مذبحة ديرسيم.. إبادة جماعية كاملة الأوصاف

استعرض الجزء الأول من التقرير حول مذبحة ديرسيم وسأل عما إذا كان يمكن اعتبارها إبادة جماعية.

أما الجزء الثاني فينظر في الاتهامات بأن الدولة التركية كانت تستخدم الغاز السام أثناء عمليات القتل، ويتساءل عما يعنيه إرث مذبحة ديرسيم للأكراد وتركيا اليوم. اتهم أكراد درسيم، بمن فيهم زعيم المتمردين سييت رضا، سلاح الجو التركي باستخدام الغازات السامة. ولكن نفت ابنة مصطفى كمال أتاتورك بالتبني، صبيحة كوكجن، التي أصبحت أول طيارة مقاتلة في تركيا وشاركت في العمليات في ديرسيم، لا حقاً في مذكراتها أنها قصفت الأكراد بالغاز.

وقال المؤرخ الهولندي-الكردي وباحث الإبادة الجماعية، يوغور أوميت أونغور، أنه قرأ في الأرشيف التركي أنه تم طلب غاز "زيكلون بي" من ألمانيا النازية، وهو نفس الغاز الذي استخدم لإبادة اليهود بالغاز في أوشفيتز في الحرب العالمية الثانية.

وقال بورا جيليك، الذي تنحدر أصوله إلى ديرسيم ويعيش الآن في هولندا، إنه حصل على وثائق تركية عن ديرسيم تتعلق بالغازات السامة. لا تذكر هذه الوثائق أنه تم استخدام غاز "زيكلون بي"، لكن رئيس الوزراء التركي السابق، رفيق إبراهيم سيدام، كتب في 19 فبراير 1942، بعد أربع سنوات من الأحداث "أبلغتكم برسالة سابقة أننا نبلغ عن نتائج عملية ’العقاب والترحيل’ (في إشارة إلى العمليات في ديرسيم). وأود أن أؤكد كطبيب أنني ضد استخدام الحرق والخنق بالغاز، حتى ضد جنود العدو. أقوم الآن بإعداد مشروع قانون بحيث لا يمكن استخدام هذه الغازات المستخدمة في تونجلي مرة أخرى. وكما ورد في التقرير الأولي، يمكن ملاحظة أن هذه الغازات المستخدمة على شعبنا تتسبب في خسائر مدنية جسيمة. أود أن أخبركم بأنني قد بدأت في كتابة مشروع القانون لمنع هذا من التكرار".

وعندما طابق شهادة الأحداث التي حصل عليها من جده مع المعلومات التي استخرجها من الإنترنت، تيقن جيليك أن سلاح الجو التركي استخدم غاز "زيكلون بي". وقال جيليك "ذهبت للتحقق من وصف جدي من شبكة الإنترنت، وقادني ذلك إلى صفحة ويكيبيديا عن ’زيكلون بي’".

ووفقًا لجيليك، استخدم الجنود الأتراك أيضًا "زيكلون بي"، أو غاز آخر، لقتل النساء والأطفال. ويقال إنهم كانوا محجوزين في الكهوف، التي تم إغلاق مداخلها.

وعلمت الناشطة في مجال حقوق الإنسان ميلا هيوليري، وهي من شمال العراق، لأول مرة عن عمليات القتل الجماعي التي وقعت في العراق: فاجعة حلبجة، وبارزاني، والأنفال، ومؤخراً الإبادة اليزيدية.

وقالت هيوليري "عرفت إبادات جماعية أخرى، مثل إبادة الأرمن وإبادة الآشوريين والإبادة الجماعية في ديرسيم، في سن المراهقة، لأننا لم نعايشها".

وتعتقد هيوليري أن الإبادة الجماعية الأرمنية أكثر أهمية من مذبحة ديرسيم بالنسبة للعديد من الأكراد، لأن نمط هذه الإبادة الجماعية يتكرر الآن. تقول هيوليري "على الرغم من أن الأكراد لم يكونوا الضحايا هنا، وحتى مع كون الجناة هم الأتراك، فإن هذه الإبادة الجماعية تحتوي على مواد نسبية أكثر بكثير. قتل الناس ووضع الشعوب الأخرى في مكانها، وإزالة العناصر الثقافية، وترحيل الشعوب - كلنا نراها مرة أخرى تحدث في شمال سوريا. وبالنسبة للعديد من الأكراد، فإن الإبادة الجماعية ضدهم تبدأ بالإبادة الجماعية للأرمن، لأنها شكلت سابقة: أصبح من السهل تنفيذ إبادة الجماعية في الشرق الأوسط عن طريق رمي عنصر إسلامي. فالأرمن كانوا مسيحيين، والأكراد في درسيم كانوا علويين، أي أنهم لم يكونوا مسلمين حقيقيين، والآن تعلن المساجد في تركيا الجهاد ضد الأكراد "الكافرين" في روج آفا بشمال سوريا. والآن يريد الأكراد أن يعترف العالم بالإبادة الجماعية للأرمن، لأنه إذا لم نتعلم أي شيء من هذه المذبحة الجماعية، ستستمر الإبادات الجماعية في الحدوث".

وتحظى أحداث 1937-1938 بأهمية كبيرة عند أكراد ديرسيم، لكن جيليك يقول أن هناك اختلافًا في الرأي داخل المجتمع الكردي. "شعب ديرسيم الذين يصوتون لصالح حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد هم بالطبع على دراية كبيرة بالفظائع التي ارتكبتها تركيا، لكن لديّ أقارب في تركيا أيضًا، ينتمون إلى حزب الشعب الجمهوري بزعم أن ’الأتراك جلبوا لهم الحضارة’. هناك العديد من المناطق الكردية غير المتحضرة في تركيا، تنتشر فيها الجريمة، ولكن لم يتم ذبح الناس هناك على هذا النطاق الهائل".

وكان لجد جيليك شقيقان تم إعدامهما من قبل السلطات التركية. قال ابن أحد هؤلاء الإخوة لجيليك أن والده لم يكن قديسًا. لكن قال له جيليك "لم يُقتل والدك وعمك بسبب أفعالهما المؤذية، ولكنهما كانا كرديين وعلويين ويتحدثون بلغة زازا".

وغضب جيليك أيضاً من الأتراك الذين يعترفون بمذبحة ديرسيم، ولكن يبرئون أتاتورك من أي لوم. "أتاتورك قديس في تركيا. لا يمكنه أن يفعل أي شيء خاطئ. إذا حدث خطأ ما، فذلك بسبب مرؤوسيه السيئين. إنها أسطورة الملك الصالح ومستشاريه السيئين. ولكن وفقًا لأتاتورك، كان رئيس الوزراء، عصمت إينونو، ناعماً للغاية. تم استبدال إينونو بالمتشدد سيلال بايار، الذي تصرف بدون رحمة ضد النساء والأطفال العزل في عام 1938. "

وقال عالم الأنثروبولوجيا الهولندي مارتن فان بروينسن، الذي درس الثقافات التركية والكردية والزازية "حقيقة أن أتاتورك وحزب الشعب الجمهوري كانوا مسؤولين عن مذبحة ديرسيم جعل من السهل على الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان الاعتذار. أردوغان هو السياسي التركي الوحيد الذي عبر علنا عن اشمئزازه من الطريقة التي استخدمت فيها الحكومة التركية عنفا هائلا ضد ديرسيم. أراد أردوغان أن يثبت أنه، على عكس حزب الشعب الجمهوري الكمالي العلماني، أراد المصالحة مع الأكراد. لكن تغير كل شيء الآن، لأنه منذ عام 2015 أصبح الأكراد أعداءاً لأردوغان، بعد أن شكل تحالفًا مع حزب الحركة القومية المتطرف".

وقال أونغور أنه أسهل كثيرا على أردوغان انتقاد مذبحة ديرسيم من انتقاد الإبادة الجماعية للأرمن. كانت ديرسيم مسؤولية الكماليين الذين عارضهم الإسلاميون. ولكن حدثت الإبادة الجماعية للأرمن خلال الإمبراطورية العثمانية، وهي الإمبراطورية التي لا طالما أُعجب بها".

لم يعط جيليك بالاً لما قاله أردوغان عن ديرسيم. ومع ذلك، يعتقد أن الأقليات في تركيا لا يجب عليهم أن يبكوا على اللبن المسكوب، بل يجب أن يوحدوا القوى لإدانة أفعال الدولة التركية في ديرسيم. 

وقال جيليك في إشارة إلى عمليات التوغل التركية الأخيرة في المناطق الكردية في شمال سوريا "يجب إدانة تركيا في بيان مشترك. بالإضافة إلى ذلك، يجب على تركيا ببساطة أن توقف التطهير العرقي، لأن الأمر مازال مستمراً. وفي عام 1938، على سبيل المثال، فر أحد الناجين من عمليات القتل في ديرسيم إلى المنطقة السورية عفرين لبناء حياة جديدة هناك. ولسوء الحظ، اضطر الآن أحفاده إلى الفرار من الجيش التركي".

وبالمثل تعتقد هيوليري أن الاعترافات والاعتذارات ليست كافية.

تقول هيوليري "التعليم مهم. يجب أن تكون هناك أماكن للذكرى، ويجب على الناس تعلم منع الإبادة الجماعية. يجب أن يتعلم الناس العيش معا. يجب أن يتوقف الناس عن الاعتقاد بأن مجموعة بشرية واحدة أفضل من الأخرى".

نشرت هذه الدراسة باللغة الهولندية في مجلة دي كانتكنينغ، وهذا الجزء الثاني والأخير. يمكن قراءة الجزء الأول هنا:

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/history/dersim-massacre-then-and-now-part-ii-what-its-legacy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.