ملاحظات أثارتها حرب أردوغان على الشعب الكردي

العدوان، الاحتلال، التهجير، الاغتصاب، الخطف، الابتزاز، المذبحة، الإبادة الجماعية، العصابات.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

أحببت أن أعيد ذكرى هذه المفاهيم التي سبق أن عاشها تراب هذا الوطن (تركيا) في تاريخه القريب.

إن الحديث عن النضال من أجل تحقيق مطالب المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية والثقافية والإدارية للهويات العرقية التي كانت تعيش داخل حدود البلاد قد يبدو مملا بالنسبة لبعض القراء. ولكن الواقع الحالي يملي علينا أن نعيد ذكراها حتى يتبين للجميع صدق المثل القائل: "ما أشبه الليلة بالبارحة!"

أجل، كانت الدولة القديمة تحافظ على أساليبها التي عفا عليها الزمن، وتطبق -بشكل منهجي- طريقة القتل والمذابح والتعذيب ضد المدافعين عن الحقوق والحريات. وعلى الرغم من أن ضحايا تلك "الدولة القديمة" كانوا من أطياف غير متناغمة أيديولوجيًا، ولكنهم كانوا يشكّلون قوة تستطيع أن تقوم بدور المعارضة. وعلى وجه الخصوص، كانت الحركات التي تريد المحافظة على لغتها وهويتها وثقافتها ووجودها، وعانت في تاريخها القريب من اضطهاد "الدولة القديمة"، قد أصبحت ذات وزن في المعادلة السياسية الحديثة.

وكانت هذه الأطياف تتحرك بدافع "إنقاذ تركيا"، على عكس ما كان خصومهم يتهمونهم بمحاولة تقسيم البلاد. وبفضل هذا التحفيز الكامن في دفاعهم عن هويتهم أصبحت لديهم تقاليد سياسية راسخة، وقوة تنظيمية رائعة، وجماهير سياسية واسعة. ولو كانوا بالفعل "إرهابيين وانفصاليين" - كما يتهمهم به خصومهم- لكان واقع البلاد مختلفا جدا، ولكانت البلاد تعيش صعوبات في الحفاظ على وحدتها السياسية.

أجل، لم يكن هؤلاء "إرهابيين" ولا "انفصاليين"، بل كان همُّهم الأوليّ "إنقاذ تركيا". إنهم كانوا يطالبون -بدلا من العبودية- تحقيق المواطنة المتساوية واحترام حقوق الإنسان في مستوى المعايير العالمية، واحتضان الوطن لجميع الهويات، وتأسيس روابط الأُخوَّة بين الشعوب... فكانت هذه المطالب أكثر أهميةً بالنسبة لهم من اقتطاع جزء من تراب الوطن.. حيث كانت المواطَنة المتساوية كافية لتلبية مطالبهم في نهاية المطاف.

ففي هذا الجو المناسب والأرضية المناسِبة ظهرت بوادر حركة جديدة كانت مصمِّمة على صراع الدولة القديمة من أجل السلطة. وبالفعل ما كان لهذه الحركة وزعيمها الكاريزمي أن تتجاهل ما تراكم لدى المجتمع من قوى المعارضة. وبالفعل أصبح هذا الزعيم الجديد يقف في نضاله من أجل السلطة إلى جانب الذين صادرت "الدولة القديمة" حقوقهم الطبيعية لفترة طويلة، ويدافع عن قضاياهم، ويضم ممثليهم إلى حركته، ويبدي تعاطفه مع مآسيهم التاريخية، فحصل على تأييدهم.

نعم، استطاع هذا الوحش أن يحافظ على مكياجه الديمقراطي حتى اللحظة الأخيرة، وأن يستر وجهه الحقيقي الذي لم يظهر إلا بعدما فاجأ الجميعَ بأنه قد تحوَّل إلى ماكينة تقطِّع المجتمع أشلاء متناثرة.

لقد حصل على تأييد كل الأطياف، وأصبح زعيما. لكنه لم يكن زعيما عاديا.. بل دخلت البلاد في عهده مرحلة: "دولة واحدة، أمة واحدة، راية واحدة، لغة واحدة، زعيم واحد". فخان الزعيمُ الجديدُ كلَّ من جلبوه إلى قمة الدولة. حتى إن المكاسب القليلة التي حققوها في نضالهم التاريخي الطويل أصبحت الآن في خطر؛ فأصبحت القوميةُ هي الإيديولوجية الوحيدة، ويُنظر إلى كل من لا يطيع الزعيم على أنه "متواطئ مع أعداء الوطن".

ودخلت معظم وسائل الإعلام، وأصحاب رؤوس الأموال، والكوادرُ البيروقراطية، والجيش، والمجتمع المدني، صفا واحدا تحت طاعة القائد العظيم. ووَضع الزعيم على كاهلنا مهمة أسطورية من البطولة التاريخية، ووَعد باستعادة الأراضي التي فقدناها، وأراد منا أن نصبح المركز الجديد في العالم ضد الغرب الناهب والشرق المحتال. ووَعَدَنا إن نحن تبنَّينا هوية "التركي" واجتمعنا حول قائدنا فسيرى العالَم قوة التُّرك.

 وكانت لا تزال هناك أصوات تعارض هذا الهراء.

المهمة الأُولى، إذن، هي القضاء على الخونة في الداخل. والهويات العرقية والطائفية الأخرى التي كانت حلفاءه في طريقه للسلطة ولكنها قاومت سياسة التتريك قد أصبحت الآن عناصر يجب تدميرها واجتثاثها.

وقد أثارت الحروب القائمة في الشرق الأوسط والتي تهدف إلى تقسيم الدول، هواجسَ المجتمع التركي وأيقظت مخاوفها تجاه باقي مكونات المجتمع، مما أعطى فرصة كبيرة للزعيم بأن ينفِّذ خطته الوحشية. حيث إن "الغرب الناهب والشرق المتحايل" -على حد تعبيره- كانوا يتصرفون في هذا الاتجاه. فكانت الشعوب تُذبح بينما كانت القوى الإمبريالية تتكالب على قضم ثروات المنطقة كما تتداعى الأَكلة إلى قصعتها.

من ناحية أخرى، فإن المكونات الأخرى التي كان عليها أن تتصرف مثل "تُركي" كانت لا تزال تتصرف مثل "كردي" أو "أرمني"  أو "عربي" أو "سرياني"... وكان "لا بد من تأديب هذه الشعوب التي تأخذ السلاح والذخيرة من أعداء البلاد وتخون الوطن".

وبفضل شن الحرب حصل الزعيم على فرصة إعادة ترتيب البيت من الداخل، وتحييد المعارضة، و"إنقاذ الدولة من مشكلة عرقية استمرت لمدة 50 عامًا".

وقد وفرت أجواءُ الحرب عديدا من الفرص أمام الزعيم. وحان الوقت لتنفيذ خطة المجزرة الرهيبة.

فأولاً، قام بتنظيم العمليات التي من شأنها أن تسبب في غضب الشارع في المدن الكبيرة ضد من يريد استهدافهم، واستطاع أن يجذبهم إلى الحلبة ليخلق صورة أقرب ما تكون إلى "تمرد ضد السلطات الشرعية".

فكانت الذريعة جاهزة لتدمير المدن الكردية، وأسفرت العمليات عن مقتل آلاف من شباب المنطقة بطرق وحشية، ودُكَّت المنازل بالأسلحة الثقيلة المدمرة، وأُجبِر السكان على هجر منازلهم وديارهم، ليتمزق كيانهم المنظم ويتفرقوا في شرقي البلاد وغربها. ثم جاء دور ممثلي الأحزاب والقادة السياسيين، وتم اعتقال النواب.

وتم "تطهير" المثقفين والفنانين بحملة اعتقالات واسعة حتى يمكن تقطيع عروق الناس ويصبحوا من غير قادة فكر أو تنظيم، بل كل من ألقى إليهم السلام وجد نفسه قابعا في السجون. وبُثَّتِ الكراهية ضدهم، ليتألب عليهم عصابات الشوارع.. وأخيرا انقطعت الأصوات المنادية بالحقوق وانتهت العملية السياسية.

كان الوقت قد حان "لترحيل الخونة اللابسين قميص العدو إلى الصحارى" لتحقيق التغييرات الديموغرافية.

ليست هذه الظاهرة غريبة على هذه المنطقة المنكوبة، فلقد كانت في العقود الماضية مسرحا لذبح مئات الآلاف من أبنائها... وقد حصل كل ذلك على مرأى ومسمع بل ومساهمةٍ من العالَم الغربي والشرقي، ولا تزال المذابح قائمة من دون حسيب أو رقيب.

طلب الزعيم من العالَم المتحضر أن يحوِّلوا أنظارهم إلى جهات أخرى لبعض الوقت.. وبالفعل قاموا بذلك.. فقامت أسواق يروج فيها العدوان والاحتلال والتهجير والاغتصاب والخطف والابتزاز، والمذابح والإبادة الجماعية والعصابات، وتأسست في براري سوريا أوكار للجماعات الإرهابية. وكانت العصابات تتصرف دائمًا قبل الجيوش النظامية فتنهب كل منزل دخلتها، وتأسر النساء والأطفال.

 وكان الجيش التركي يرفض هذه الادعاءات في المراسلات الرسمية أو المناقشات الدبلوماسية أو وسائل الإعلام. وعلى الرغم من أن الدعاية الرسمية كانت تقول إن العمليات من أجل أمن البلاد، إلا أنه في الواقع تم طرد الناس من ديارهم، وتم تدمير ممتلكاتهم بشكل لا رجعة فيها.

وقد تكرر مثل هذا قبل مئة عام تجاه المواطنين الأرمن وغيرهم من الأقليات. وفي تلك الأيام أيضا كان المثقفون الأتراك راضين عما كان يجري، حيث إن هذه هي الطريقة التي كانت دولتهم تحافظ من خلالها على وحدة أراضيها لعدة قرون.

وللأسف، كان معظم المثقفين والكتاب الغربيين يشيدون بهذه الإبادة الجماعية أو على الأقل يتجاهلونها.

وأخيرا اكتملت المذابح، وتم ترحيل أهالي المنطقة وإحراق منازلهم وتجفيف أجيالهم.

وكان الغربيون قد قضوا فترة طويلة في المنطقة من أجل الحروب، وكانوا يريدون العودة إلى بلادهم، وكانت الهدنة الجزئية كافية بالنسبة لهم، وكانت الصفقات التي أبرموها كافية لهم ليقضموا خيرات المنطقة لمدة مئة عام أخرى.

 أما عن صناديد تلك الأيام المتمثلة في جمال باشا وأنور باشا وطلعت باشا وغيرهم، فإنهم بعد ما أزاحوا من سبقهم من كوادر الدولة بمن فيهم السلطان عبد الحميد، تم طردهم هم أيضا من البلاد وتم التخلص عنهم بحجة أنهم السبب وراء كل الكوارث التي نزلت بالوطن، وتم لعنهم بأنهم وراء كل تلك المذابح الشنيعة التي تتبرأ الدولة منها. وليس هذا غريبا في تقاليد الدولة التركية على مدى سبعة قرون، حيث كانوا يرون جواز تضحية الأفراد من أجل الحفاظ على بقاء الدولة.

ولكن الغريب أنه في الفترات اللاحقة احتاج العقل المدبر للدولة إلى إحياء روح هؤلاء الصناديد، لإعادة صنيعهم من أجل "تنظيف البلاد"، فإذا بنا أمام تمجيد مبطن لتلك الأرواح الخبيثة لتتناسخ في روح "زعيم جديد".

فهذه صورة مصغرة للمرحلة الزمنية التي أدت بالدولة التركية إلى الكوارث التي حدثت في عام 1915 والتي كانت ضحيتها الأولى الشعب الأرمن.

وأعود لأقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، حينما أشاهد بأُمِّ عيني ما يجري حاليا على أرض الوطن والحدود المتاخمة لها.

وها نحن أمام مشكلة مشابهة لا تزال قائمة منذ 50 عاما، وإنني أخشى أن يتصدى أردوغان لحلها بشكل جذري، (أي بالذبح والترحيل) كما تصدى أسلافه في قضية الأرمن التي أراد الصناديد حلها بشكل نهائي، وبالفعل كانت النتيجة محو شعب (الأرمن) بأكمله من خارطة هذه البلاد.

 وأظن أن الأكراد هم الآن أقرب الناس إلى فهم مجازر الشعب الأرمن، عندما بدؤوا يقولون: "ما كنا نظن أن الدولة ستكون ظالمة إلى هذا الحد".

وهذا يعني أنهم لم يكونوا يفهمونه في الماضي.

وبالفعل، التاريخ يعيد نفسه، ليتكرر من جديد.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/saldiri-isgal-tehcir-tecavuz-insan-kacirma-gasp-katliam-soykirim-ceteler
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.