مكاسب الحركة الكردية لم تتحقق بسهولة ولا يجب التضحية بها

عندما أقالت الحكومة التركية 24 رئيس بلدية ينتمون إلى حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد هذا العام، بدأت مناقشات داخل الحزب بشأن ما إذا كان سيتم الانسحاب من البرلمان.

وعلى الرغم من أن كثيراً من هذه المناقشات كان من باب حسن النية، إلا أننا نعرف أن بعض الذين أيدوا الانسحاب كانت لهم أجندة بديلة ورغبة سيئة. غالبية الذين يدعون إلى الانسحاب الكامل من البرلمان لم يتمكنوا من إعطاء أي فكرة مرضية عن المسار الذي يمكن أن يسلكه حزب الشعوب الديمقراطي بعد ذلك.

من السهل أن نقول إن حزب الشعوب الديمقراطي يجب أن ينسحب من البرلمان ومن الإدارات المحلية، لكن ما الذي سيحدث بعد ذلك؟

ما الذي سيفعله الحزب؟ وما الخط السياسي الذي سيتبعه؟ وكيف يمكنه تنظيمه؟ ثمة تساؤلات تحتاج إلى إجابات، وحتى الآن لم يتم تقديم إجابات من شأنها أن تقنع حزب الشعوب الديمقراطي وقاعدته.

سيكون من الخطأ تقديم الانسحاب على أنه الخيار الوحيد خلال فترة حرجة لها القدرة على تحديد موقف شعب بأسره في المجال السياسي المشروع. ستكون هذه الخطوة غير مناسبة ومضللة، دون تقديم إجابة جيدة لما سيحدث بعد ذلك، ودون وجود نموذج مناسب لهذه الفترة.

والأهم من ذلك أن السياسة الكردية المشروعة لم تصل إلى موقعها الحالي إلا بفضل تضحيات كبرى. لقد تم قتل النواب الأكراد في الشارع وتم اعتقال المسؤولين المنتخبين في حين تعرض النشطاء والمتعاطفون للتعذيب.

لا يمكننا ببساطة تجاهل كل هذا. لم تكن البلديات التي فزنا بها هذا العام مكاسب في انتخابات واحدة. كان للسياسيين الذين تم انتخابهم تاريخ طويل من النضال. لا ينبغي نسيان هذا عند اتخاذ القرارات.

لا بد أيضاً من تناول مسألة ما الغرض من الانسحاب من البرلمان والإدارات المحلية ومن الذي سيستفيد منه.

من شأن الانسحاب أن يجعل مهمة الحكومة أسهل، لأن حزب الشعوب الديمقراطي يمثل أكبر عقبة أمام دكتاتورية الرجل الواحد مكتملة الأركان.

لقد فشلت أحزاب المعارضة الأخرى في وضع سياسات لمواجهة حكم الرجل الواحد هذا، وفي الواقع يجب أن نعترف بأنها تدعم الحكومة الحالية وتضفي عليها مصداقية من خلال ربطها ببقاء الدولة.

في الوقت الراهن، باتت أحزاب المعارضة أكثر انشغالاً بصراعاتها الداخلية من الأجندة السياسية الحقيقية للبلاد. لا يوجد لدى أي منها أي مبادرات تتعلق بالقضية الأكثر أهمية في البلاد وهي القضية الكردية. كما أنها لم تقدم أي حلول للمشاكل الاقتصادية أو العنف ضد المرأة أو الاستقطاب أو العنصرية أو غيرها من المشكلات الرئيسة التي تواجه تركيا.

حزب الشعوب الديمقراطي هو الحزب الوحيد الذي يعمل على إيجاد حلول، مما يجعله حزب المعارضة الوحيد في البلاد. لذلك من الواضح من سيستفيد أكثر من انسحاب الحزب من البرلمان والإدارات المحلية.

قد يقول البعض إن حزب الشعوب الديمقراطي أعطى انطباعاً بأن الديمقراطية لا تزال موجودة في البلاد بعدم الانسحاب. على الرغم من أن هذه الفكرة قد تكون وجيهة، إلا أن الواقع عكس ذلك تماماً.

لقد أكدنا في كل محفل من محافل المجال السياسي المشروع أن البلاد بلا ديمقراطية. في اللحظة التي ننسحب فيها، نفقد القدرة على القيام بذلك.

هذه هي القضية الحقيقية: أين يمكننا أن نتحدث عما يحدث؟ يتعرض الإعلام الحر والموضوعي لضغوط شديدة، والصحافة السائدة موالية للحكومة. وفي حين يتم إهمال الحقوق الديمقراطية وحظر المظاهرات العامة، يسعى حزب الشعوب الديمقراطي جاهداً ليكون صوت الشعب على الرغم من كل الصعاب. إذا تجاهلنا هذا، فإننا نجازف بفقدان روح النضال.

مع أخذ كل هذا في الاعتبار، عقد حزب الشعوب الديمقراطي مؤتمراً صحفياً الأسبوع الماضي للإعلان عن عدم انسحابه وأنه سيبقى بدلاً من ذلك على الساحة السياسية وسيضاعف جهوده. يجب أن نتكاتف الآن للعثور على إجابات لكيفية مواصلة بياننا وكيفية أن نصبح أقوى وأن نضغط على الحكومة بمزيد من الفعالية وأن نقيم شبكة تنظيمية تتجاوز البرلمان والمجالس المحلية إلى المجتمع الأوسع.

تدفع أي مناقشات تتجاوز هذا الخطر السياسة الكردية إلى حلقة مفرغة. على أي حال، فإن البصيرة والخبرة التي اكتسبناها من خلال موقفنا القائم على المبدأ وعبر سنوات الجهد والكفاح تكفي لتجاوز كل العقبات.

وتتمثل أبرز الأمثلة على ذلك في الانتكاسات التي تكبدها الائتلاف الحاكم بسبب استراتيجية حزب الشعوب الديمقراطي. كان هذا هو الحال في إسطنبول، حيث انتزعتها المعارضة من قبضة الحزب الحاكم في الانتخابات المحلية لهذا العام لأول مرة منذ عام 1994 بفضل السياسات الناجحة لحزب الشعوب الديمقراطي. يُظهر هذا المثال وحده بوضوح نجاح حزب الشعوب الديمقراطي على الساحة السياسية على الرغم من كل الصعاب.

ومع ذلك، نحن ملزمون بالإجابة على كيفية مواصلة هذا النجاح إلى المرحلة التالية. يعد حزب الشعوب الديمقراطي الحزب الرئيسي في منطقته، ولكن يجب عليه أن يسعى جاهداً لتوسيع نطاق نجاحه ليصل إلى غرب تركيا أيضاً. يرجع عدم تمكن الحزب من ذلك حتى الآن إلى الظروف الصعبة والضغط الكبير الذي يواجهه مما منع قدرته على التنظيم في المناطق الغربية من البلاد.

يمكن لحزب الشعوب الديمقراطي أن يحقق مكاسب أكبر من خلال اتباع استراتيجية ديمقراطية أوسع عبر تركيا: استراتيجية جمهورية ديمقراطية. هذا المشروع من بين أولويات الحزب. خلال فترة كهذه، يتعين على الحزب التركيز بشكل كبير على هذا المشروع وإعادة هيكلة منظمته وفقاً لذلك.

يجب أن ننشئ شبكة تنظيمية يمكنها أن تعالج مشاكل العمال والقرويين والعاطلين عن العمل والشباب وجميع مكونات المعارضة بشكل فردي، ويجب علينا مرة أخرى أن نسعى جاهدين للذهاب من شارع إلى شارع ومن متجر إلى متجر ومن منزل إلى آخر للوصول إلى كل شريحة من فئات المجتمع، حتى لو كان ذلك لمجرد الاستماع إلى مشاكلهم.

يجب علينا أن نسعى جاهدين لتحقيق وحدة وطنية للأكراد في جميع أنحاء المنطقة - لا يوجد بديل. هذا هو السبيل الوحيد لمقاومة سياسات الاستيعاب والإبادة الجماعية التي تستهدف الشعب الكردي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. بعد أن اقتربنا من هذه الوحدة في الفترة الأخيرة، يجب ألا نضيع هذه الفرصة.

لدينا بالفعل تاريخ من المشاريع التي تهدف إلى تعزيز هذه الوحدة. يجب الآن أن تتضافر كل قوة سياسية وكل عنصر من عناصر المجتمع المدني - النساء ورجال الدين وقادة الرأي وكل حزب آخر يرغب في الوحدة الوطنية الكردية - وأن يتم التأكد من أن التنظيم يسير في هذا الاتجاه. نحن في حزب الشعوب الديمقراطي يجب ألا نضيع يوماً واحداً إلا ونحن نقوم بهذا الواجب التاريخي الذي يقع على عاتقنا.

في الانتخابات المحلية التي جرت في الحادي والثلاثين من مارس هذا العام، استعاد حزب الشعوب الديمقراطي البلديات التي استولت عليها الحكومة في عام 2016، عندما استبدلت رؤساء البلديات المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي بالمسؤولين التابعين لها. استعاد الحزب البلديات التي نهبها المعينون من قبل الحكومة وأثقلوها بالديون.

في غضون أربعة أشهر فقط، في حين كنا لا نزال نعمل على تصحيح هذا التدمير، بدأت الحكومة مرة أخرى في استبدال رؤساء بلدياتنا. تم تجريم الحكومات المحلية المنتخبة بمساعدة وسائل الإعلام الحكومية المطيعة. اعتقلوا رؤساء البلديات وأعضاء المجالس المحلية ونفذوا انقلاباً جديداً ضد إرادة السكان المحليين.

وقد بعث هذا الانقلاب رسالة مفادها أن الأكراد غير مقبولين في مجال السياسة المشروعة. ولأن السلطة الحاكمة عازمة على حرمان الأكراد من جميع حقوقهم الإنسانية، فمن الطبيعي أن يتعرض حقهم في الانتخاب والترشح للهجوم.

بعد أن نفذت الحكومة هذا الانقلاب ضد الأكراد، تحاول نشر وإضفاء طابع الشرعية على أعمالها من خلال وصف الإدارات الجديدة التي فرضتها على البلديات الكردية بأنها "تعينات مؤقتة".

ربما رأينا أن المعينين من قبل الحكومة يسيطرون على العديد من بلدياتنا، لكن يجب ألا نعتبر تلك البلديات مجرد منصب بسيط. ليس لدينا الحق في تقييد مكاسبنا على أربعة جدران، ولا الانسحاب بمجرد أن نخسرها.

إن ما حققناه من مكاسب لم يأت إلينا على طبق من فضة. لقد تحققت نجاحاتنا بتكلفة كبرى من خلال الكفاح الموحد كشعب. هذا هو السبب في أننا لم نستسلم أبداً.

ولن نستسلم أبداً.

* ملحوظة: الدكتور عدنان سلجوق مزركلي هو رئيس بلدية ديار بكر المنتخب

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hdp/kurdish-movements-gains-did-not-come-easily-and-must-not-be-sacrificed
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.