عمدة هانوفر الجديد رمزٌ قوي لمجتمع الألمان ذوي الأصول التركية

فاز بيليت أوناي في انتخابات بلدية هانوفر، بعد أن استحوذ على نحو 53 في المئة من الأصوات، ليصبح أول ألماني من أصول تركية يقود عاصمة ولاية، وواحدة من أكبر المدن في البلاد.

وقال بوراك غوبور، المحلل والباحث في شؤون المجتمعات التركية ومجتمعات المهاجرين في ألمانيا إن "المهاجرين الأتراك يصنعون التاريخ الآن، وهذه الانتخابات رمز قوي لنحو ثلاثة ملايين من ذوي الأصول التركية في ألمانيا".

ولدى ألمانيا ثاني أكبر عدد من السكان المسلمين في أوروبا الغربية بعد فرنسا. ومن بين نحو 4.7 مليون مسلم يعيشون في البلاد، هناك نحو ثلاثة ملايين من أصول تركية، وهو عدد لا يوجد أكبر منه في أي بلد خارج تركيا.

البعض من هؤلاء أغضب الألمان بسبب دعمهم للرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، الذي ينظر إليه كثيرون على أنه شخص يزيد استبداده. ومنعت برلين مسؤولين من حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم مراراً من إطلاق حملات في ألمانيا.

وفي منتصف عام 2018، خرج لاعب كرة القدم مسعود أوزيل – المولود في ألمانيا لأسرة تركية – من الفريق الوطني الألماني بعد تعرضه لانتقادات بسبب لقاء جمعه بأردوغان. وقال في بيان "أنا ألماني عندما نفوز، لكنّي مهاجر عندما نخسر".

هناك أيضاً اتهامات بالتجسس؛ فالمدّعي العام الألماني يُجري تحقيقات مع 13 إماماً تركيّاً مشتبه في أنهم يتجسسون لصالح الدولة التركية، سعياً إلى تحديد هوية مؤيدي حركة غولن التي تُحمّلها تركيا مسؤولية محاولة انقلاب فاشلة وقعت في عام 2016. وترى السلطات الألمانية أن حركة غولن منظمة مدنية، ويلقى أتباعها الساعون إلى الإقامة في المنفى في ألمانيا ترحيباً كبيراً.

وقال غوبور إن نتيجة هانوفر تعني أن أي تصور لوجود صلة بأردوغان وحكومته لم يضر بالآفاق السياسية للألمان المنحدرين من أصول تركية.

أضاف "الرسالة الموجهة لهم هي: نعم نحن نستطيع"، دافعاً بأن فوز أوناي قد يساعد على الحد من النفوذ الكبير الذي يحظى به أردوغان بين الألمان ذوي الأصول التركية. وقال "هذه الانتخابات تُظهر أن الألمان من أصحاب الخلفية التركية، وغيرهم من المهاجرين، بإمكانهم تحقيق هذه الأهداف".

وُلد أوناي (38 عاماً) في بلدة غوسلار الألمانية لأسرة تركية هاجرت من إسطنبول في سبعينيات القرن الماضي، ويعمل محامياً في حزب الخُضر. وهو عضو في البرلمان الألماني عن ولاية ساكسونيا السُفلى منذ عام 2013، وقبل ذلك شغل منصب مستشاراً للمدينة لمدة عامين.

حصل أوناي على 52.9 في المئة من الأصوات، بينما حصل مرشح الاتحاد الديمقراطي المسيحي إيكهارد شولتز على 47.1 في المئة من الأصوات.

وهانوفر، التي ظل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني يقودها منذ عام 1946، هي رابع أكبر مدن ألمانيا التي تنتخب عمدة من حزب الخُضر، وهو ما يسلط الضوء على تراجع الحزب الديمقراطي الاجتماعي، في الوقت الذي يتألق فيه حزب الخُضر.

وقال أوناي على تويتر "اليوم، اختارت هانوفر الرحيل... يمكنني أن أعِدُكم جميعاً بأن أبذل كل ما في وسعي من أجل مدينتنا".

وهانوفر هي أكبر مدينة في ساكسونيا السُفلى وعاصمتها، ويصل تعداد سكانها إلى ما يزيد قليلاً على 500 ألف نسمة، مما يجعلها تحتل الترتيب 13 بين أكبر مدن ألمانيا، ويعيش في منطقة العاصمة التي تتبعها هذه المدينة 1.5 مليون نسمة.

نشأ ألكسندر كلاركسون، المُحاضر المتخصص في الدراسات الأوروبية والألمانية في كلية كينجز لندن، في هانوفر. ويشير كلاركسون إلى أن الحركة الكردية لها نفوذ كبير هناك. وقال إن أوناي يمثّل جزءاً محدداً من مجتمع الألمان ذوي الأصول التركية، والذي يضم اليسار وأتباع الحراك الاجتماعي، وغالباً ما تكون لدى هؤلاء شكوك بشأن سياسات أردوغان.

وقال كلاركسون "إذا كنت من هذه الفئة من الألمان ذوي الأصول التركية، فإن هذا أمر عظيم، لأنه إشارة على قبولك... لكن بعض الألمان الآخرين من أصول تركية يرون هذا أمراً مثيراً للمشاكل، لأنه – بالنسبة لهم – النوع الخطأ من الألماني المنحدر من أصول تركية".

وأشار كلاركسون إلى أن الجماعات التي تنظّم فعاليات تركية في ألمانيا، تميل إلى تأييد أردوغان وحزب العدالة والتنمية، ومعارضة السياسيين الألمان ذوي الأصول التركية من أمثال أوناي وجيم أوزدمير، الرئيس المشترك السابق لحزب الخُضر.

لكن يظل من الممكن أن يمثل فوز أوناي صفعة للحركة المعادية للمهاجرين في ألمانيا، والتي يقودها حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، والذي يحقق زخماً ويكسب أرضية في عدد من الولايات الألمانية منذ أن استقبلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مليون لاجئ سوري في عام 2015.

وفي وقت سابق من هذا العام، استنكرت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية ملصقاً استخدمه حزب البديل من أجل ألمانيا في إطار حملة، حيث كان ذلك الملصق يحمل رسماً لامرأة بيضاء عارية في القرن التاسع عشر يتفحصها رجال يبدون مسلمين معممين من الشرق. وحمل الملصق أيضاً عبارة تقول "لكي لا تصبح أوروبا أوروعربية... صوّتوا لحزب البديل من أجل ألمانيا!"

وقال غوبور "هذه انتكاسة حقيقية لحزب البديل من أجل ألمانيا" مضيفاً أن المهاجرين ما زال أمامهم طريق طويل للوصول إلى قبول أوسع نطاقاً. وأردف قائلاً "من الناحية الهيكلية، ما زال هناك تفريق مؤسسي في ألمانيا وعنصرية في المجتمع".

ووفقاً لكلاركسون، فإن فوز أوناي يُظهر زيادة نفوذ الطوائف المهاجرة، لكنه لن يُصلح الانحرافات في السياسة الألمانية، حيث أنه جرت العادة على أن يكون حزب البديل من أجل ألمانيا ضعيفاً في هانوفر، وحيث يلعب المهاجرون دوراً رئيساً في نجاح المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي.

أضاف "أبناء الشتات باتوا الآن جزءاً من نظام القوة وهيكله، ويمكنهم استخدام ذلك مع الآخرين دفاعاً عن أنفسهم... لكنّ ذلك لا يعني أن حزب البديل من أجل ألمانيا سيختفي من الوجود. فلدى حزب البديل من أجل ألمانيا قواعد نفوذ أخرى ويحظى بالكثير من الدعم في أنحاء البلاد".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/german-turks/new-hanover-mayor-powerful-symbol-germanys-turkish-community-analyst
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.