من السبب فيما آلت إليه الأوضاع في تركيا: "نحن" أم الدولة

عندما نقول "نحن" فما المقصود بهذه الكلمة ؟ دعونا نلقي نظرة على هذا الأمر أولاً.

أقصد هنا بقولي "نحن" جميع الأشخاص، الذين سأعرض، بعد قليل، نماذج لهم من مقاربات مختلفة، الذين يطلقون عليهم أسماء مثل الليبراليين والماركسيين الليبراليين والاشتراكيين غير القوميين. 

باستثناء الآليات الهيكلية للرأسمالية، يجمع بينهم قواسم مشتركة؛ يمكن تلخيصها في أنهم لا ينظرون إلى اقتصاد السوق المنفتح على الخارج، بوصفه هيكلاً يزيد أو يؤجج النظام الاستعماري، وإنهم يتقاربون في تفكيرهم مع مفهوم الدولة الاجتماعية، وينادون بالمقاربة مع مفاهيم الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات والعلمانية، وفق الأسس والمعايير العالمية المتعارفة.

ويمكننا أن نوسع دائرة الذين قصدتهم بقولي "نحن" لتشمل أيضاً أناساً يختلفون مع الفريق الأول في عدد محدد من المفاهيم. ومع هذا، فهم يتفقون معهم في تعريفهم لمفاهيم أخرى مثل الديمقراطية ودولة القانون. 

ولعل القاسم المشترك الأهم بينهم كذلك أنهم يميلون كثيراً إلى مبادئ الاتحاد الأوروبي، ويفضلون فكرة حدوث توافق تركي مع هذا الهيكل. ومع هذا، يتوجب علينا الإشارة كذلك إلى أن هذه الشريحة لم تقم، يوماً ما، بتأسيس حزب أو جماعة أو حركة سياسية تتبنى آراءهم تلك.

وعلى الطرف الآخر، توجد الدولة التركية؛ بما تملكه من هيكل دستوري وقانوني. وأنا هنا سوف أتحدث، في هذا المقال، عن النموذج الخاص بمفهوم الدولة عندنا.

حسناً، ولكن ما طبيعة العلاقة بين هذه الشريحة التي قصدتها بقولي "نحن"، قبل قليل، والنهج المُتبع في الهيكل السياسي للدولة التركية؟

لا شك أن العلاقة بين الطرفين ليست على ما يرام.  

لقد فقدت هذه الشريحة، التي وصفتها بقولي "نحن"، والتي تنادي بتطبيق معايير الديمقراطية الليبرالية، وبدولة قانون وفق المعايير الدولية، وتقف غالبيتها ضد فكرة الانقلابات العسكرية، وظائفها في تركيا، وسطت الدولة على حقوقها التقاعدية؛ فتم إبعاد الصحفيين والأكاديميين في الجامعات عن وظائفهم، وزج بهم جميعاً في السجون لسنوات، كما ألغت الدولة جوازات السفر الخاصة بهم. وعلى الجهة الأخرى، تعيش شريحة أخرى من هؤلاء معاناةً حقيقيةً، بعيداً عن وطنهم، وفي الداخل حاصرتهم الدولة؛ فلم يجدوا مصدراً آخر للرزق، فضلاً عن المعاملة السيئة التي يلقونها، والتي وصلت إلى حد مخاطبتهم بالقول "ليأكلوا لحاء الأشجار".  

أعتقد أنه من الأجدى لو أننا ناقشنا مدى مسؤولية الدولة عن هذا الوضع الغريب، الذي تعيشه تركيا في الوقت الحاضر.

لقد ظل كاتب هذه السطور يناقش هذه المسألة لسنوات طويلة؛ لا تقل عن ثلاثين عامًا، في إطار مفهوم المألوف وغير المألوف.

وأقصد هنا بمفهوم المألوف تبني نفس القوانين والمعايير المعمول بها في المؤسسات والهيئات في الدول الأخرى الأكثر نمواً في العالم في مجالات اقتصاد السوق والديمقراطية وسيادة القانون. والواقع أن أمراً كهذا محسوم بالنسبة إلينا في تركيا؛ لأننا ندرك أن الاقتراب إلى معايير اقتصاد السوق والديمقراطية ودولة القانون صار من المحظورات الشديدة بالنسبة لمستقبل الدولة.

ويتعين علينا التأكيد هنا كذلك على أن الحياة، على مستوى العالم، تتألف من مجالين؛ هما المجال العام  والمجال الخاص؛ ويعيش الذين ينادون بتطبيق المعايير والأسس العالمية في المجال العام معاناة كبيرة، ويعيشون في انطوائية، على النقيض تماماً من المؤيدين للمجال الخاص، الذين ليس لديهم أي محظورات.

كل ما يريده هؤلاء هو أن يأكلوا ويشربوا كما يحلو لهم، ويمارسوا عبادتهم وأهواءهم الخاصة حسب رغبتهم؛ لأن هذه الأمور ترتبط، في الأساس، بالمجال الخاص.

ويمكننا أن نسوق العديد من الأمثلة على هياكل مؤسسية محددة؛ للوقوف، بشكل أكبر، على موضوع المألوف وغير المألوف لدى الفريقين، وحتى يتسنى لنا معرفة المكان الذي تقف عليه تركيا، والشريحة المقصودة بكلمة "نحن" كذلك.

ظللنا، أي "نحن"، لسنوات طويلة ندافع عن حتمية أن يكون الدستور أيديولوجيًا محايدًا، بعيداً عن اتباع نهج لا ينتصر لحقوق الإنسان. وعلى الطرف الآخر، لم تتدخر الدولة وسعاً في توجيه سهام نقدها السخيفة إلينا فيما يخص هذا الموضوع. ومن الطبيعي ألا تتم صياغة دستور يقوم على تقييد حقوق الإنسان وفق أيدولوجية أو أخرى، ولكن الدولة، كعادتها، لا تزال تصر على اتباع كل ما هو غير مألوف. 

وفي الوقت الذي كرست فيه شريحة "نحن" تلك حياتها في المجتمع من أجل الدفاع عن دولة القانون، بما يتوافق مع الهياكل والمؤسسات الدولية، كانت دولتنا تميل، كل الميل، إلى فكرة "المحلي والقومي"، حتى فيما يتعلق بمفهوم دولة القانون. والجانب المزعج في هذا الاتجاه أن الدولة تزداد تمسكاً برؤيتها تلك، يومًا بعد يوم؛ ففي حين نستمر، "نحن"، أيضاً في نهجنا باتجاه الدفاع عن ضرورة المقاربة مع المعايير العالمية، أو لنقل عن المعايير الطبيعية المعمول بها، بدأت الدولة في التمسك بكل ما هو شاذ، معتمدة على فكرة "القومي والمحلي".  

لقد عُرِضَت الكثير من الآراء المتشابهة التي ناقشت في مجملها موضوع الديمقراطية؛ من بين تلك الآراء ما تنادي به الجماعة الكبيرة التي  نعبر عنها بكلمة "نحن" من ضرورة اتباع المعايير الدولية في عدد من الموضوعات (على سبيل المثال، فيما يتعلق بموضوع النسبة الواجب أن يتخطاها الحزب في الانتخابات، وفقاً لقانون الانتخابات، وتعيين الأوصياء على البلديات من قبل الدولة، وما إلى ذلك). وعلى الجانب الآخر، التزمت الدولة جانب هيكل مؤسسي أقل ما يوصف به، وفق معايير الديمقراطية التي نتحدث عنها، بأنه هيكل شاذ، وغير مألوف تماماً، بل واستمرت في نهجها هذا حتى وصلنا اليوم إلى وضع وخيم للغاية.  

طالما نادينا كذلك بعلاقة طبيعية بين القطاع المدني والعسكري داخل المجتمع؛ أي أننا لم نعارض زيادة نشاط الجيش العسكري في بلد ديمقراطي في إطار حدود معينة، لكننا عارضنا، في الوقت نفسه، إنتاج سياسة تقوم على استبداد السلطة المدنية. لقد قلنا إنه من الضروري ألا تكون هناك مؤسسات دستورية مثل مجلس الأمن القومي التركي في دولة من المفترض أنها دولة حقوق تطبق الديمقراطية وفق المعايير العالمية. لقد كنا بذلك ندافع عن المألوف لدى كل دول العالم المتقدم، ولكن الدولة، كدأبها دائماً، كانت تسير وفق نهجها الخاص فقط، بل وأخذت تدافع بشدة عن هذا النهج غير المألوف، مستندة في هذا إلى مفاهيم خاطئة مثل مفهوم الجغرافيا السياسية.

إن مبدأ العلمانية من الأمور المهمة لدينا كذلك؛ فالطبيعي هو قيام دولة علمانية في إطار المبادئ العالمية كذلك، وينبغي ألا ننظر إلى العلمانية باعتبارها المقابل لحرية الدين والضمير، وإنما هي تعبير عن مجال حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية في المجال الأخير. والدولة هي الطرف المخاطب بالعلمانية في الأساس، وقد جادلنا في هذا الأمر كثيراً، وقلنا إن العلمانية ستظل بلا معنى في دولة لا تزال تُمَوَّل فيها مؤسسة دستورية مثل رئاسة الشؤون الدينية من الميزانية العامة للدولة، ولكن دون جدوى؛ فقد استمرت الدولة على إصرارها بوتيرة متزايدة، في الدفاع عن الوضع الدستوري والقانوني لهذه المؤسسة؛ ومن ثم استمرت في تمويلها من الميزانية العامة للدولة، وبذلك زادت من خطواتها نحو ترسيخ مفاهيم وأسس غير مألوفة بالنسبة لدول العالم الأخرى.

وبينما "نحن" مستمرون في كفاحنا، طوال السنوات الماضية، وخاصة بعد عام 1984، للدفاع عن مبدأ المواطنة الدستورية بشأن القضايا الرئيسية التي تفقد تركيا بسببها الطاقة والديمقراطية، لم تتقدم الدولة خطوة واحدة باتجاه إلغاء المادة رقم 66 من الدستور؛ لتفسح بذلك المجال لترسيخ منهج "اللامألوف" بإقرار صفة العرقية الثقافية في الدستور، ولا تزال مستمرة في اتباع نفس النهج الخاطئ إلى الآن كذلك.  

لقد دافعنا أيضاً عن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وقد أظهرت الظروف التي مرت بها تركيا في السنوات الأخيرة الماضية مدى حاجتها إلى هذا الخيار. من ناحيته، كان الاتحاد الأوروبي يقترب إلى تركيا رويداً رويداً، وبشكل طبيعي، لولا أولئك الذين تمسكوا بنهجهم وسياستهم الخاطئة في الداخل والخارج، وعرقلتهم مسيرة تركيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ ليسهموا، مرة أخرى، في ترسيخ دعائم هيكل غير مألوف لدى دول العالم المتقدم وحمايتها. 

دافع كل المنتمين لهذه الشريحة داخل تركيا عن تطبيق نظام ضرائب عادي، وأعني بهذا أن يقوم كل مواطن يتخطى عمره 16 عاماً بتقديم بيان دخل، ولم نكن نعني بإعلان الدخل هنا أن جميع المواطنين أو أصحاب الدخول سيدفعون الضريبة، ولكن الدولة حالت مجدداً دون تطبيق هذه السياسة في العلاقات المالية، متذرعة بحجج واهية؛ وبذلك تحولت تركيا إلى نظام آخر تُحصِّل، عن طريقه، الضرائب من المواطنين، دون النظر إلى دخل الأفراد. وهناك الكثير والكثير من الأمثلة المماثلة التي تؤكد جميعها "أننا نتحرك بشكل عام على غير المعتاد، لكن الدولة تدافع باستمرار، وبوعي كامل منها، عن تبني هذه الحالة الشاذة، التي لن تأتي بنتيجة أخرى سوى بمزيد من التخريب وترسيخ روح الانفصال، بل والخيانة.

وكان طبيعياً ألا يقتصر تأثير سياسة الدفاع عن هذا النهج الشاذ على الإضرار بمبادئ دولة القانون فحسب، بل أثرت على قطاع الاقتصاد كذلك، بعدما تراجع تصنيف تركيا وفق تقارير وكالات التصيف الدولية إلى مراتب متدنية للغاية. وكان طبيعياً، بعد كل هذا، أن تعجز دولة تصر على اتباع ذلك النهج الشاذ في مؤسساتها على تحقيق النمو المستدام.

وكان طبيعياً أيضاً أن ترتفع نسبة البطالة غير الزراعية إلى ما يقرب من 17%، وأن يقترب معدل المشاركة في القوى العاملة، بشكل سريع، إلى نسبة اﻟ 50% من الفئة العمرية ذات الصلة. وفوق هذا أيضاً ثبات دخول الأفراد منذ عام 2008، مقارنة بسعر صرف الدولار. وتزامناً مع هذا، ازدادت وتيرة التنكيل بالصحفيين والكتاب والأكاديميين في الجامعات، والزج بهم في السجون، وصرنا نعيش في بلد ينُظر فيه إلى كل من يتفوه بكلمة "السلام" باعتباره مجرماً يستوجب العقاب. لقد صارت أشد قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان صرامة حكراً على تلك الدولة التي تصر على نهجها غير المألوف هذا؛ لذلك فإنني أعتقد أن المسألة الأكثر إلحاحاً بالنسبة لتركيا الآن أن تتراجع عن نهجها، وأن تلتزم المعايير الدولية المتعارف عليها في جميع مؤسساتها العامة.

وأرى من الضروري، في ختام هذا المقال، أن أتطرق كذلك إلى مفهوم "الدولية" الذي يدور حوله نقاشات لا معنى لها؛ لأن استخدام كلمة "المعيار الدولي أو العالمي" لا يعني أن معياراً بعينه يصلح في ذات الوقت لجميع دول العالم؛ من الولايات المتحدة إلى البرازيل، ومن الاتحاد الأوروبي إلى الصين، ولكن المقصود بالمعيار العالمي هنا هو المعيار الأكثر تقدماً وشيوعاً في العالم في فترة بعينها.

ولا شك أن المعيار الأكثر تقدماً وشيوعاً، في تلك الفترة، هو المعيار الذي يتيح الحريات ويحقق نمواً في ثروة الدولة والمواطن.  
ويمكن القول، في ضوء هذه المعايير والتقييمات، إن الدولة وحدها هي التي تتحمل مسؤولية العودة إلى النهج المألوف دولياً، أما "نحن" فقد كنا الأقرب إلى النهج المألوف، الذي نحن بصدد الحديث عنه الآن.  

ولكن المثير للدهشة، في بلدنا النجيبة، أن الذين يتحدثون عن النهج المألوف على مستوى العالم هم الشريحة التي تعاني أكثر من غيرها، وعلى العكس من هؤلاء تُقرِّب الدولة إليها كل من يؤيدون هذا النهج المنافي للقواعد والأسس والمعايير الدولية المتعارف عليها؛ لذلك ربما كانت مشكلة سوء الاختيار هي المشكلة الأكبر التي تواجهها تركيا اليوم. ولعل هذا هو السبب أيضاً وراء تجميد دخل الفرد عند ثمانية آلاف دولار.    

هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:     

https://ahvalnews.com/tr/guncel/sorun-bizde-mi-turkiye-devletinde-mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.