ما يمنع البنوك في الداخل من شراء العملات الأجنبية من خلال سوق العقود الآجلة، وإغلاق بيع الدولار، إلا أنه لا يوجد حجم معاملات في السوق في الوقت الحالي يمكنه أن يلبي هذا الرقم.
وعندما نضع كل هذه البيانات إلى جوار بعضها البعض، نجد أنفسنا أمام خيارين اثنين؛ إما أن البنك المركزي قد باع الدولارات للسوق، وتعمَّد إخفاء أي بيانات عن هذه العمليات، أو أن يكون المسؤولون قد تعمَّدوا تزويد وكالات الأنباء العالمية مثل وكالة رويترز بمعلومات خاطئة.
أما فيما يتعلق بالعملة الصعبة، التي يمكن للبنك المركزي بيعها دون تسجيل أية معلومات عن هذه العمليات في السجلات، التي يمكن الاطلاع عليها، فهي ودائع المواطنين بهذه العملات التي يحتفظ بها عنده.
وقد بلغت ودائع المواطنين في البنوك التركية، وفق بيانات لجنة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها ما يعادل 379 مليارات دولار؛ تتوزع بين 169 مليار دولار أميركي وما يعادل 210 مليار دولار من عملات أجنبية أخرى ومدخرات بالليرة التركية. وتودع البنوك في المقابل ما يعادل 29.6 مليار دولار لدى البنك المركزي في شكل أصول سائلة (يمكن تحويلها إلى نقد). 
 وتشكل هذه المخصصات ثلث إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي التركي.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/merkez-bankasi/kim-yalan-soyluyor-merkez-bankasi-mi-reuters-mi