معضلة الحزب الثاني التاريخية في نظام الحزب الأوتوقراطي الواحد

بدأت تركيا تتعرف على التعددية الحزبية مع بداية عصر المشروطية الثانية عام 1908 (الفترة التي بدأ فيها إعلان الدستور العثماني من جديد في 24 يوليو 1908)، ولكن سرعان ما انتهت هذه المرحلة مع الانقلاب العسكري، الذي قام به  بعض المقربين إلى جمعية الاتحاد والترقي في 23 يناير 1913، والذي عُرِف حينها باسم "انقلاب الباب العالي"، ليحل محلها بشكل فعلي نظام الحزب الواحد.

وكان من الطبيعي أن تشهد المرحلة التالية تغييراً في بنية المجلس الأولى، التي تشكلت خلال فترة النضال الوطني، وأن يتم منع كثير من الذين عارضوا إصلاحات أتاتورك وأفكاره من الدخول إلى المجلس. أو بمعنى آخر، إن هذه المرحلة شهدت تصفية للجماعات المعارضة السابقة. 

أصبح المجلس الجديد، بعد أن تولى مصطفى كمال رئاسة الجمهورية وعصمت باشا رئاسة الوزراء، أكثر توافقاً مع أفكار الثورات ومبادئها، مقارنة بالمجلس القديم. ومع ذلك، كان من الصعوبة بمكان خلق مناخ سياسي حقيقي، دون وجود معارضة فاعلة. من أجل ذلك، سمح أتاتورك، خلال العام الأول من عمر الجمهورية التركية، بتأسيس الحزب السياسي الثاني في الحياة الحزبية التركية. 

وفي 17 نوفمبر 1924، تم تأسيس "الحزب الجمهوري التقدمي" بزعامة عدنان أديوار وعلي فؤاد جيبي صوي والجنرال كاظم كارابكير ورؤوف أورباي ورأفت بيله. والحقيقة أن هذا التطور كان أيضاً نتيجة لخلافات في الرؤى داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه.

تبنى الحزب الجديد سياسات جديدة ارتكزت على الفكر الليبرالي، مقابل مركزية الدولة، داعياً إلى نظام انتخابي موحد، وإسقاط عضوية الشخص الذي يتم انتخابه رئيساً للجمهورية من عضوية مجلس النواب، والرجوع والاحتكام إلى رأي الشعب عند القيام بأي تعديلات على الدستور.

نجح الحزب الجديد، بعد فترة قصيرة من تأسيسه، خاصة بعد استقالة عدد من النواب من حزب الشعب الجمهوري والانتقال إليه، في الدخول إلى البرلمان مُمثلاً ڊ 28نائبًا. 

لقد انتهزت الحكومة حركة التمرد التي تزعمها الشيخ سعيد عام 1925 لتستخدمها سلاحاً ضد المعارضة، ووجهت محكمة الاستقلال الاتهام إلى العديد من أعضاء الحزب الجمهوري التقدمي، بالمشاركة في حركة التمرد تلك، وأصدرت أحكاماً ضدهم. 

وتم إقصاء الحزب الجمهوري التقدمي من الساحة السياسية نهائياً بسبب تضمن لائحته الداخلية عبارة "نحن نحترم الدين". 

وشهد تاريخ الثالث من يونيو 1925، إغلاق أول حزب معارض في تاريخ الجمهورية التركية بشكل رسمي.  

وبعد مرور عام على إغلاق الحزب، وبالتحديد في 14 يونيو 1926، تم اعتقال رفقاء أتاتورك في النضال كاظم كارابكير ورؤوف أورباي ورأفت بيله وعلى فؤاد، ووجهت لهم تهمة التآمر والتدبير لاغتيال أتاتورك. تجاهلت السلطات في ذلك الوقت أن هؤلاء الأشخاص يتمتعون بالحصانة، وفقاً لدستور 24 ، وقامت باعتقالهم جميعاً.  

وأصدرت المحكمة حكمها بإدانة كاظم كارابكير وأصدقائه، وسط احتجاجات شديدة من الضباط والجنود داخل الجيش، وحُكِمَ على رؤوف أورباي ورشدي باشا بالسجن، في حين تمت تبرئة  كاظم كارابكير وعلي فؤاد ورفعت باشا من تهمة التآمر لاغتيال أتاتورك.

ومع ذلك، انتهت المحاكمات، التي لم تستغرق أكثر من شهر واحد، إلى إصدار أحكام بالإعدام بحق 14 شخصاً، من بينهم وزير المالية السابق جاويد بك والميرالاي عارف بك، الذي كان قد خرج إلى سامسون برفقة مصطفى كمال، بعد أن سلبتهم المحكمة حقهم في الدفاع عن أنفسهم أو استئناف الحكم، في حين صدر حكم غيابي على عدنان اديفار. 

وبذلك خلت الساحة السياسة في الفترة من 1925-1930 من وجود جبهة فاعلة للمعارضة، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من الحكم الاستبدادي. وكان واضحاً أن النظام الأوتوقراطي الاستبدادي لم يستطع أن يتحمل وجود طرف ثانٍ إلى جواره يقوم بدور المعارضة، فسارع بإقصائه بعيداً عن الساحة السياسية.

جرت المحاولة الثانية لإنشاء الحزب الثاني في عام 1930 عندما وافق مصطفى كمال على أتاتورك على تأسيس "الحزب الجمهوري الليبرالي" الذي عُرِف كذلك باسم "الحزب الجمهوري الحر"، ولكنه لم يستمر طويلاً، واضطر إلى حل نفسه خلال فترة وجيزة من إنشائه لم تتجاوز ثلاثة أشهر فقط.

نفهم من مذكرات فتحي أوكيار، مؤسس هذا الحزب، أن الشعب التركي أبدى شغفاً واهتماماً شديدين بالحزب الجمهوري الحر منذ اللحظة الأولى لتأسيسه؛ الأمر الذي كان مبعث قلق واندهاش في آن واحد لدى حزب الشعب الجمهوري.  

وفي المقابل، راحت جماعات، يُزعم أنها من أنصار حزب الشعب الجمهوري، تروِّج بأن أنصار تطبيق الشريعة قد تخطوا أوكيار، وبدأوا يتسللون إلى داخل الحزب الجمهوري الحر، وأنهم يثيرون الاضطرابات بشأن تطبيق الشريعة، وذهبوا إلى حد القول إنهم يعدون للتآمر ضد الجمهورية ومصطفى كمال على وجه الخصوص.

من جهته، ألقى وزير الداخلية، في ذلك الوقت، شكري كايا بياناً في المجلس عن التوجهات الأصولية للحزب الجديد، لكنه لم يستطع تقديم دليل ملموس واحد يؤكد صحة الادعاءات الخاصة بتدبير مؤامرات أو تنظيم مظاهرات ضد مصطفى كمال.

كان حزب الشعب الجمهوري يخشى من التراجع السريع في قاعدة مؤيديه؛ لذلك عمد إلى استغلال ما يتم ترويجه عن الفكر الأصولي داخل الحزب الجديد كأداة سياسية لإزاحته من  الساحة السياسية، وتمسَّك، في المقابل، بمبادئ العلمانية كسلاح فاعل في مواجهة أنصار الشريعة على الساحة السياسية (عثمان أوكيار- محمد سيدانلي أوغلو - "مذكرات فتحي أوكيار").

استغل حزب الشعب الجمهوري حماس الشعب بولاية إزمير للحزب الجديد، وأطلقوا النار على الجموع التي احتشدت للترحيب بأوكيار؛ مما أدى إلى وقوع عدد من الإصابات والوفيات؛ الأمر الذي حدا برئيس الحزب إلى حل الحزب.

وبذلك باءت تجربة الحزب الجمهوري الحر بالفشل؛ ليبدأ نظام الحكم الأوتوقراطي القائم على حكم الفرد والحزب الواحد من جديد، ويستمر حتى عام 1945.

وبعد عام 1935، اندمج الحزب والدولة معاً، وأصبحا كياناً واحداً لا يمكن فصل أي منهما عن الآخر، وأصبح حزب الشعب الجمهوري هو حزب الدولة الأوحد. وبذلك خرج الحزب من المسار الذي كان يجب أن يسير فيه أي حزب سياسي، وانقطعت علاقته مع الشعب تماماً؛ ليكتفي بأن يكون واجهة الحكومة والدولة فقط. (متى تونجاي "خطابات تاريخية نقدية – بولنت تانور" التطورات الدستورية العثمانية-التركية).

ونتيجة لذلك، امتدت السلطة السياسية لرئيس الحزب لتشمل الدولة كلها، وأصبح حزب الشعب الجمهوري هو حزب الدولة، وصار مصطفى كمال "الرئيس الأبدي"، ومحور اتخاذ القرار في النظام. ومن بعده جاء "الرئيس القومي" عصمت إينونو. (طه بارلا- النظام السياسي في تركيا). 

وعلى الرغم من أن دستور عام 1924 لم ينص، بأي شكل من الأشكال، على نظام الحزب الواحد، إلا أن هذا الأمر صار أمرًا واقعًا مع الظروف السياسية السائدة في ذلك الوقت، أو بمعنى آخر أثرت العوامل السياسية في الداخل والخارج على الانتقال إلى حياة التعددية الحزبية.  

من ناحية أخرى، أدَّت الحرب العالمية الثانية إلى حدوث تغييرات كبيرة في البنية الاقتصادية والاجتماعية في تركيا؛ إذ واكب اتجاه الدولة إلى دعم تحويل رأس المال إلى القطاع الخاص، تعرض قطاعات واسعة من المجتمع التركي للظلم بسبب سوء توزيع الدخل نتيجة للتضخم والفساد والآثار السلبية للسوق السوداء. وبذلك فقد مفهوم الشعوبية، الذي لا يؤيد الطبقية في المجتمع، ولا يميز بين فرد وآخر، ومفهوم مركزية الدولة الداعمة له، معناهما الحقيقي. ونتيجة لذلك، بدأت شرائح مختلفة من المجتمع تشعر بالقلق والحاجة الشديدة للتغيير.  

عانى الفلاحون والمزارعون، خلال تلك الفترة، من سياسة التسعير المتدنية للحاصلات، فضلاً عن صعوبة النقل، بالإضافة إلى ضغوط وممارسات قوات الدرك، والمُحصِّلين التابعين للدولة، ضدهم، وفوق هذا وذاك عانوا بشدة من أعباء الممارسات المستبدة للنظام الحاكم. 

وعلى الرغم من أن عدد الطبقة العاملة في ذلك الوقت كان في حدود 250 ألف شخص، إلا أنها عجزت عن تصدر المشهد، والمطالبة بتغييرات سياسية أو تنظيمية، بسبب الإجراءات الصارمة في ذلك الوقت، التي تحظر الاضرابات، وتفرض قيود على الصحافة وحرية الرأي.

من ناحية أخرى، عانى الموظفون المدنيون والمثقفون، الذين كانوا يمثلون أكثر العناصر حيوية في الطبقة الوسطى، بدورهم من الصعوبات الاقتصادية، في ظل ظروف التضخم آنذاك.

وانضم إلى الفريق السابق أيضاً شريحة المتدينين المحافظين في المجتمع، التي بدأت، هي الأخرى، تبدي استياءها وتبرمها من فكرة الثورات، وما يتبعها من إجراءات وممارسات. 

وبالإضافة إلى هذا، كان هناك عاملان خارجيان تركا تأثيرهما كذلك؛ أولهما: خروج الدول الغربية منتصرة من الحرب؛ الأمر الذي أدى إلى تردد الحديث بقوة تطبيق الديمقراطية، التي كانت تنادي بها تلك الدول آنذاك. من ناحية أخرى، اقتضى التصديق على معاهدة الأمم المتحدة الالتزام بالانتقال إلى الديمقراطية، أما العامل الثاني، فتمثَّل في تهديد الاتحاد السوفيتي حينها لتركيا؛ الأمر الذي دفع تركيا للبحث لها عن مكان داخل التحالف الغربي.

وعلى الجهة المقابلة، عانت جبهة عريضة من أبناء الشعب التركي من ظلم من الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي فرضها عليهم نظام الحزب الواحد السلطوي. ومع ذلك، لم تكن هناك حركة سياسية فاعلة يمكنها قيادة جبهة المعارضة، وتخفيف حدة الاحتقان ضد النظام الحاكم. 

وفي عام 1945بدأ حزب الشعب الجمهوري، بالتزامن مع الوضع السياسي الداخلي والخارجي في ذلك الوقت، في مناقشة مسألة الانتقال إلى نظام التعددية الحزبية.  

وفي 29 مايو 1945 صوَّت كل من جلال بايار وعدنان مندريس ورفيق كورالتان وفؤاد كوبريلي وأمين سازاك بالرفض أثناء عملية التصويت على الميزانية.

ومع تسارع الأحداث، تم طرد مندريس وكوبرولو وكورالتان من حزب الشعب الجمهوري، بعد رفض "التقرير الرباعي"، وهو اقتراح تقدم به بايار ومندريس وكورالتان وكوربولو لإزالة المواد المناهضة للديمقراطية في النظام الأساسي للحزب. 

وقد استقال جلال بايار من الحزب، احتجاجاً على عملية الطرد تلك، وقام في الأول من ديسمبر عام 1945 مع عدد من أصدقائه بتأسيس حزب جديد باسم "الحزب الديمقراطي". وبذلك يكون الحزب الديمقراطي هو المحاولة الثالثة، بعد الحزب الجمهوري التقدمي والحزب الجمهوري الحر، لتأسيس حزب معارض يولد من رحم حزب الشعب الجمهوري. 

وخلال رئاسته لمجلس الوزراء، عمد رجب بيكر الموالي للمتشددين، إلى التدخل من أجل ضمان استمرار حزب الشعب الجمهوري، من خلال الدعوة إلى انتخابات مبكرة عام 1946 حامت حولها الشبهات، إلا أنه ما لبث أن فقد موقعه في الانتخابات، التي أجريت بعد ذلك بأربع سنوات، وبالتحديد في 14 مايو 1950.

ظهرت على الساحة السياسية طبقات اجتماعية جديدة خارج إطار الأقلية، التي طالما احتقرت العمل بالسياسة، منذ إعلان المشروطية الثانية، واندمجت داخل الحزب الديمقراطي. (تونجاي، المصدر السابق ذكره).

وبذلك هُزِمت النُخبة البيروقراطية لحزب الشعب الجمهوري، التي ظلت منفصلة عن الشعب، والبيئة المحيطة بها، وبدأ الحزب الديمقراطي يتصدر المشهد السياسي في تركيا، تحت شعار "كفى.. الكلمة للأمة"، واضعاً نصب عينيه مطالب الشعب.

وعلى الرغم من أن هذا الانفتاح كان يتضمن مطالب بالديمقراطية والحرية، إلا أن الظروف الراهنة جعلت هذه التجربة أيضاً تبوء بالفشل لأسباب كثيرة؛ من بينها مشكلة الامتثال لدستور 1924، ومفهوم الديمقراطية والحرية وسيادة القانون، وكذلك القيود القانونية، التي فُرضت على الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية، وعلى رأسها حرية الرأي، بالإضافة إلى بعض التقاليد التاريخية الأخرى التي أحدثت صراعات وتوترات على الساحة السياسية كذلك.  

في تلك الأثناء، لم يكن الفكر اليساري قد تطور، بشكل كاف، في تركيا حتى عام 1950. وكان نظام الأحكام العرفية، الذي استمر تطبيقه سبع سنوات (1940-1947)، يستهدف، في الأساس، الفكر الاشتراكي والمنظمات العمالية. وبذلك يمكن القول إنه تم الاعتماد، خلال مرحلة الانتقال إلى التعددية الحزبية، على ديمقراطية تحلق بجناح واحد، بعد أن كسرت القوانين والممارسات العرفية السائدة في ذلك الوقت جناحها الأيسر.  (ظفر أوسكول- السياسة والعسكر).

هذا المقال يعكس آراء المؤلف، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/tek-partili-otokratik-rejimde-ikinci-parti-sorunu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.