محافظ البنك المركزي السابق: انعدام الشفافية يقتل الاقتصاد التركي

كان الاقتصاد التركي مصدراً للقلق البالغ منذ بداية عام 2018 على الأقل إذ يعاني ملايين المواطنين من صعود معدلات التضخم وارتفاع معدلات البطالة وارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل كبير خلال العام الماضي بمفرده.

وقد شهد الاقتصاد حالة من الركود من الناحية الفنية خلال الربع الأخير من عام 2018، وتباطأت أرقام التضخم تدريجياً منذ ذلك الحين، بعد أن وصلت إلى ذروتها في شهر أكتوبر الماضي. ويقول الرئيس رجب طيب أردوغان ووزراؤه إن تركيا قد تجاوزت أسوأ المشاكل الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن هذه الأرقام تتطلب تحقيقاً عن قرب، وفقًا لما قاله دورموش يلماز النائب عن الحزب الصالح المعارض المنتمي ليمين الوسط.

ولدى يلماز، بصفته محافظاً سابقاً للبنك المركزي التركي لمدة خمس سنوات في ظل حزب العدالة والتنمية الحاكم، نظرة ثاقبة خاصة بشأن الاتجاه الاقتصادي للبلاد. وقال لموقع (أحوال تركية)، إن هذا الاتجاه يسير أكثر فأكثر إلى المياه الموحلة بسبب نفور الحكومة من الشفافية ومحاولات نسج قصة حول الانتكاسات الأخيرة.

دورموش يلماز
دورموش يلماز

أحوال تركية: قال أردوغان قبل التوجه إلى قمة مجموعة العشرين إن جميع المؤشرات الاقتصادية لشهر يونيو كانت إيجابية، وإن لديه أنباء جيدة عن الاقتصاد لدى عودته. هل صحيح أن كل شيء يسير على ما يرام بالنسبة للاقتصاد؟

دورموش يلماز: أولاً، لا تعكس هذه الكلمات الحقيقة. اقتصادنا ينكمش بسرعة. الحكومة تصر على رواية، وتواصل تكرار تصريحاتها. في الواقع، إنها في حالة إنكار لما يحدث منذ البداية.

ترى الحكومات بشكل عام أن المشكلات الاقتصادية مؤقتة عندما تحدث، وتنكر المشكلة. ثم عندما تتعمق الأزمة وتزداد المشكلات، يسيطر الخوف والذعر. وتصبح حالات الإنكار أكثر تواتراً. هذه بالضبط هي السيكولوجية السائدة حالياً لدى أردوغان وفريقه المسؤول عن ملف الاقتصاد.

لقد انهار الطلب المحلي. الطلب الخارجي مستمر، لكن شروط التجارة الخارجية قد تهاوت. أصبحت منتجات التصدير لدينا أرخص، لكن السعر الذي ندفعه مقابل الواردات لإنتاج نفس البضائع ارتفع. هذا يعني في الواقع أن دخلنا من الصادرات لا يزداد.

أحوال تركية: هون وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق من مشكلة التضخم في تركيا وقال إن التضخم يمكن تخفيضه إلى رقم في خانة الآحاد. ومع ذلك، يقول كثيرون إن أرقام التضخم الرسمية، والتي أظهرت انخفاضاً كبيراً منذ العام الماضي، لا تعكس واقع السوق.

يلماز: في أغسطس الماضي، شهدت الليرة انخفاضاً كبيراً (بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا بسبب سجن القس الأميركي أندرو برانسون). ثم في سبتمبر، أدى ذلك إلى صعود التضخم، ورد البنك المركزي برفع أسعار الفائدة بما يزيد على ست نقاط مئوية. وبحلول أكتوبر، بلغت معدلات التضخم السنوية 24 في المئة.

بدأ البيرق الآن من هنا قائلا، بمعنى فني، إن التأثير الأساسي الذي بدأ في الخريف الماضي يعني أننا سنرى نسبة التضخم عند رقم في خانة الآحاد في الخريف، مقارنة بالمعدلات في سبتمبر وأكتوبر 2018.

إنهم يحاولون استخدام بعض الطرق الفنية لحساب سعر الفائدة. بهذا المعنى، قد يكون السعر منخفضاً، لكن هل يعطي ذلك صورة حقيقية بالفعل؟ هل هذا مقنع؟

أحوال تركية: يرسم البيرق وأردوغان صورة وردية عن الاقتصاد. لكن هذا يتناقض مع أرقام الأشهر الخمسة الماضية التي تبين أن الميزانية تخلفت عن تحقيق أهدافها السنوية. الضريبة على الدخل آخذة في الانخفاض وتزداد الانتقادات بشأن الانضباط المالي.

هل تشير المؤشرات إلى فترة إيجابية للاقتصاد كما تقول الحكومة، أم هل ستضطر تركيا إلى الذهاب لصندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق؟

يلماز: نحن نواجه أزمة. تقول الحكومة إن السبب وراء ذلك هو القوى الخارجية. لكننا تسببنا في الأزمة الاقتصادية عام 1994 بأنفسنا، وأزمة 2001 أيضاً. علمنا صندوق النقد الدولي الانضباط المالي بالطريقة الصعبة في الأزمتين، لكن ذلك حدث بشكل خاص بعد عام 2001.

كانت هذه الحكومة لفترة طويلة تلتزم بمبادئ التدقيق المالي ومراجعة الحسابات لصندوق النقد الدولي. وتبلغ ديون الحكومة المركزية الآن حوالي 32 إلى 33 في المئة من الناتج القومي. يبدو أن هناك مساحة مالية واسعة. وبالنسبة لدولة متقدمة للغاية لا تعاني المشاكل الاقتصادية، هذه نسبة منخفضة. إنها نسبة إيجابية.

والسؤال المطروح هو ما إذا كنا نعرف حقاً ديون الحكومة المركزية والتزاماتها. لا، لأنه لا توجد شفافية. مشاريع البنية التحتية الحكومية والمطارات والمستشفيات (التي بنيت بموجب نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي يضمن للمقاولين دخلاً مدعوماً من الخزانة) - لا نعرف الحجم الحقيقي للالتزامات التي تأتي من هذه المشاريع أو كيف ستؤثر على الميزانية.

ففي عام 2019 خلال مناقشات الميزانية، سألنا وزيري النقل والصحة عن مقدار العبء الذي تضعه هذه المشروعات على عاتق الميزانية والفترة الزمنية التي تستغرقها. لم نتلق إجابة بعد. لا يمكننا رؤيتها في الميزانية لأنها لا تحظى بأي شفافية. على سبيل المثال، تبلغ تكلفة الدخل والإيجار المضمونين لمستشفيات المدن في الفترة من 2020 إلى 2021 نحو 21 مليار ليرة (3.64 مليار دولار). يمثل هذا ثلث ميزانية وزارة الصحة.

هناك العديد من المجالات الأخرى التي لا نراها في الميزانية. لهذا السبب ليس من الواضح ما إذا كان إجمالي الدين هو 32 إلى 33 في المئة من الناتج القومي أو أعلى. إذا ذهبنا إلى صندوق النقد الدولي، فسوف يطلبون الشفافية والانضباط المالي.

بعد برنامج الانضباط المالي لصندوق النقد الدولي في عام 2001، باتت تركيا تسدد صافي الدين. كان هذا هو الحال حتى عام أو عامين، ولكنها أصبحت مقترضة صافية في النصف الثاني من عام 2018.

ستقدم وزارة الخزانة والمالية بالتأكيد مشروع قانون إلى البرلمان هذا الخريف لرفع الحد الأقصى لدين الخزانة. سيكون من المستحيل التعامل مع الأمور دون العثور على المزيد من القروض والحصول عليها.

أحوال تركية: هل تستطيع تركيا حل مشكلة التمويل من خلال اتفاق مع صندوق النقد الدولي لموجة جديدة قصيرة الأجل من الأموال الساخنة؟

يلماز: المشكلة الكبرى تتمثل في الافتقار إلى الشفافية. الجمهور ليس لديه ثقة في الأرقام التي تصدرها المؤسسات العامة.

في الخارج، يتم استقبال الأرقام التي قدمتها المؤسسات التركية بحالة من الريبة وتبين أنها غير مقنعة. جاءت وفود إلى تركيا في الآونة الأخيرة من اثنين من البنوك الاستثمارية الرائدة في العالم. سألوني عما إذا كنت، بصفتي محافظاً سابقاً للبنك المركزي، أصدق حسابات التضخم لدى البنك وعملية جمع البيانات من الأسعار.

هذه بنوك استثمارية تؤثر على الأسواق العالمية، وهذا يعني أنها لا تصدق (أرقام البنك المركزي). لأنه لا يوجد شيء يتسم بالشفافية. لقد سمعوا أن حسابات التضخم لأسعار المواد الغذائية وما إلى ذلك تستند إلى أسعار السلع في حملات التخفيضات التي تديرها شركات قريبة من الحكومة.

ثم هناك بيانات وأحكام من هيئة التنظيم والرقابة المصرفية. هذا موضوع حساس للغاية بالنسبة للأعمال المصرفية، ونحن بحاجة إلى توخي الحذر. لكن في سبتمبر الماضي، أعلنت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية أن جميع البنوك التركية اجتازت اختبار الضغط، وأنه لا توجد أي مشكلة في هذا القطاع.

وورد أن نسبة الائتمان السيئة والمعرضة للخطر تمثل أربعة في المئة. لكن هل هذا صحيح؟ لا نعرف، لأنه لا توجد شفافية. ولكن إذا كان هذا صحيحاً، فلماذا أرسلت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية مذكرة إلى جميع البنوك في يناير تطلب إعادة هيكلة لمدة 36 شهراً بقيمة 220 مليار ليرة (38.1 مليار دولار) من الديون التي تم توزيعها بضمانات من صندوق ضمان الائتمان؟

لم يعد هناك ثقة في بيانات الدولة ومؤسساتها، ولم يعد يصدقها أحد.

أحوال تركية: يقول البيرق وأردوغان إن الاقتصاد يتجه نحو تحقيق فائض في الحساب الجاري لأول مرة في التاريخ التركي وهذه علامة حيوية على انتعاش الاقتصاد. هل هذا صحيح؟

يلماز: نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا ما إذا كان بإمكان تركيا تحقيق فائض، وإذا كان ينبغي لها ذلك. لتكون قادراً على التصنيع والاستثمار وكذلك للتصدير، يجب علينا استيراد السلع الوسيطة والاستثمار. ينجم انخفاض العجز في التجارة الخارجية والحساب الجاري عن انخفاض الواردات، بما في ذلك واردات السلع الوسيطة والاستثمارية.

لا يتم ضخ استثمارات جديدة، لذا فإن الطلب والتصنيع يتقلصان. فقط لكي نتمكن من حماية العمالة في تركيا عند مستوياتها الحالية، نحتاج إلى معدل نمو لا يقل عن أربعة في المئة سنوياً. هذا يؤدي إلى عجز الحساب الجاري.

لذلك، فإن تخفيض عجز الحساب الجاري ليس إنجازاً للحكومة، إنه نتيجة للانكماش الاقتصادي. نحن نتجه نحو فائض في الحساب الجاري سواء كانت الحكومة تريد ذلك أم لا. الحكومة راضية عن شيء نحتاج فعلاً إلى القلق بشأنه بدلاً من الإنكار والذعر الذي ناقشناه بالفعل.

أحوال تركية: أثارت تقارير الأخبار هذا العام المخاوف من أن البنك المركزي يبيع في هدوء احتياطياته من العملات الأجنبية لدعم الليرة. ما يزال هناك خلاف بشأن المبلغ المتبقي في احتياطيات البنك.

وقال أردوغان في خطابه الأخير إن الاحتياطيات بلغت نحو 90 مليار دولار وتتزايد. هل احتياطيات البنك المركزي مصدر قلق حقيقي بالنسبة لتركيا؟

يلماز: سبب القلق بشأن احتياطيات البنك المركزي واضح في أقساط التأمين على المخاطر في تركيا. لا توجد شفافية هنا، أيضاً. كلما زاد هذا الغموض، زادت المخاطر أيضاً.

لا نعرف حجم عجزنا النقدي. مثلما هو الحال مع مصادر التمويل الأجنبي والأموال الساخنة وتدفق العملات الأجنبية والاستثمار الأجنبي. قضية المهاجرين من بين أكبر هذه القضايا. يقولون إننا أنفقنا 30 مليار دولار أو 35 مليار دولار على المهاجرين (الذين وصلوا إلى تركيا بالملايين من الحرب في سوريا المجاورة)، لكننا لا نعرف من أين أتت هذه الأموال أو كيف تم العثور عليها أو كيف تم إنفاقها. ليست في الميزانية.

عندما نطلب منهم شرح المصادر، في يوم ما يقولون (الحكومة) إن الأموال جاءت من الاتحاد الأوروبي أو المؤسسات الدولية. لا يوجد مصدر للأموال التي تم إنفاقها بالفعل أو للأموال الواردة.

تحتاج تركيا إلى مصادر تمويل أجنبية لإدخال رأس المال من صندوق النقد الدولي أو الأموال الساخنة قصيرة الأجل. لكننا لا نعرف مقدار ما نحتاجه بالفعل. لا نعرف حجم احتياطيات البنك المركزي أيضاً.

ومن أجل إجراء إصلاحات هيكلية، تحتاج الحكومة إلى فريق يمكنه الالتزام بجدول زمني صارم وإحكام السيطرة على الإصلاحات ودفعها. لدى تركيا أشخاص مؤهلون ويحظون بالاحترام يمكنهم تحقيق ذلك.

ولتحقيق ذلك، من الضروري التخلص من كل الغموض الذي يكتنف الاقتصاد، من أجل وضع قائمة واضحة وشفافة من الالتزامات والمشاريع المضمونة، حتى تكون البيانات من مؤسسات الدولة صحيحة وقبل كل شيء إعطاء الضمانات القانونية للمستثمرين والمقرضين.

لكن بالنسبة إلى هذه الحكومة وموظفيها، وبالنظر إلى تاريخها وإدارتها الحالية للاقتصاد، فإن هذا الأمر لا يمكن تصوره.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/lack-transparency-killing-turkish-economy-says-former-central-bank-governor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.