عملية تركيا في شمال سوريا تضر المصلحة الوطنية

تُعرِف أنقرة بوضوح مصلحتها الوطنية وهدفها الأساسي في شمال سوريا بأنها تريد شل القدرات السياسية والعسكرية لقوات سوريا الديمقراطية والإدارات التي يقودها الأكراد والتي سيطرت على قطاع كبير من شمال شرق سوريا.

يعتمد ما إذا كانت العملية ستخدم المصالح الوطنية لتركيا على المدى الطويل على قوى محركة إقليمية وعالمية معقدة أوسع بكثير من العملية نفسها. وبالنظر إلى هذه العوامل، فإن عملية نبع السلام لديها القدرة على أن تأتي بنتائج عكسية وتعمل فعلياً ضد الأهداف الرئيسة لتركيا.

على المستوى الأول، أضرت العملية العسكرية التركية بمكانة تركيا أمام الرأي العام العالمي، وهي ديناميكية رئيسة في السياسة الدولية لم تدركها الحكومة التركية.

حتى انضمام قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من الجماعات الكردية إلى القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، كان يُنظر إليها في الغالب على أنها جماعة عرقية براغماتية موالية للولايات المتحدة. وقد عزز دورهم في الحملة المناهضة لداعش صورتهم إلى درجة أن الجمهور الغربي الأكبر ينظر الآن إلى الأكراد كمقاتلين من أجل الحرية.

لقد أضاف تدخل تركيا ديناميكية جديدة إلى الصورة الإيجابية بالفعل للأكراد، لا سيما في وسائل الإعلام الغربية، وما كان يُنظر إليه في السابق على أنه جماعة عرقية يُقدم الآن على أنه أمة تتعرض لاضطهاد تركيا.

يتعارض هذا مع جهود العلاقات العامة التي تبذلها أنقرة التي قضت عشرات السنين في تقديم حجتها للعالم بشأن قتالها ضد حزب العمال الكردستاني، وهو جماعة محظورة قاتلت الدولة التركية من أجل الحكم الذاتي الكردي منذ عام 1984. ولقوات سوريا الديمقراطية والجماعات التابعة لها في سوريا روابط وثيقة مع حزب العمال الكردستاني.

لا يوجد شك يُذكر في أن توازن الرأي العام العالمي في الأتراك والأكراد سيكون له تأثير سلبي على تركيا من الآن فصاعداً.

ويأتي بعد ذلك تأثير العملية على علاقات تركيا مع حلفائها وشركائها وجيرانها.

وردت دول غربية عديدة مثل ألمانيا وفرنسا على الهجوم التركي من خلال وقف مبيعات الأسلحة. من المحتمل أن يكون على الطاولة فرض حظر أكثر منهجية على تركيا على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وليست القضية مختلفة في العالم العربي. واحتجت جامعة الدول العربية بشدة على العملية التركية، ووصفت العملية بأنها غزو.

على الجبهة الأميركية، على الرغم من سلسلة من التغريدات الفوضوية من الرئيس دونالد ترامب، ثمة تحالف متزايد مناهض لتركيا يوحد الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، ويميل الجمهور الأميركي على نحو متزايد إلى تأييد الأكراد. وتوقف الرئيس ترامب عن دعم أردوغان لأنه يواجه ضغوطاً شديدة من الكونغرس.

ولا يمثل موقف روسيا مواساة لتركيا. ففي تصريحاته الأولى، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن العملية التركية قد تطلق سراح الآلاف من مقاتلي تنظيم داعش. وفي اليوم التالي، أضاف أنه يجب تحرير سوريا من الوجود العسكري الأجنبي. الأسوأ من ذلك، ثمة مؤشرات قوية على أن موسكو سعيدة بالاستفادة من العملية التركية وقد عملت كوسيط للتقريب بين الجماعات الكردية ونظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وبالنظر إلى أن الأزمة السورية، بما في ذلك وضع الأكراد في البلاد، مشكلة عالمية تتطلب تدخل القوى الأجنبية، فمن المرجح أن تؤدي عملية تركيا الأخيرة إلى تعميق الخلافات بين تركيا والجهات الفاعلة العالمية الأخرى.

لكن السؤال المطروح بشكل أساسي هو ما إذا كانت عملية تركيا يمكنها تحقيق هدفها وتدمير القدرات السياسية والعسكرية للأكراد في شمال سوريا.

وسيكون لذلك علاقة كبيرة بالنتيجة الخطيرة الأولى لعملية تركيا ألا وهي اتفاق قوات سوريا الديمقراطية مع نظام دمشق. منطقياً، لن تكون دمشق سعيدة بوجود أكراد يتمتعون بالحكم الذاتي عسكرياً. ومع ذلك، فمن المرجح أن تعاملهم دمشق كقوة استراتيجية في مواجهة تركيا.

للتأكيد على ذلك، فإن أهم سلاح استراتيجي يمتلكه الأسد اليوم ضد تركيا قد يتضمن منح الأكراد أي وضع سياسي مستقل، حتى بحقوق محدودة للغاية. مثل هذه الخطوة من شأنها أن ترضي القوى الخارجية مثل روسيا. لم تكن موسكو راضية عن علاقة الأكراد السوريين بواشنطن، وتفضل طريقة متوازنة بين دمشق والأكراد قد تؤدي إلى حكم ذاتي محدود.

ويثير هذا مفارقة واضحة إزاء سياسة تركيا الخارجية: فعلى الرغم من أن تركيا بدأت في البداية للإطاحة بنظام الأسد، فإن خطواتها السياسية الأخيرة تساعد الرئيس السوري على ترسيخ نظامه. وقد تكون هناك مفارقة أخرى: هدف السياسة التركية المتمثل في شل حقوق الأكراد في سوريا قد يؤدي بدلاً من ذلك إلى الحكم الذاتي الكردي.

من المستحيل قول إن استراتيجية أنقرة في العملية العسكرية ستساعد مصلحة تركيا على المدى الطويل. لذا، ماذا كانت نية أنقرة؟

إن حسابها للقضية الكردية بسيط: تعتبر أنقرة المشكلة غير قابلة للحل على المدى القصير. وبالتالي، تستخدم تكتيك الحرب ضد المكاسب السياسية والعسكرية المؤيدة لحزب العمال الكردستاني في تركيا والخارج. بهذا المعنى، فإن العملية السورية ليست معركة حاسمة لكنها الخطوة الأحدث في صراع مستمر منذ عقود.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-politics/turkeys-operation-northern-syria-harms-national-interest
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.