أحوال تركية
أغسطس 10 2019

عملية تسيس القوات المسلحة التركية مستمرة دون إبطاء

يكشف اجتماع المجلس العسكري الأعلى لهذا العام أن عملية تسيس القوات المسلحة التركية لا تزال مستمرة دون إبطاء تمشيًا مع استراتيجية إنشاء جيش مؤلف من الموالين لأردوغان، وذلك من خلال قرارات الطرد والترقية والإحالة إلى التقاعد والدعاوى القضائية.

فقد كتبت وسائل التواصل الاجتماعية وتناولت القنوات الإعلامية التقليدية أيضًا كثيرًا قرارات ترقية الجنرالات والأميرالات وإحالتهم إلى التقاعد التي تم الإعلان عنها في أعقاب اجتماع المجلس العسكري الأعلى المنعقد ليوم واحد في 1 أغسطس.

وفقًا لبعض هذه القنوات قام المجلس بتصفية الجنرالات والأميرالات الذين زُعم أنهم كانوا هدفًا لحركة غولن لفترة من الزمن بزعم أنهم أعدوا في الماضي خطط الانقلاب أرغنكون-المطرقة، وهو المجلس الذي يهيمن عليه المدنيون ويترأسه رجب طيب أردوغان رئيس الجمهورية. وبفضل تصالح حزب العدالة والتنمية الحاكم -حرصًا منه على مصالحه الشخصية-مع العناصر المرتبطة بمنظمة أرغنكون-المطرقة بعد عام 2016 تمت تبرئة هؤلاء الأشخاص لاحقًا.

أما الآخرون فاعترضوا على هذا الزعم، وذكروا أن الجنرالات والأميرالات المذكورين تمت ترقية معظمهم وإن لم يكن كلهم، أو أنهم لا زالوا يحافظون على مواقعهم. 

يتهم الرئيس وزعيم حزب العدالة والتنمية أردوغان فتح الله غولن، رجل الدين التركي الذي يعيش في الولايات المتحدة الأميركية، بتنظيم محاولة الانقلاب في عام 2016. أما أتباع حركة فتح الله غولن التي كانت حليفًا مقربًا لحزب العدالة والتنمية في السابق، وأصبحت تعرف بمنظمة فتح الله غولن الإرهابية، فيرفضون هذه الاتهامات. ويشير إلى أنها تتشكل من توليفة من أنصار فتح الله غولن والكماليين التقليديين الذين ينظمون الانقلابات بانتظام بذريعة حماية النظام الجمهوري العلماني لتركيا.

إن مزاعم أجهزة الإعلام المقربة من الضباط المرتبطين بقضية المطرقة، عاملين أو متقاعدين، متناقضة ومُربكة على حد سواء. حتى إنه في هذه البيئة الضبابية أصبح التمييز بين البيانات الصحيحة والأخبار الكاذبة وفهم قرارات الترقية والتقاعد الحالية أصعب من أي وقت مضى.

فعلى سبيل المثال، يبدو أنه بات من الصعب على الرئيس أردوغان، أكثر من أي وقت مضى، الشروع في حملة لإحالة الضباط المرتبطين بقضية المطرقة إلى التقاعد، وهو في بيئة تفرض عليه الحفاظ على تحالفه مع هذه المجموعة، مع حزب الحركة القومية المتشدد في فكره القومي.

أظهرت الهزيمة الكبرى التي مُنيَ بها أردوغان في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، والتي تمت إعادتها في يونيو الماضي، أن حكمه الذي استمر 17 عامًا آخذ في الانهيار. علاوة على ذلك، من المتوقع أن تؤدي حالة التفكك التي يعيشها داخليًا حزب العدالة والتنمية إلى تأسيس حزب جديد.

هذه التطورات تهدد أكثر ما تهدد مستقبل أردوغان السياسي وموقفه في الانتخابات. أما الائتلاف الذي كوُنه مع القوى اليمينية المحافظة ومجموعة أرغنكون-المطرقة فإنه يقدم بعض الأمل في الفوز في الانتخابات المقبلة.

وتجدر الإشارة إلى أن أعضاء أرغنكون-المطرقة قد تعاونوا في بعض القضايا مع مجموعة سياسية تدعم وجود دولة علمانية قوية ومناهضة للناتو/ وللولايات المتحدة الأميركية يتزعمها دوغو برينجك زعيم حزب الوطن المعروف بأن له علاقات قوية مع الدولة التركية العميقة.

ومن المعروف للجميع أنه من أجل سد الفجوة الكبيرة التي أدت إليها عمليات التصفية التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة تم تفضيل الضباط المؤيدين لأردوغان وكذلك الضباط الموالين لعقلية أرغنكون-المطرقة، وأنصار دوغو برينجك.

هذا يعني أن هناك الآن فصيلًا قويًا داخل الجيش له ميول معادية للناتو وللولايات المتحدة الأميركية وموالية لروسيا.

الأستاذ الدكتور "أوميت جيزره" أحد كبار الخبراء في العلاقات المدنية العسكرية عرَّف في تصريح أدلى به إلى "موقع أحوال تركية" سياسة حكومة أردوغان تجاه الجيش في أعقاب محاولة الانقلاب في عام 2016 هكذا: "عدم الاكتفاء بتقويض الجذور الأيديولوجية الثقافية للعقيدة العلمانية والمناهضة للدين في القوات المسلحة التركية، بل تدمير الأسس المؤسسية لأي مصدر أو مركز أو خط محتمل يمتلك "قوة" في الجيش، سواء أكان من أتباع حركة فتح الله غولن، أو علمانيًا/ غربيًا أو حتى من الضباط الديمقراطيين فحسب".

في أعقاب محاولة الانقلاب التي وقعت عام 2016، تم اللجوء إلى استراتيجيات معينة لتحقيق هذا الغرض: واحدة منها كانت مرحلة التصفية في القوات المسلحة التركية من خلال عمليات الطرد والاعتقالات والاحتجاز والدعاوى القضائية واسعة النطاق ضد أولئك الذين يُزعم أنهم مرتبطون بحركة غولن.

وكان التدبير الثاني الذي يتماشى مع ذلك هو تفعيل مبدأ الولاء للزعيم والإخلاص له بدلًا من مبدأ الجدارة من خلال سياسة تعيين حزبية قديمة الطراز لا تراعي الدقة.

طُرد من القوات المسلحة التركية أكثر من 30 ألف موظف عسكري بدءًا من الطلاب الجيش وصولًا إلى الجنرالات. وقد حُكم عليهم بالسجن لمدد مختلفة، بما في ذلك مئات السنوات من السجن المؤبد المشدد، أو أنهم لا يزالون قيد المحاكمة بزعم تورطهم في محاولة الانقلاب.

وهذا الرقم في تزايد من خلال العمليات التي تجري يوميًا ضد الأفراد العسكريين.

وفي 17 ديسمبر الماضي قال وزير الدفاع الوطني خلوصي أكار في البرلمان إنه تم تعيين 51000 و326 موظفًا جديدًا لسد الثغرات وتلبية الاحتياجات العاجلة.

وقال أردوغان مؤخرًا "إن القوات المسلحة التركية هي أعظم ضماناتنا الأمنية ضد التهديدات، وذلك من خلال زيادة الانضباط والتحفيز والردع والقدرة التشغيلية في ظل الخطوات التي اتخذت بعد خيانة 15 يوليو."

"قوة" الجيش التي يتحدث عنها أردوغان في تصريحاته هي طرح مثير للجدل لأقصى درجة. وعلى العكس من ذلك، فإن أي مراقب محايد يرى العدد الهائل من القضايا، والأساليب المشبوهة المتبعة في التجنيد و"السيطرة" التي تكشف عنها الطرق المختلفة المستخدمة في إعادة بناء الجيش، سوف يدرك أن التأثير الكلي لهذه الأمور سيكون إضعاف وحدة الجيش وإفقاده قوته. فهذه الممارسات تخلق شكوكًا حول الكفاءة المهنية والأيديولوجية والروح المعنوية للقوات المسلحة التركية.

ويعتقد أن أحد العوامل الرئيسية وراء عمليات التصفية يكمن في ملء القوات المسلحة التركية بضباط محافظين موالين للرئيس. إلا أنه وفقًا للأستاذ الدكتور جيزره "عند الابتعاد عن مبدأ الجدارة في عملية التجنيد والترقية تتحول عملية التجنيد داخل الجيش إلى تدخل تعسفي وشخصي يمكن أن يؤدي إلى نتائج مختلفة ويحقق نتائج غير متوقعة"، مما يعني أنه ربما يضر بقضية أردوغان نفسه.

ونظرًا لعدم وجود طريقة موثوقة تمامًا لتحديد من يساند إدارة أردوغان ومن يعارضها، فإن الخطر الأكبر الذي يكمن وراء إجراء تقييم خاطئ لولاء الموظفين المعينين، هو احتمال حدوث انقلاب جديد تهدف السياسة الحالية إلى منعه بأي ثمن.

علاوة على ذلك، فإنه على الرغم من أن أردوغان يعتقد بأن الجيش، الذي يميل إلى التدخل في السياسة، قد أصبح يخضع لسيطرة المدنيين، إلا أن هذه السيطرة بعيدة كل البعد عن أن تكون مطلقة.

وفي هذا الصدد، يكفي نقل عبارات استخدمها ملحق عسكري غربي في تصريح أدلى به إلى "موقع أحوال تركية" إذ قال: "إن عملية استبدال الطيارين المقاتلين الذين يعرفون اللغات الأجنبية التي تتطلبها مهمات حلف شمال الأطلسي وغيرها من المهمات عبر الحدود والضباط الرئيسيين من المستوى المتوسط الذين عاصروا مرحلة تاريخية فاصلة، وكذلك المؤهلات الأخرى، -عملية الاستبدال-تتطلب فترة زمنية طويلة تتراوح ما بين 10-15 سنة.

وارتباطًا بهذا أيضًا، يمكن الاعتقاد بأن عمليات الاحتجاز غير المحدود للأفراد العسكريين بدعوى ارتباطهم بأنصار فتح الله غولن قد دمرت الروح المعنوية في الجيش بحيث بات يستحيل إصلاحها.

أما فيما يتعلق بنظرة عامة الشعب إلى الجيش، فليس من الضروري وجود خبرة استثنائية للقول بأن صورة المؤسسة العسكرية-والتي لم يسبق لها أن تلطخت تاريخيًا-في "أعين" أغلبية المجتمع التركي والاحترام الذي شكلته تلك الصورة قد نال ضربة قاتلة".

•    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/turk-silahli-kuvvetlerinin-siyasilesmesi-hiz-kesmeksizin-devam-ediyor