معايشة مذبحة 6-7 سبتمبر 1955 ضدّ اليونانيين في إسطنبول

مرت 64 عامًا، أتذكر تلك الليلة لأنني كنت في الخامسة عشرة من عمري. أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين سبع أو ثماني سنوات كانوا صغارًا جدًا، وربما لا يتذكرون الكثير. وكم ممّن كانوا في العشرينيات من العمر في تلك الليلة ما زالوا على قيد الحياة؟ إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة، فمن المفترض أن يبلغوا الآن 85 أو 90 عامًا. وفي غضون عشرين عامًا، لن يبقى أحد على هذه الأرض شهد ممن تلك الليلة.

واليوم، بالنسبة للكثيرين، كانت تلك الليلة مجرد تاريخ. وعندما أقول تاريخ، أعني أنه حدث قرؤوا أو سمعوا عنه ، لكنهم لم يعيشوه. التاريخ ليس الأشياء التي نشهدها في الحياة، هذه تسمى ذكريات، ولكنه إعادة بناء للماضي.

هذا التاريخ يمكن أن يصبح أداة في أيدي بعض الناس؛ كأداة للتعليم: أنظمة تعليم مركزية، وآليات خلق المعرفة التي تنظمها القوانين والمراسيم المستخدمة في إعادة بناء الماضي. وسائل الإعلام أيضا لها دور في هذا الجهد. عندما يصبح شيء ما من التاريخ، فإنه يكتسب صفة الرسمية. وأحياناً نسيان التاريخ يعتبر وجهاً آخراً لإعادة بناء الماضي.

ما أكتبه الآن يعتمد على ذكرياتي. الأحداث إلى حد كبير لم تؤثر على شارعنا. كانت مثل ريح قصيرة تزعج كل شيء على المنضدة في الحديقة في بضع دقائق ثم أعقبها صمت. وفي حالتنا، داهمت مجموعة من 20 إلى 30 شخصًا بقالة صغيرة لرجل يوناني مقابل منزلنا.

كانت عائلتي تعيش في الطابق الأول. وخوفًا من حدوث شيء ما، ذهبنا إلى الطابق الرابع لإيجاد ملجأ في منزل جيراننا. لكنهم لم يدخلوا شقتنا لأن السيدة منير وقفت أمام الباب وقالت لهم "لا يوجد في هذا المنزل أي جافور (وهو مصطلح يعني كافر منذ عهد الإمبراطورية العثمانية لتعريف غير المسلمين)".

كان هذا كل ما عشته. لكن تداعيات تلك الليلة كانت مأساة حقيقية بالنسبة لعائلتي. دُمّر متجر والدي في بيوغلو بالكامل في تلك الليلة. واستغرقت أسرتي بضع سنوات لتعويض نفقاتها مرة أخرى. مررنا بأيام صعبة. وبعد أن كبرت قليلاً، تذكرت الأحداث التي وقعت في تلك الليلة. ورأيت فجوات معينة في الرواية الرسمية للأحداث.

اندلعت المذابح ضد غير المسلمين في تلك الليلة بعد أن نشرت صحيفة "إسطنبول إكسبرس" مقالاً بعنوان "قُصف منزل والدنا أتاتورك".

في الواقع، كانت وسائل الإعلام التركية تنشر الكراهية ضد اليونانيين منذ أيام. ولكن من هم هؤلاء اليونانيون؟ بالنسبة للبعض كانوا هم الموجودين في قبرص، وبالنسبة للبعض الآخر هم اليونانيون في إسطنبول الذين دعموا الإرهاب في قبرص. اتُهمنا نحن جميع اليونانيين في إسطنبول، بارتكاب هذه الجريمة.

يقول الكثيرون إن الجرائم فردية، وأحيانًا ليست كذلك. ولكن في الممارسة العملية، وعلى وجه التحديد في تركيا، يمكن اتهام الجماعات بارتكاب جرائم ارتكبها أفراد. قد يكون هؤلاء في بعض الأحيان أرمنًا، وأحيانًا أصوليين، أو يساريين، أو علويين، أو أكرادًا، أو أقليات غير مسلمة، أو تابعين لحركة غولن، أو ليبراليين.

ينظر إلى هذه الجرائم على أنها عداء وخيانة. ماذا يفعل الناس بأعدائهم؟ ربما لا يظهرون أي تسامح مع أعدائهم أو لا يتعاطفون معهم. توصف مثل هذه الأفعال أحيانًا بالعنصرية والتمييز. ولكن لا يهم الآن استخدام أي من هذه المصطلحات لوصف تلك الأفعال، فما تم فعله باقٍ حتى يومنا هذا.

ولكن لماذا يتشارك الأرمن واليهود في إسطنبول المصير نفسه مع اليونانيين، ولماذا دمرت أماكن عبادتهم؟ إنهم لم يدعموا الإرهاب في قبرص، بل واحترموا كذلك ذكرى كمال أتاتورك. هذا يعني أن الهدف لم يكن اليونانيين، بل كل الأقليات غير المسلمة. ونظرًا لأنهم كانوا يُنظرون إليهم جميعًا على أنهم أعداء، فقد تمت معاملتهم وفقًا لذلك.

بدأت أفكر في هذه الأشياء لاحقًا. فكرت أيضًا في غضب الأشخاص الذين انضموا إلى الأحداث وانعكاسات الفرح على وجوههم وهم يواصلون الإغارة والنهب. يمكن رؤية هذا الفرح بسهولة عندما تنظر إلى الصور من تلك الليلة. إنه يعني أن بذور الكراهية التي تم زرعها أثمرت.

شعرت بالفضول فيما بعد حول دور نظام التعليم والكتب المدرسية. ورأيت أن العداء لدى الناس لم يكن نتيجة بضعة أسابيع من الدعايات، بل كان نتيجة لمفهوم المواطنة العنصرية المبتذلة والقومية الذي تم ضخه في رؤوس الناس لعقود من خلال التعليم.

مضى وقت طويل على أحداث سبتمبر. لكن هذا الإدراك والفهم، وهو النظر إلى الجماعات والأقليات على أنهم أعداء وتحميلهم كل الذنب، لا يزال قائماً. وحقيقة أن غالبية المجتمع يشاهد اضطهاد اليوم بصمت يثبت ذلك بطريقة صحيحة. فكل مجموعة في المجتمع مشغولة بمشاكلها الخاصة، ولا يوجد حتى الآن تفاهم مشترك يدعم التضامن.

تظهر هذه البيئة أن تركيا لم تكمل بعد عملية التحول إلى دولة. ولا تزال القبلية الدينية أو العلمانية، والجهوية سائدة بين أولئك الذين يعانون وبين أولئك الذين يجعلون الآخرين يعانون. وعلى الرغم من كل ذلك الهذيان المتعلق بالقومية، إلا أن المجتمع ما زال متمسكاً بالتقاليد.

وباختصار، توقفت لفترة طويلة عن تذكر هذا الحدث. أكتب عنه أحيانًا عندما يطلب ذلك أحدهم. لكنه ترك لي درسًا مهمًا في الحياة، وهو أنني لا أريد أن أكون متفرجاً عند حدوث مثل هذه الأشياء. لا أريد أن أتصرف كعضو في مجموعة واحدة فقط وأتجاهل البقية بقدر ما أستطيع.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/1955-pogrom/witnessing-pogrom-september-6-7-1955-0
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.