مبعوث بريطانيا لمحاربة الإرهاب مرتبط باللوبي التركي

خلال السنوات الأخيرة، توطّدت الصداقة بين الحكومة التركية وجون وودكوك، عضو البرلمان البريطاني الذي رحل عن حزب العمال المعارض بعد فضيحة تحرش جنسي وخلافات كبيرة مع قيادة الحزب.

وفي عام 2017، أجرى وودكوك مقابلة مع (ديلي صباح) قال فيها "كنت دائماً واحداً من كثير من الناس في المملكة المتحدة، يعتبرون تركيا حليفاً، انطلاقا من علاقتنا الممتدة منذ سنوات طويلة في حلف شمال الأطلسي".

ونظّم مركزُ البوسفور للشؤون العالمية رحلة لوودكوك لزيارة تركيا. وتنصب مهام هذا المركز في المقام الأول على خلق شعبية للسياسيين وشخصيات المجتمع الفاعلة". ومركز البوسفور للشؤون العالمية – أو كما يُطلق عليه اختصارا، "البوسفور العالمي" – هو جزء من الإمبراطورية الإعلامية لوزير الخزانة والمالية بيرات البيرق (صهر الرئيس رجب طيّب أردوغان) وأخيه سرهات.

ويبدو واضحاً أيضا أن البوسفور العالمي هذا هو الواجهة العامة للمجموعة المعروفة باسم عصابة البجع، التي تضم موالين لأردوغان والبيرق، يحاولون التأثير على الرأي العام من خلال هذه المجموعة. وتُشير تقارير إخبارية متواترة عن هذه المجموعة إلى عدة زيارات قام بها أعضاء في البرلمان البريطاني، أكثرهم من حزب العمال.

وينتمي وودكوك إلى يمين حزب العُمّال في بريطانيا؛ وقد كان مستشاراً خاصاً لرئيس الوزراء السابق جوردون براون – المنتمي إلى حزب العمال – وكان رئيساً لجماعة أنصار بلير للتقدم (بليريت بروغرس) وكتلة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال، وهو متزوج من إيزابيل هاردمان، المحررة في مجلة (سبيكتاتور) اليمينية.

وبعد رحيله عن حزب العُمّال، قرر وودكوك التنحي عن عضوية البرلمان؛ لكن يبدو أنه تتم الاستعانة به حاليا من قبل وزارة الداخلية كمبعوث خاص لمكافحة الإرهاب. وانتقدت جماعات موالية للأكراد في بريطانيا، ومن بينها حملة التضامن الكردستاني، وزارة الداخلية بسبب هذا الإجراء، لأنها تعتقد أنه يسعى إلى إدراج وحدات حماية الشعب الكردية على قائمة المنظمات الإرهابية، وهو إجراء قد يُجرّم عشرات المواطنين البريطانيين الذين سافروا إلى سوريا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في صفوف وحدات حماية الشعب.

ويبدو أن وودكوك سياسي داعم للمصالح العسكرية للحكومات في الداخل والخارج، خاصة إذا كانت هذه المصالح العسكرية مرتبطة بالاقتصاد البريطاني. وما زال وودكوك عضواً في البرلمان عن بارو آند فيرنس في شمالي إنكلترا، حيث تُطور شركة بي.ايه.إي سيستمز العملاقة للأسلحة غوّاصات (ترايدنت) النووية.

وكما تروق وودكوك جهود الإصلاح السياسي التي تُنفذها الحكومة التركية رغم الانتقادات الدولية الكثيرة ضد تركيا.

وفي أبريل 2018، عُلّقت عضوية وودكوك في حزب العمال، بعد اتهامات بالتحرش الجنسي، وقال إنه سيطلب بنفسه الخضوع لتحقيق برلماني مستقل بشأن هذه الاتهامات. وسيستمر هذا التحقيق، حتى إذا مضى وودكوك في الاستقالة من عضويته في البرلمان.

في الولايات المتحدة، يوجِب قانون تسجيل العملاء الأجانب على جميع من يعملون أعضاءً في جماعات ضغط بأجر لصالح حكومات أجنبية، تسجيل أنفسهم كعملاء لجهات أجنبية، على الرغم من أنه يبدو أن هناك حالات انتُهك فيها هذا القانون. وأحد من انتهكوا هذا القانون هو الجنرال مايكل فلين، الذي اضطر للإقرار بأنه حصل على 500 ألف دولار لحشد التأييد للحكومة التركية في محاولتها تسليم فتح الله غولن، حليف أردوغان السابق الذي تحوّل إلى عدو.

أمّا في بريطانيا، فمن المفترض الالتزام بالتسجيل لدى مكتب تسجيل مستشاري جماعات الضغط، وإن كان حزب المحافظين خفف مضمون التشريع الخاص بجماعات الضغط، وصار هناك الكثير من الثغراث في القانون حالياً. على الرغم من ذلك، فإن أعضاء البرلمان الحاليون محظور عليهم العمل مع جماعات ضغط، ويتعين عليهم إعلان أي مصالح (لكن هذا لم يمنع اتهام وزيرة الداخلية الحالية بريتي باتيل مراراً بانتهاك هذه القاعدة مع وجود القليل من التبعات).

ويُظهر سجل مصالح الأعضاء الخاص بوودكوك أن البوسفور العالمي غطّى تكاليف رحلته إلىى تركيا في ديسمبر 2017، وبلغت تكلفتها ثلاثة آلاف و941.08 جنيه استرليني.

وليس من الصعب تخيُّل أنه من المحتمل أن يكون هناك تضارباً في المصالح بين مهام وودكوك كعضو في البرلمان وفكرة أنه ليس فقط يأخذ جانب تركيا سياسياً، ولكن أيضاً يستفيد، وربما يحقق مكاسب مالية من هذه العلاقة في المستقبل. ولم يُخفِ الإعلاميون المؤيدون لزعيم حزب العمال جيريمي كوربين، والذي ظل طويلاً ثابتاً على موقفه المؤيد لحقوق الأكراد، نفورهم من وودكوك. وبلغ الأمر حد أن وصفه آرون باستاني، الصحفي في نوفاراميديا، بأنه "العضو الوفي والمخلص في حزب العدالة والتنمية" في إشارة إلى الحزب الحاكم في تركيا بزعامة أردوغان.

وهناك سبب جيد لمعارضة وودكوك، ينبع من الأصوات المناصرة لكوربين في اليسار. لكن، نظراً لأن وودكوك سيكون الآن مسؤولاً يعمل لصالح الدولة ويضطلع بمسؤوليات في مكافحة الإرهاب، فإن دعم وودكوك للحكومة التركية يسلّط الضوء من جديد على سلوكه غير الملائم. ومن الأمور التي تُظهر دعم وودكوك للحكومة التركية ظهوره في صورة مع أعضاء في حزب الحركة القومية اليميني المتطرف.

وبقبوله رحلات إلى الخارج تدفع تكلفتها حكومات أجنبية، يكون الرجل قد فتح على نفسه أبواباً تجعله متهماً بالتربح من علاقاته بتلك الحكومات ودعمه فقط.

كان رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون قال قبل أن يُصبح رئيساً للوزراء إن ممارسة الحشد في إطار جماعات ضغط ستكون "الفضيحة الكُبرى القادمة". تلك الفضيحة لم تحدث أبداً، لكن حالة انعدام الثقة في السياسات، التي خلقتها فكرة إمكانية استغلال المسؤولين مناصبهم وسلطاتهم، لم تتبدد بعد بكل تأكيد.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.