محاكمة صحافي لبناني أرمني بسبب نقد أردوغان والتاريخ العثماني

بيروت - قالت مصادر سياسية لبنانية إن ادعاء النيابة العامة على الإعلامي الأرمني الأصل نيشان ديرهاروتيونيان يندرج في سياق المواجهات المستمرة بين أرمن لبنان وتركيا المتهمة بارتكاب سلسلة مجازر في حق الأرمن في عام 1915.

ورأت هذه المصادر أن المواقف الأرمينية الحادة من تركيا تحرج السلطات اللبنانية التي تتعرض لضغط تركي من أجل وقف اللبنانيين الأرمن عند حدود معينة، وهو ما يضاعف من الصعوبات في بلد بات واقعا تحت ضغوط خارجية متعددة، بدءا بسيطرة حزب الله ونفوذ إيران المتزايد وتدخل تركيا في الحد من سقف الحريات، المكسب الوحيد الذي يفاخر به اللبنانيون.

وأحالت النيابة العامة في بيروت، الخميس، نيشان إلى المحاكمة بتهمة “الإساءة” إلى تركيا، وحددت الثامن من أكتوبر المقبل موعدا لبدء المحاكمة.

وقالت وكالة الأنباء اللبنانية إنه “بناء على الإخبار المقدم للنيابة العامة بحق الإعلامي نيشان، تمت إحالته للمحاكمة أمام غرفة المطبوعات في بيروت”.

ورأى إعلامي لبناني أن لا أفق للموضوع القضائي بمحاكمة نيشان.

وقال الإعلامي في تصريح لـ”العرب” إنه موضوع خلاف تاريخي لا أفق له، علما أنها جريمة كبيرة في حق الشعب الأرمني، وهي جريمة ترفض تركيا الاعتراف بها. وهذا بحد ذاته ما زال يثير الأرمن حيثما وجدوا.

وكان الإعلامي اللبناني نيشان ديرهاروتيونيان استضاف الوزير الأسبق وئام وهاب، في برنامج “أنا هيك” الذي يبث على فضائية “الجديد”.

وقال وهاب، وهو رئيس حزب “التوحيد العربي”، في معرض حديثه إن الرئيس التركي “خبيث”، قبل أن تخرج الحملة على نيشان نفسه.

وردّا على ما قاله وهاب توجه لبناني إلى نيشان بالقول إن “نيشان اللاجئ أظهر عنصريته”، في إشارة إلى أصوله الأرمينية، فانفعل نيشان ودُفع إلى الرد بهجوم كاسح، تبنّى فيه ما قاله وهاب. وقال “ابن مليون خبيث.. أردوغان والنظام والعثمانيون والأتراك”. وأضاف “إذا اعتبرتني لاجئا فأنا لبناني أكثر منك، وفخور بلبنانيتي أكثر منك”.

ودخلت السفارة التركية على خط الأزمة للاحتجاج، وتظاهر العشرات من المحتجين أمام مبنى قناة “الجديد”، احتجاجا على ما أسموه “التعرض للدولة العثمانية وشخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان” خلال برنامج تلفزيوني.

ورفع المشاركون “الأعلام التركية، مرددين هتافات داعمة للدولة العثمانية وأردوغان”، ومطالبين المحطة والقيمين على البرنامج بـ”الاعتذار عما حصل”.

وتحت عنوان “العثمانيون الجدد”، نشر مستخدمو فيسبوك مقاطع فيديو تظهر محتجين يحملون الأعلام التركية ويتظاهرون أمام مبنى قناة “الجديد”.

وقال مراقبون إن تركيا نجحت في استثمار حالة الفراغ التي يعيشها لبنان بسبب تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وتسللت إلى البلاد وبدأت بخلق لوبي موال لإسكات منتقدي التاريخ العثماني، مقدمة لمنع انتقاد أردوغان وسياساته التوسعية في المنطقة، والتي يتضرر منها لبنان مثل سوريا وبقية دول المتوسط.

وحذر المراقبون من خطورة محاكمة نيشان ديرهاروتيونيان ليس فقط على لبنان، وإنما أيضا على كامل المنطقة، لافتين إلى أن تركيا تسعى لخلق لوبيات إعلامية وسياسية وقانونية لمنع أي انتقادات لسياساتها الاستعمارية القديمة والجديدة، وهي تبحث عن خلق واقع خادم لها شبيه بمعاداة السامية، حيث يواجه من ينتقد الإمبراطورية العثمانية ويثير تاريخ المجازر العثمانية تهمًا وترفع عليه قضايا في بلده.

ويستفيد الأتراك من قاعدة الإخوان في المنطقة، وهي قاعدة تنتصر للماضي العثماني على حساب الأوطان التي تعيش فيها، وهو أمر بات يدرك بسهولة من خلال ردود الفعل على التدخل العسكري في ليبيا ونفوذ أنقرة المتزايد في تونس واليمن والصومال، حيث يعتبر الإسلاميون النفوذ التركي “نصرا” لهم ولمفهوم الأمة الذي استعمله العثمانيون في السابق لإحكام قبضتهم على العالم العربي والإسلامي.