مضايقة تركيا لليونان

بعد سنة 1923، تحدد مكان اليونان وتركيا في النظام الدولي من خلال منظور علاقاتهما الثنائية. كان هذا نتيجة لقرار تركيا منذ فترة طويلة البقاء مرتبطة بالغرب وأوروبا. وكانت اليونان عاملا رئيسيا في هذه العلاقات.

لقد تغير الوضع تحت قيادة رجب طيب أردوغان، فتزامن مع ازدهر الاقتصاد التركي، تطوير استراتيجيات إقليمية مستقلة عن طموح البلد في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وعززت هذه الاستراتيجيات مكانتها الدولية وثقتها بنفسها. وبذلك، لم تعد اليونان الأولوية الرئيسية في سياسة أنقرة الخارجية.

اليوم، تنظر تركيا إلى اليونان بعين الإمبراطورية العثمانية القديمة: اليونان أكبر من أن تتجاهلها وأصغر من أن تشكل تهديدا. و تزعج اليونان تركيا لأنها تؤثر على علاقات أنقرة بالاتحاد الأوروبي، ويشملها مجال اهتمام تركيا.

منذ فترة طويلة، قرر أردوغان وضع حدّ للازعاج اليوناني. وكان الطلب المقدم من شركة البترول التركية (تباو) بتاريخ 30 مايو للحصول على إذن بالتنقيب شرق البحر المتوسط في المنطقة الواقعة بين جزيرتي كريت ورودس اليونانيتين بمثابة إنذار نهائي غير رسمي. فإما حل جميع النزاعات بين البلدين أو "أن تدفع اليونان ثمن" مواجهة تركيا كما حذر أردوغان يوم 25 يوليو.

في 2 يوليو، أصدرت أنقرة إخطارا يُعرف باسم نافتكس لإجراء مسوح اهتزازية في المنطقة بين قبرص وكريت. وكان قرارا مدفوعا بعدد من العوامل كالمبادرات التي اتخذتها ألمانيا بالتدخل للحد من التوترات (وهي خطوة أزعجت أنقرة)، وقصف طائرات مجهولة الهوية قاعدة الوطية الجوية في غرب ليبيا، وتدهور العلاقات مع فرنسا، ومناقشة العقوبات الجديدة ضد تركيا في الاجتماع غير الرسمي لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في أواخر أغسطس، والضرر الشديد الذي لحق بموسم السياحة بسبب استبعاد تركيا من قائمة السفر الآمن التي وضعها الاتحاد الأوروبي حتى 31 أغسطس بسبب مخاوف من فيروس كورونا المستجد.

كما أدى النشر السريع للأسطول اليوناني إلى إعاقة طموحات تركيا التوسّعية، مما أتاح فرصة للدبلوماسية. وبذلك، كان الدرس واضحا. فعلى الرغم من أن تركيا تجري مسوحات زلزالية على حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص منذ سنة 2013، إلا أن الانتهاك لم يولد أي رد فعل كابح لها. فقد كانت العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا ردا على الحفر الذي أطلقته أنقرة في مايو 2019، وليس رداً على المسوحات الزلزالية.

وفيما يتعلق بالقانون الدولي للبحار، يبقى موقف قبرص أقوى من موقف اليونان. فعلى عكس الجرف القاري اليوناني، تحدّد الاتفاقيات الدولية المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص. وإذا لاقت تركيا رد فعل دولي، فإن ذلك يرجع إلى انتهاكها القانون الدولي. لكن، ومن جهة أخرى، تمتلك اليونان قوات مسلحة قوية وذكرت أن أي انتهاك لحقوقها السيادية سيعتبر تجاوزا لـ"خطوطها الحمراء".

اضطرت تركيا إلى إيقاف أنشطتها مؤقتا ولكنها لم تتراجع رغم أن أردوغان بدا قابلا باقتراح برلين بوقف التصعيد. وعرض تعليق عمليات سفينة الأبحاث السيزمية التركية "أوروج ريس" لمدة شهر واحد لإتاحة مساحة للمفاوضات. لكن التهديد التركي لم يختف. حيث تحاول تركيا أن تقنع المجتمع الدولي بأن خطط الحفر داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة بقبرص مشروعة في وقت أوقفت فيه نشاطها داخل الجرف القاري اليوناني مؤقتا.

في عالم يقول: "لا تتقاتلوا، تحاوروا!" بكل لهجة ولغة، من المتوقع أن تجري اليونان وتركيا محادثات (ويجب أن يفعلا ذلك). بالإضافة إلى ذلك، ومنذ أزمة مارس 1987، عندما كان البلدان على حافة الحرب، اتفق السياسيون اليونانيون على أن إجراء مناقشات مع تركيا حتمي. ويمكن أن تؤدي المحادثات إلى مفاوضات في ظل ظروف معينة.

ستدخل اليونان المحادثات بشرط أن يكون الجرف القاري وتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة في بحر إيجة وشرق البحر المتوسط القضية الوحيدة التي سيشملها التفاوض، ومن ناحية أخرى، تثير تركيا مجموعة واسعة من القضايا. وتشمل مطالبات أنقرة بالعديد من الجزر اليونانية، والأقلية المسلمة في منطقة تراقيا الشمالية، وتجريد جزر شرق بحر إيجة من السلاح، والاستغلال التركي المشترك للموارد اليونانية والقبرصية.

تسترشد سياسة تركيا بعقيدة "الوطن الأزرق" (بلو هوملاند) التي طرحها الأدميرال جيم غوردينيز لأول مرة في يونيو 2006 خلال ندوة في مركز قيادة القوات البحرية التركية. وتعززها اليوم مذكرة التفاهم غير القانونية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية التي وُقّعت العام الماضي بشأن ترسيم حدود البحر المتوسط ​​. وستحدد الدرجة التي تتذرع بها أنقرة بهذا الاتفاق ما إذا كان للمحادثات مع أثينا (وأي مفاوضات لاحقة) أي فرصة لتحقيق تقدّم. وتبدو الفرص ضئيلة جدّا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/greece-turkey/potentially-irksome-greece
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.