محاكمة تلفزيون تركي أحدث انتهاكات أردوغان لحرية الصحافة

أدى إلقاء القبض على باريش تيرك أوغلو مدير الأخبار في أودا تي في والمراسلة هوليا كيلينتش هذا الشهر لكشفهما عن هوية ضابط مخابرات تركي قُتل بعد إرساله لمساعدة حكومة طرابلس المدعومة من تركيا في ليبيا، إلى تسليط الضوء على قمع حرية الصحافة في تركيا.

وقال أوتكو جاكيروزر، عضو البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي والذي أخذته مسيرته المهنية الطويلة في مجال الصحافة إلى منصب كبير محرري صحيفة جمهورييت العلمانية المرموقة، إن الاعتقالات في "أودا تي في" تمثل ببساطة أحدث مرحلة في عملية طويلة شهدت سيطرة حزب العدالة والتنمية الحاكم بشكل شبه كامل على الصحافة في تركيا.

وفي حين أن الاعتقالات كانت أول حالة يتم الإعلان عنها نطاق واسع لكشف الضغط القانوني على الصحفيين منذ فترة، واجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية اتهامات على مدى سنوات بتفكيك الصحافة الحرة في البلاد. وقد منح سجن المنتقدين تركيا لقب أكبر سجن للصحفيين في العالم لعدة سنوات متتالية، على الرغم من أن شخصيات بارزة في حزب العدالة والتنمية تقول إنه لا يوجد أي صحفي في السجن بسبب عمله.

وقال جاكيروزر إن السياسة بالتحديد هي التي دفعت هذه الاعتقالات.

وأردف قائلاً "ليس من قبيل المصادفة أن تكون المجموعة الأولى التي تستهدفها حكومة مقيدة بجبهة السياسة الخارجية ولا تستطيع جذب الرأي العام في صفها ... إنهم يريدون تخويف وتركيع الصحفيين حتى يتمكنوا من التستر على ما يحدث بالفعل، في الواقع أنهم يحاولون إرسال رسالة إلى الصحفيين مفادها عدم نشر أي أخبار لا يريدون نشرها".

ففي واقعة أخرى في الآونة الأخيرة، تم استجواب صحفيين من الفرع الإخباري التركي لوكالة سبوتنيك للأنباء المملوكة لروسيا بعد أن نشر الفرع الدولي قصة إخبارية اعتبرتها الحكومة هجوماً على تركيا. وفي قضية أخرى، تم اعتقال الصحفيين الذين سافروا لتغطية الأحداث على الحدود التركية مع اليونان فيما يتعلق بأزمة اللاجئين المتفاقمة.

ولكن في حالة تقرير أودا تي في، تم اعتقال الصحفيين رسمياً بعد الكشف عن تفاصيل واقعة أخفتها الحكومة التركية.

وقال جاكيروزر "إنهم يحاولون إخبار كل صحفي يعمل بالكشف عن الحقيقة والوفاء بحق الجمهور في الحصول على المعلومات بأن عليه تجنب الهجوم".

وأضاف أن الحكومة من خلال قيامها بذلك لا يختلف سلوكها كثيراً عن الحكومات السابقة التي طالما سعت إلى السيطرة على وسائل الإعلام. وتابع قائلاً "لكن الآن هذا الضغط أقوى بكثير من ذي قبل، ونراه أيضاً في مناطق مختلفة جداً. إن المؤسسة نالت القدر الأكبر من التراجع العام في ديمقراطية البلاد هي الإعلام".

وقال عضو البرلمان إن هذا التآكل في حرية الصحافة في تركيا جاء نتيجة سنوات من القمع والهجوم متعدد الجوانب الذي شهد تهديد الصحفيين من جبهات متعددة.

ويواجه الصحفيون التهديد الفردي بإجراءات قانونية بسبب تقاريرهم في تركيا. ونظراً لأن المدعى عليهم في تركيا كثيراً ما يتم احتجازهم خلف القضبان انتظاراً للمحاكمة لسنوات، فقد يثبت أن الاعتقال إجراء عقابي في حد ذاته. وفي غضون ذلك، تواجه المؤسسات الإعلامية خطر الإغلاق إذا لم تلتزم بسياسة الحكومة.

وقال جاكيروزر إن الصحافة تتعرض أيضاً للضغوط بسبب إمكانية تغيير ملكيات شركات الإعلام الخاصة، وكذلك خطر الغرامات والعقوبات الإدارية الأخرى.

وأضاف "على سبيل المثال، هناك 894 صحفياً لم يتم تجديد بطاقاتهم الصحفية بعد. وفي حين يستمر ضغط الحكومة من جهة، يواجه الصحفيون أيضاً ضغوطاً من رؤسائهم".

وقال جاكيروزر "يمكن أن يواجهوا الاعتقال من الحكومة، لكن يمكن تركهم دون عمل إذا حاولوا ممارسة حقهم في الانضمام إلى نقابة ... يجب عليهم أيضاً التعامل مع العمل بأجور متدنية دون تأمين ... لذلك، يتم الضغط عليهم من قبل الحكومة والقضاء ورأس المال في آن واحد".

وقال إن هذه القضية أصبحت أسوأ بشكل كبير في ظل النظام الرئاسي التنفيذي الجديد الذي تم تطبيقه بعد الانتخابات التي جرت في يونيو 2018.

ويضع النظام الجديد سلطات واسعة في أيدي أردوغان في نظام حكم يقول المنتقدون إنه يرقى إلى مستوى حكم الرجل الواحد لأنه ربط السلطة التنفيذية والسلطة القضائية برئاسته في ظل تقليص دور البرلمان في صياغة التشريعات.

وقال جاكيروزر إن الأمر متروك للصحفيين لمعارضة ذلك من خلال الاستمرار في الضغط من أجل الحريات الديمقراطية وحرية الصحافة التي تضمن لهم مع إظهار التضامن مع أقرانهم على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية.

وتابع قائلاً إن وسائل الإعلام التركية لطالما واجهت مشاكل في أداء دورها في مراقبة أداء الحكومة وسلطة الدولة بسبب العلاقة المنحرفة بين المؤسسات الإعلامية وأصحابها والدولة.

وأضاف "لم نتمكن من إبقاء رأس المال الإعلامي بعيداً عن مجموعات المصالح الأخرى ومقتصراً على عالم الصحافة فحسب ... طالب الرؤساء الصحفيين بأن يتصرفوا وفقاً لهذه المصالح، وأولئك الذين رفضوا واجهوا البطالة لفترات طويلة".

لكن جاكيروزر يعتقد أن المأزق الحالي لوسائل الإعلام التركية جاء نتيجة لحملة مطولة قام بها حزب العدالة والتنمية.

وقال "لقد أدرك حزب العدالة والتنمية قوة وسائل الإعلام قبل وصوله إلى السلطة، وجرب أساليب مختلفة للسيطرة عليها في كل مرحلة ... بمجرد وصوله إلى السلطة عام 2002، كثف الحزب ضغوطه على وسائل الإعلام وقادتها".

وقال إن التركيز الرئيس كان في البداية على فصل الصحفيين المنتقدين من خلال الضغط على رؤسائهم.

وشهدت الخطوة التالية في هذا الصدد التحقيق مع منظمات إعلامية مهمة مثل أودا تي في وذلك في عام 2011 في إطار سلسلة من المحاكمات التي زعمت أن معارضي الحكومة قد خططوا لمحاولات انقلاب كجزء من شبكة إجرامية سرية تسيطر عليها الدولة العميقة. واتهمت قضية أودا تي في الموقع الإخباري بأنه الجناح الإعلامي للشبكة وسُجن العديد من الصحفيين العاملين فيه.

وقد تنصلت الحكومة من المحاكمات في وقت لاحق، وألقت باللوم فيها على حلفائها السابقين في حركة غولن الدينية، وهي جماعة سرية كان لها العديد من الأعضاء في مواقع ذات نفوذ حتى تم إلقاء اللوم عليها في محاولة الانقلاب التي جرت في عام 2016.

ومع ذلك، كان للمحاكمات تأثير مروع على الصحافة في تركيا، حيث أنها مثلت تذكيراً صارخاً بما قد ينتظر الصحفيين أو قادتهم الذين لم يمارسوا الرقابة الذاتية، حسبما قال جاكيروزر.

وقال إن الخطوة التالية لحزب العدالة والتنمية كانت تجميع قائمة بالأجهزة الإعلامية التي كان يهدف إلى الاستحواذ عليها. تمكن الحزب من إنشاء مجموعته الخاصة من المؤسسات الإعلامية وبنائها تدريجياً حيث أنشأ حلفاؤه في مجال الأعمال شركاتهم الخاصة أو استخدموا الائتمان من البنوك العامة لتمويل عمليات الاستحواذ.

وأضاف أن هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي آر تي) ووكالة الأناضول للأنباء في نفس الوقت تخلتا تماماً عن مبدأ التغطية غير المتحيزة، وبدلاً من ذلك أصبحتا صوت الحكومة وحدها ومجرد بوق يبث البروباغندا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-media/odatv-trial-latest-step-turkish-leaders-attack-journalism-lawmaker
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.