جتين غورر
أكتوبر 06 2019

مغامرة غير محسوبة العواقب..! أردوغان يُلوّح مُجدّداً باجتياح "روج آفا"

 

لم يجد أردوغان الدعم الدولي، الذي كان يأمله من الأمم المتحدة لـ "المنطقة الآمنة"، التي أراد تأسيسها في شمال سوريا.
ويبدو أن الاتفاق المُبرم بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية وتركيا لا يلبي طموح أردوغان في تلك المنطقة من سوريا؛ فراح، في كلمته التي ألقاها في مجلس النواب، بمناسبة بدء السنة التشريعية الجديدة للمجلس، يكرر تهديداته بشن الحرب على سوريا، بترديد عبارات من قبيل "يمكنني الضغط في أية لحظة على الزر لبدء الحرب".
ثم جاءت تصريحات وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى الإعلام وقوله "لا مجال للمزاح في الحديث عن الحرب" ليعكس مدى تصميم أردوغان على الدخول إلى منطقة "روج آفا" الكردية، ولكنه يتحين التوقيت المناسب للإقدام على هذا الأمر.  
وعلى الرغم من كل التهديدات التي تطلقها تركيا، أعلنت قوات "روج آفا" التزامها بالاتفاقات التي تم التوصل إليها، وقناعتها بأن فرض "منطقة آمنة" على مساحة خمسة كيلومترات في عمق الأراضي السورية كافٍ لحماية حدود تركيا و"روج آفا" على حدٍ سواء، واستمرت بعد ذلك في إصدار تصريحات عقلانية على نفس الشاكلة؛ رغبة منها في تجب اندلاع الحرب مع تركيا.
تدرك اﻟ "روج آفا" جيداً أنه إذا اندلعت الحرب، فستتسع دائرة الصدامات إلى ما هو أبعد من الحديث عن الحدود أو الأرض بالنسبة لكلا الطرفين؛ لذلك رأيناها تصر خلال الفترة الماضية على التمسك بخطوات الحل، استناداً إلى مبادرات دبلوماسية، بعيداً عن العنف. وهذا، بالطبع، لا ينبغي أن يُفَسَّر بأنه عجز من جانب "روج آفا" أو ضعف أو تخوُّف من مواجهة تركيا، بل هو وعي وإدراك منها لحقيقة أن أيّ من الطرفين لن يجني فائدة من تلك الحرب سوى التدمير المخيف، والفوضى الكبيرة، التي ستنجم عن هذه الصدامات، وبالتالي لن يحقق أردوغان، ولا الأكراد، النصر في الحرب التي ستحدث بين تركيا وقوات "روج آفا"، وسيكون الدمار وعدم الاستقرار وضياع أية فرصة محتملة للحل هي النتيجة الحتمية لهذه الخطوة.
من ناحية أخرى، سيؤدي ذلك الأمر إلى تأجيل طويل الأمد لإعادة إعمار سوريا، وإنشاء نظام دستوري، وسيعزز، في المقابل، من وجود تنظيم الدولة الإسلامية، وسيطرته على الأرض هناك، فضلاً عن الأعداد الكبيرة من الوفيات، وتدفقات اللاجئين التي ستواكب اندلاع هذه الحرب.
هناك تصريحات واضحة تفيد بأن قوات "روج آفا" قد أكملت بالفعل استعداداتها العسكرية والدبلوماسية، في إشارة إلى استعدادها التام لوقوع حرب محتملة.
يوضح أحمد شيكو، أحد الممثلين الرسميين لروج آفا، في حوار أجراه مع صحيفة "يني أوزغور بولوتيكا"، هذا الأمر على النحو التالي:
"أصبحنا اليوم أكثر قوة وأكثر استعدادًا سياسيًا ومعنويًا وعسكريًا، مقارنة بوضعنا في الماضي. لهذا السبب يخطئ كل من يتصور بأن الهجمات التي سنتعرض لها ستبقى دون رد. نحن بالتأكيد لا نرجح خيار الحرب، ونعلم أن الحرب لن تكون السبيل الوحيد للوصول إلى الحل. ولهذا السبب، ننظر إلى الحرب باعتبارها الخيار الأخير، الذي قد نضطر إلى الخوض فيه. يمكننا أن نفسر تهديدات تركيا بشن الحرب بطريقة مختلفة. أقصد بهذا أن تركيا لا تقصد بتلك التهديدات قوات "روج آفا" وحدها؛ لأن أردوغان يستغل الحديث عن الحرب، وفتح الباب أمام اللاجئين للتدفق صوب أوروبا، لابتزاز أميركا وأوروبا، وطمعاً في الحصول على بعض التنازلات.  وأجد أنه من الواجب عليَّ أن أكرر هنا أننا أتممنا كافة استعداداتنا لأية هجمات محتملة. وعلينا أن نُذكِّر كذلك أن  سيناريو عفرين لن يتكرر في شرق الفرات".
لا شك أن المسؤولين في تركيا يتابعون كذلك هذه التصريحات، ومن ثم يجب على أردوغان، وكل من يؤيدون خيار الحرب، أن يعرفوا جيداً أن الهجوم على "روج آفا" لن يكون مجرد نزهة تقوم بها القوات التركية. عليهم أن يعترفوا أن الحرب، هذه المرة، لن تكون كسابقتها في جرابلس وعفرين، ومن ثم يجب عليهم أن يتخلوا، في أقرب وقت ممكن، عن مخططات الحرب لديهم.
وفي رأيي، إن النعرات القومية التي يتشدق بها أردوغان، من قبيل أن تركيا دولة قوية، أو أنها تمتلك جيشاً قوياً، لن تُفضي إلى شيء في هذا الأمر، وإن كان يحاول، بإطلاق هذه الشعارات،  كسب تأييد الرأي العام لشنّ الحرب، فمن المؤكد أنه سيُقابل بردة فعل عنيفة من قبل الشعب أيضاً، عندما يتم الإعلان عن الخسائر الفادحة التي ستخلفها هذه الحرب.
يتمسك أردوغان بخيار الحرب، بوصفه الخيار الأخير للتغطية على سياساته القمعية الاستبدادية، ومشكلات النظام الاقتصادي والسياسي في الداخل من ناحية، والقضاء على الوجود الكردي في هذه المنطقة من ناحية أخرى.
يعلم الجميع جيدًا أن أردوغان لن يقدم على الحرب هذه المرة سعياً وراء تحقيق نصر ما؛ لأن السؤال عما إذا كان سيحقق النصر من عدمه هو أمر مختلف تماماً؛ لأنه يرى أن الحرب، بما سينتج عنها من فوضى ودمار وعدم استقرار، هي الخيار الأخير للمحافظة على سلطته وبقائه في الحكم مدة أطول، أو بمعنى آخر إنه يفضل بقاءه على مستقبل تركيا والشعب التركي وبقائهما.
لقد اتبع أردوغان، في تعامله مع الأكراد والقضية الكردية، منذ اليوم الأول لمجيئه إلى السلطة عام 2002 سياسة خبيثة تقوم على "الكذب والمراوغة والخداع"، وهو لا يدخر جهداً الآن كي ينهي الفترة الأخيرة من حكمه بالقضاء على الأكراد، ومحوهم من الوجود.
عندما وصل أردوغان إلى السلطة، كان الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني، الذي بدأ عام 1984، قد أتم عامه الثامن عشر. والآن، وبعد مرور 17 عاماً على وجوده في السلطة، أثبت أردوغان أن فترة حكمه كانت الأسوأ في تاريخ الجمهورية التركية في اتجاه التوصل لإنهاء صراعات استمرت 18 عاماً، والتوصل إلى حل للقضية الكردية.
وعلى الرغم من الفترة الطويلة التي قضاها في السلطة، وكافة الصلاحيات التي يقبض عليها في يده، إلا أنه كان دائماً يكرس جهوده وسلطاته نحو مزيد من التأزم والفوضى والتعقيد والجمود للقضية الكردية، بدرجة لم نرها لدى أي سياسي تركي آخر تولى الحكم في تركيا.
نجح أردوغان في تشتيت الأكراد فترة طويلة من الزمن، بداية بالمحادثات والمفاوضات، ثم بالاعتقالات والقتل، كلما سنحت له الفرصة للقيام بهذا، أما الآن فهو يحاول كسب المزيد من الوقت بتضليل الشعب التركي، هذه المرة، بحديثه عن الحرب والعنف، باعتبارهما السبيل لحل القضية الكردية.
وهنا يجب أن نوجه السؤال إلى الشعب التركي، خاصة الشريحة المؤيدة لأردوغان، عن طبيعة التغيير والتحوُّل الذي سيُحدثه في القضية الكردية، من خلال مهاجمة "روج آفا" الآن، وهو الذي قضى في الحكم 17 عاماً عجز خلالها عن حلّ القضية الكردية.
يجب أن نسأل سؤالاً خاصاً في هذا الموضع "هل فهم أردوغان وأكار وصويلو الشيء الذي عجز بولنت أجاويد من قبلهم عن فهمه، فيما يخص تسليم أوجلان إلى تركيا؟". لا شك أن سياسات الحرب والعنف والعدوان التي ينتهجها أردوغان تدلّ على أنهم لم يفهموا شيئاً بعد.
 

- هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يُشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/suriye/bu-isin-sakasi-yok
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.