ذو الفقار دوغان
مايو 22 2019

مجلس الانتخابات في تركيا في جيب الحزب الحاكم

مع اتجاه جمهورية تركيا صوب الذكرى المئوية لتأسيسها في شهر أكتوبر من العام 2023، تشهد ساحتها السياسية استقطابا خطيرا في الوقت الذي ينبغي فيه للبلاد أن تحتفل بوحدتها.

وقد صادف يوم الأحد الماضي الذكرى المئوية لقرار مصطفى كمال أتاتورك، لدى وصوله إلى سامسون، تحدي الأوامر البريطانية وتشكيل جيش مقاومة وطني خاض حرب الاستقلال التي قادت في النهاية إلى تأسيس الجمهورية التركية.

غير أن احتفالات الأحد لم تبرز طبيعة الوحدة التي حققها أتاتورك. والسبب الرئيسي وراء الشقاق الذي يزداد عمقا هو السيطرة على إسطنبول، التي رفض حزب العدالة والتنمية الحاكم التنازل عنها بعدما خسر انتخابات رئاسة البلدية التي جرت هناك في الحادي والثلاثين من مارس.

وكان الغياب الملحوظ عن احتفالات زعيم حزب العدالة والتنمية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التاسع عشر من مايو هو غياب حزب الشعوب الديمقراطي، ثالث أكبر حزب في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر يونيو من العام 2018.

ففي شهر يونيو الماضي، صوت ما يقرب من ستة ملايين شخص لصالح حزب الشعوب الديمقراطي، واستحوذ الحزب على 67 مقعدا في البرلمان. غير أن حزب العدالة والتنمية وشركاءه في الائتلاف الحاكم بحزب الحركة القومية المنتمي إلى اليمين المتطرف يعتبرون حزب الشعوب الديمقراطي بمثابة منظمة إرهابية، ويستبعدونه من وظائف الدولة والبرامج الرسمية.

لقد بذل تحالف الشعب الحاكم كل الجهود الممكنة للربط بين حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني المحظور. لكن الحزب يتمتع بشعبية واسعة النطاق بين الأكراد، الذين يشكلون أكبر أقلية في تركيا ويمثلون نحو 20 بالمئة من السكان، وحارب أجدادهم أيضا وماتوا في سبيل نضال الاستقلال التركي.

وأخذ زعيم حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي في البلاد، نصيبه من التشهير أيضا، منذ أن قرر المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا في وقت سابق هذا الشهر إعادة انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول، والتي كان من المرجح أن تكون أهم انتصارات حزب الشعب الجمهوري في انتخابات الحادي والثلاثين من مارس.

لقي قرار مجلس الانتخابات انتقادات على نطاق واسع، كونه ألغى الصوت المهم الوحيد الذي فاز به حزب الشعب الجمهوري من بين أربعة أصوات وضعها الناخبون في مظروف واحد واعتمدتها لجنة واحدة. وعبر زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو عن إدانته الشديدة للقضاة السبع الذين صوتوا لصالح إعادة الانتخابات، واصفا إياهم بأنهم "عصابة".

ومنذ ذلك الحين، تلقى كليجدار أوغلو وابلا من الإهانات والتهديدات التي أطلقها مسؤولو حزب العدالة والتنمية ووسائل الإعلام الموالية للحكومة، والذين اتهموا حزبه بتزوير الانتخابات. بل إن أردوغان اقترح رفع الحصانة البرلمانية عن كليجدار أوغلو ومحاكمته بتهمة إهانة قضاة المجلس الأعلى للانتخابات.

وعلى الرغم من ذلك، حضر زعيم حزب الشعب الجمهوري مراسم الاحتفال الرسمية بالذكرى المئوية لحرب الاستقلال في سامسون، وكذلك زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي – وإن كان ذلك في الدقيقة الأخيرة، بعدما انسحبت زعيمة الحزب الصالح القومي المعارض ميرال أكشينار من الاحتفال.

كانت أكشينار، المنافسة السابقة لبهجلي على زعامة حزب الحركة القومية، انفصلت عن الحزب لتشكيل الحزب القومي الجديد المنتمي إلى يمين الوسط في 2015 مع آخرين من حزبها السابق وحزب الشعب الجمهوري.

إن الصراع وانعدام الثقة والعداء بين القادة السياسيين في تركيا يثير عداوة أكبر داخل المجتمع التركي، مما يبرز الصراعات لتتصدر المشهد بعد مئة عام على أحداث الوحدة العظيمة لحرب الاستقلال.

ومن بين المسؤولين الرئيسيين عن ذلك تحالف الشعب الحاكم، الذي بنى حملته في الانتخابات المحلية على فكرة أن تركيا تحارب من أجل البقاء وأن تحالف حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح متواطئ مع أعداء البلد.

والآن، يواجه الطرفان بعضهما البعض من جديد في إعادة انتخابات إسطنبول، التي اكتسبت أهمية كبيرة لدى جميع الأطراف بفضل هذا النوع من الخطابات الرنانة.

يشدد حزب الشعب الجمهوري على أن المجلس الأعلى الانتخابات لم يلغ الانتخابات إلا تحت ضغط من حزب العدالة والتنمية. ويرد حزب أردوغان بأن المجلس كشف أدلة دامغة تدعم قراره.

ومع ذلك، أثار حصول حزب العدالة والتنمية على معلومات تفصيلية بخصوص رؤساء لجان الاقتراع – رغم قوانين الخصوصية وحماية البيانات – تساؤلات خطيرة. وتردد أن تلك المعلومات تشمل أرقام بطاقات الهوية والضمان الاجتماعي وتفاصيل عن الأسرة والعمل.

والأهم من ذلك أن قرار المجلس الأعلى للانتخابات بإعادة الانتخابات استند إلى أن عددا كبيراً من رؤساء اللجان لا يستوفون المتطلبات المحددة في اللوائح التي جرى تطبيقها في الآونة الأخيرة وتستوجب أن يكونوا من موظفي القطاع العام. ولكن السؤال هو: كيف استطاع حزب العدالة والتنمية أن يطعن استنادا إلى هذه الأسباب والمفترض أن هذه المعلومات المتعلقة بخلفية رؤساء اللجان لم يتم قط إعلانها أو إطلاع الأحزاب السياسية عليها؟

على نفس المنوال، تضمن طعن حزب العدالة والتنمية معلومات عن المواطنين المعاقين ذهنيا والمدانين الذين منعوا من التصويت. وهذه المعلومات أيضا لم يتم إطلاع الأحزاب السياسية عليها، مما يدفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن حزب العدالة والتنمية لابد وأن حصل عليها من وزارات الداخلية والعدل والصحة لاستخدامها كأدلة.

وردا على ذلك، أقام محامو حزب الشعب الجمهوري دعوى قضائية على حزب العدالة والتنمية لاختراقه معلومات شخصية.

ولكن قبل أن تبدأ هذه العملية القانونية، حصل حزب العدالة والتنمية بالفعل على مزيد من المعلومات الشخصية، وهذه المرة أسماء وعناوين سكان إسطنبول الذين لم يدلوا بأصواتهم في انتخابات الحادي والثلاثين من مارس، وعددهم 1.5 مليون ناخب. تلك المعلومات ستسمح للحزب الحاكم باستهداف هؤلاء الناخبين فرادى، مما يمنحه ميزة كبيرة تجعله متفوقا على المعارضة التي لم تستطع الحصول على هذه المعلومات رغم احتجاجاتها.

وتشير قدرة حزب العدالة والتنمية على استخدام هذه البيانات كأدلة في المقام الأول إلى أن المؤسسات الملزمة قانونا بحماية المعلومات الشخصية نقلتها سرا إلى الحزب الحاكم. وكان يتعين على المجلس الأعلى للانتخابات التحقيق في كيفية الحصول على تلك البيانات، وربما إقامة دعوى قضائية على حزب العدالة والتنمية.

ويحذر خبراء القانون من أن عدم قيامه بذلك وقبوله معلومات خاصة محمية من حزب العدالة والتنمية كأدلة ربما تكون له تداعيات مقلقة. فالمجلس الأعلى للانتخابات هيئة قانونية عليا لا يمكن استئناف قراراتها، وبالتالي يمكن استخدام قرار المجلس كسابقة في القضايا المتعلقة بحماية البيانات في المستقبل.

وترى المعارضة أن تعيين حزب العدالة والتنمية محمد أوز هاسكي، مرشح الحزب الذي خسر انتخابات رئاسة البلدية في أنقرة، منسقا لانتخابات إسطنبول يظهر أن حزب العدالة والتنمية كان على علم مسبق بأن الانتخابات ستعاد. واجتمع المجلس الأعلى للانتخابات لاتخاذ قراره بخصوص انتخابات إسطنبول بعدها بيومين.

وبعد مرور أسبوعين من التوصل لذلك القرار، لم ينشر المجلس الأعلى للانتخابات حتى الآن حيثيات قراره بالتفصيل. ويقول كليجدار أوغلو وغيره من قادة المعارضة إن ذلك يشير إلى أن المجلس يحاول إيجاد مبرر بعد اتخاذ قراره. وذكر كليجدار أوغلو أنه تم تخويل خبراء قانون بحزب العدالة والتنمية للمساعدة في هذه المهمة.

ويوم السبت الماضي، قال أردوغان إن المجلس الأعلى للانتخابات سينشر حيثيات قراره يوم الاثنين؛ وهي إشارة أخرى إلى أن الحزب الحاكم يتلقى معلومات سرية من المجلس. 

وحيث أن حزب العدالة والتنمية انتقل من الحديث عن المخالفات في الانتخابات إلى الحديث الآن عن سرقة الأصوات، بات الكثيرون يتساءلون عما إذا كانت هذه المزاعم ستظهر في وثيقة المجلس الأعلى للانتخابات.

ومع استخدام حزب العدالة والتنمية لمزاعم الأصوات المسروقة أساسا لحملته في إعادة انتخابات إسطنبول المقررة في الثالث والعشرين من يونيو، ربما اتكأ الحزب على المجلس الأعلى للانتخابات في دعم خطابه مجددا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/supreme-election-council/turkeys-election-board-pocket-ruling-party-opposition
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.