يونيو 24 2019

محاكمة متهمي غيزي"مهزلة سياسية"

     
سيليفري/ إسطنبول – أعادت منظمات حقوقية دولية، ومنظمات المجتمع المدني التنديد بالمحاكمة الجائرة بحق ناشطي المجتمع المدني في تركيا، على خلفية ما عرف "حراك غيزي"، وعلى رأسهم عثمان كافالا وآخرين.

وفي هذا السياق، انتهت، اليوم الاثنين، جلسة محاكمة شخصيات عديدة من المجتمع المدني التركي، بينهم رجل الأعمال عثمان كافالا، لاتهامهم بمحاولة "الإطاحة بحكومة" رجب طيب أردوغان خلال الاحتجاجات الواسعة في عام 2013، في اتهامات يعتبرها الدفاع مضللة.

وعقدت أول جلسة استماع تحت إجراءات أمنية مشددة في سجن سيليفري الواقع في منطقة قريبة من إسطنبول، بحسب مراسل لوكالة فرانس برس في المكان.

ويواجه المتهمون الستة عشر السجن مدى الحياة في هذه القضية التي تثير تخوف المدافعين عن حقوق الإنسان. ويندد هؤلاء بـ"مطاردة شعواء" ويؤكدون أن لا وجود "لذرة دليل" تدعم التهم.

بين المتهمين، رجل الأعمال عثمان كافالا الذي بات احتجازه لأكثر من 600 يوم رمزاً للقمع الذي يتعرض له نشطاء المجتمع المدني في تركيا، خصوصاً منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016.

وكافالا شخصية معروفة وتحظى بالاحترام في الأوساط الثقافية في أوروبا. وهو متهم بتمويل التظاهرات الكبرى ضد أردوغان في عام 2013، التي عرفت باسم "حراك غيزي".

مثل كافالا ومدعى عليه آخر قيد الاعتقال أمام المحكمة، وثمانية آخرون تحت الإفراج المشروط وستة آخرين فروا من البلاد غيابياً.

وأدلى خمسة منهم، بمن فيهم كافالا، بشهادتهم أمام المحكمة اليوم الاثنين ونفوا التهم الموجهة إليهم. ومن المتوقع الاستماع لمتهمين آخرين الثلاثاء.

ورفض خلال جلسة الاستماع "الادعاءات غير العقلانية الخالية من الأدلة" ضده، مؤكداً "لم أكن في حياتي مؤيداً لتغيير حكومات إلا عبر انتخابات حرة".

بدأ "حراك غيزي" باعتصام ناشطين بيئيين للمطالبة بحماية حديقة غيزي إحدى المساحات الخضراء القليلة في قلب إسطنبول. وبعد القمع الوحشي، تحوّل الاعتصام إلى حراك أكثر شمولية ضد أردوغان الذي كان حينها رئيساً للوزراء.

وتأتي المحاكمة غداة هزيمة حزب أردوغان "العدالة والتنمية" في الانتخابات البلدية في إسطنبول.

كافالا شخصية معروفة وتحظى بالاحترام في الأوساط الثقافية في أوروبا.
كافالا شخصية معروفة وتحظى بالاحترام في الأوساط الثقافية في أوروبا.

وبعد خمس سنوات من الحراك، عاد الاهتمام بمسألة قمع مؤيديه إلى الواجهة من جديد في خريف عام 2018 مع توقيف العديد من شخصيات المجتمع المدني التركي وأكاديميين مقربين من كافالا.

وتنتقد منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان مراراً تركيا في هذا الإطار لقلقها من تدهور سيادة القانون في البلاد خلال السنوات الأخيرة.

ويقدّم المدعي العام في قراره الاتهامي المؤلف من 657 صفحة حراك غيزي على أنه عملية مسيّرة من الخارج لإلحاق الضرر بتركيا.

ويرد في الوثيقة التي صيغت بلهجة تنم عن وجود مؤامرة "لم يجر أي من ذلك بالصدفة... كان هناك دعم خارجي في إطار عملية هادفة إلى إركاع الجمهورية التركية".

ويرى أندرو غارنر الباحث من منظمة العفو الدولية في تركيا أن القرار الاتهامي "لا يتضمن ذرة دليل تثبت أن المتهمين كانوا متورطين في أي نشاط إجرامي، ناهيك عن تآمرهم للإطاحة بالحكومة".

ويضيف غاردنر "بدلاً من ذلك، يجهد القرار بطريقة سخيفة لتصوير أنشطة اجتماعية عادية على أنها جرائم"، مندداً بـ"مطاردة شعواء".

وفي العناصر الاتهامية ترد خريطة توزيع النحل على الأراضي التركية، عثر عليها في هاتف كافالا، يقدمها الادعاء على أنها دليل على أن رجل الأعمال كان يعتزم إعادة رسم حدود البلاد.

ويحاكم ستة متهمين غيابياً لأنهم فروا إلى الخارج، مثل الممثل محمد علي ألابورا والصحافي المعارض جان دوندار.

ويتهم الادعاء ألابورا بأنه شارك في مسرحية تجسد قيام ثورة ضدّ زعيم بلد وهمي.

لكن الشخصية المركزية في هذه القضية التي يركز أردوغان هجماته عليها هي عثمان كافالا.

ويتهمه أردوغان بـ"تمويل الإرهابيين"، مشبهاً إياه أكثر من مرة برجل الأعمال والملياردير الأميركي المجري الأصل جورج سوروس الذي يثير تنديداً واسعاً بين قادة الدول السلطويين.

ورأت مؤسسة سوروس "أوبن سوساييتي"، التي أوقفت كل أنشطتها في تركيا العام الماضي، أن المحاكمة "مهزلة سياسية" هدفها "إسكات كل الأصوات المعارضة في تركيا".

وأعلن رئيس المؤسسة باتريك غاسبار في بيان أن "مجرد إخضاعهم للمحاكمة حيث يواجهون حكماً بالسجن مدى الحياة، هو بحدّ ذاته مأساة".

من جهتها انتقدت مفوضة الحكومة الاتحادية لحقوق الإنسان في ألمانيا محاكمة كافالا وناشطين آخرين. وجاء في بيان لباربل كوفلر والسفير الفرنسي المكلّف بحقوق الإنسان، فرانسوا كروكيت، أن المحاكمة تمثل "يوما أسود للمجتمع المدني التركي". وأضاف البيان أن كالافا يعد "مثالا بارزا للالتزام الثقافي والمدني" وللتفاهم المجتمعي، لافتا إلى أن وجود تركيا قوية يحتاج إلى مزيد من الأصوات.

ووصفت منظمة العفو الدولية المحاكمة بأنها "محاولة فاضحة لإسكات بعض أبرز شخصيات المجتمع المدني في تركيا"، مطالبة بإسقاط "التهم السخيفة" بحق جميع الأشخاص الستة عشر.