من هو "عروج ريس" الذي أشعلت سفينته نزاع المتوسط؟

تقترب سفينة الأبحاث التركية "عروج ريس"، التي تُجري مسوحات شرق المتوسط، من جزيرة كاستيلوريزو اليونانية، مما ضاعف التوترات في المنطقة إلى مستوى يُنذر بالخطر.
ولا يُعدّ اختيار تركيا لهذه السفينة لأبحاثها من قبيل الصدفة. فعروج هو شخصية تاريخية حقيقية، متأصلة في التاريخ العثماني ورمز كبير للإسلاميين، وخاصة في الجزائر، حيث يُعتبر بطل الجهاد ضدّ "الكفار الأوروبيين".
كان عروج ريس بحارا عثمانيا، وكان في الأساس قرصانا يبحث عمن يتقدّم له بالولاء. تعامل أولا مع الأمير كركود ابن السُلطان العثماني بايزيد الثاني ضد الصليبيين، ثم مع سلطان مصر بعد أن كان على الأمير أن ينجو بحياته بعد نزاع على الخلافة مع شقيقه. ثم في 1515، أرسل هدايا ثمينة إلى السلطان العثماني سليم الأول، الذي أرسل له في المقابل سفينتين وسيفين مزينين بالألماس. ثم في 1516، استولى عروج وإخوته على الجزائر العاصمة وأخذوها من الإسبان، مما أجبر الحاكم السابق على الفرار، ثم طلب الحماية من الإمبراطورية العثمانية. والآن، تمجده وسائل الإعلام التركية كبطل عثماني.
يختلف المراقبون حول مدى هوس الرئيس التركي بالتاريخ العثماني. وجادل المؤرخ المهتم بتاريخ الدولة العثمانية، آلان ميخائيل، أن الرئيس أردوغان يسعى جاهدا لأن يكون كالسلطان التاسع للإمبراطورية، سليم الأول. ويدعم اختيار عروج ريس كاسم لسفينة الأبحاث التركية، هذا الرأي، وذلك على الرغم من أنني أعتقد أن أردوغان يرى نفسه على أنه مزيج من العديد من السلاطين العثمانيين وليس سليم الأول فقط.
لكن ما لا جدال فيه هو أن أهداف الرئيس التركي تتجاوز مجرد التنقيب عن الغاز والخلاف على ترسيم الحدود البحرية مع اليونان. ويجب أن ندرك أن لتركيا هدفين أوسع مرتبطان باليونان بطريقة أو بأخرى.
أولا، توسيع نفوذها ليشمل شمال أفريقيا، من ليبيا إلى المجتمعات الإسلامية النائمة في تونس والجزائر.
في هذا السياق، ترى أنقرة في اليونان عقبة أمام تحقيق أهدافها التوسعية في شمال أفريقيا، مما يجعلها تتمسك بالاتفاق البحري غير الشرعي مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تجاهلت وجود جزيرة كريت اليونانية بين البلدين. لذلك، من الطبيعي أن تثير تركيا في عهد أردوغان مظالم تاريخية وتهدد بالمواجهة مع اليونان.
ثانيا، يرى الرئيس التركي في الاتحاد الأوروبي المنقسّم وحلف الناتو طريقه الوحيد لتقوية تركيا وتعزيز قوتها الإقليمية.
لا توجد فرصة للرئيس التركي لإبراز قوته الناعمة بين معجبيه الإسلاميين، دون أن يُظهر النظام الغربي الحالي على أنه ضعيف ومنقسم في مواقفه حول تركيا. وتبقى عبارات مثل "خفض التصعيد" و"الدعوة للحوار" في "المفاوضات التكتيكية"، موسيقى في آذان أردوغان حيث تعزز صورته الإيجابية بين معجبيه، الذين يتباهون على وسائل التواصل الاجتماعي بكيفية نشر زعيمهم الذي لا يقهر الخوف بين "الكفار".
يُدرك أنصار أردوغان، أن الاتحاد الأوروبي القوي إذا فرض عقوبات على تركيا سوف يُدمّر صورة الرئيس أردوغان التي رُسِّخت لسنوات بين أتباعه العرب والمسلمين. ولمنع مثل هذا السيناريو المرعب، تتعامل تركيا مع الدول الغربية بطريقة "فرق تسد". أولا، يُصعّد الرئيس التركي من لهجته ضد اليونان، ويطلق حملته الاستكشافية لمضايقتها. ثمّ يلعب دور الضحية ويوافق على المفاوضات، ويشيطن الصقور كمعتدين ويلجأ إلى نظريات المؤامرة لحشد مزيد من الدعم. حتى الآن، تبدو هذه الاستراتيجية التركية فعالة.
في واقع الأمر، لا تهدف تركيا إلى حل نزاعها مع اليونان بل إلى تقديم حجة قوية للدول الغربية التي ترفض فرض عقوبات على تركيا، لتقويض جهود اليونان للحصول على الدعم الغربي. وكلما تصاعدت الخلافات بين الجانبين، كلما زادت فرص تركيا لخلق واقع جديد دون دفع ثمن باهظ لأعمالها التخريبية في شرق المتوسط.
يعتقد أنصار أنقرة في الغرب أن المفاوضات يمكن أن تحل المشكلة بين تركيا واليونان. لكنهم لا يدركون كيف يبقى الغرب المنقسم بشأن تركيا جزءا من المشكلة وليس من الحل. ويساهمون بذلك في تمكين العدو الذي يخدعهم بقناع الضحية، بينما هو لا يُقدّر ضعفَهم ولا استرضاءَهم.
إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون محق في قوله إن تركيا لم تعد شريكا في منطقة البحر المتوسط. وتُعتبَر الجهود الفرنسية لتوحيد دول جنوب المتوسط خطوة في الاتجاه الصحيح. ولا يمكن لأوروبا التفاوض مع تركيا والسيطرة على طموحات زعيمها الجامحة إلا إذا كانت موحدة. وتبقى الوحدة والموقف القوي من تركيا السبيلان الوحيدان للمضي قدما، كما قال المحلل فرديناندو جوليانو.
إلى أن تتحقق هذه الوحدة، سيستمر الرئيس التركي في رؤية ماكرون الفرنسي نسخة حديثة من شارلكان أو كارلوس الخامس هابسبورغ، الذي قتلت قواته عروج في النهاية، وسيفعل كل ما في وسعه للسماح للسفينة التركية، التي تحمل اسم البحار الأسطوري، بمواصلة أنشطتها في البحر المتوسط.


-    يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً :

https://ahvalnews.com/eastern-mediterranean/oruc-reis-significance-east-med-dispute?language_content_entity=en
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.