من لم يحترم اتفاق إدلب .. تركيا أم روسيا

مع تصاعد التوتر بين تركيا وروسيا بشأن الوضع في مدينة إدلب السورية، يُحمّل كل طرف من الطرفين الآخرَ مسؤولية انهيار اتفاقيات وقف التصعيد، التي كانت من المفترض أن تحول دون نشوب صراع مدمّر في تلك المنطقة.

ورداً على الاتهامات الروسية لتركيا بعدم الالتزام بالاتفاقات، تصرّ أنقرة على أنها تفي بكل ما يلزم إنشاء منطقة عدم تصعيد في إدلب من متطلبات، وفقاً لما تم الاتفاق عليه في إطار عملية أستانة، وإنفاذ ما اتُّفق عليه.

وكان الهدف الظاهري لاتفاق عدم التصعيد هو تحقيق الاستقرار في المدينة وتجنّب نشوب حرب بين النظام السوري وهيئة تحرير الشام المسلحة التي تهيمن على إدلب.

وتوصّلت روسيا وتركيا أيضاً إلى اتفاق إضافي لوقف إطلاق النار في سبتمبر 2018، تحملّت الأخيرة بموجبه المسؤولية الكاملة عن احتواء هيئة تحرير الشام وإنشاء منطقة عازلة في المنطقة.

وتخشى أنقرة من أن تتسبب موجة نزوح جماعي، نتيجة لهجوم يشنه النظام على إدلب، في تدفق مليون لاجئ جديد على تركيا. ووفقاً للأمم المتحدة، فقد نزح ما لا يقل عن 900 ألف سوري منذ أن بدأ الهجوم الذي يشنه النظام المدعوم من روسيا في ديسمبر. وتحذّر تركيا من أنها سترد على النظام السوري بالقوة العسكرية إذا لم يتوقف الهجوم في موعد أقصاه نهاية فبراير. وتؤكد أنقرة هذا التهديد بنشر تعزيزات من قوات مدعومة بأسلحة ثقيلة.

وأوضح محللون تحدث إليهم موقع أحوال تركية كيف لم تلتزم تركيا وروسيا بما اتفقتا عليه بشأن إدلب.

وقال البروفيسور جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما إن "تركيا لم تف بالتزاماتها التي تعهّدت بها في اتفاق أستانة".

وأشار إلى أنه في إطار اتفاق سبتمبر 2018، كان من المفترض أن تسهّل تركيا إعادة فتح الطرق السريعة الرئيسة في إدلب وترتّب انسحاب هيئة تحرير الشام وأسلحتها الثقيلة من المنطقة المنزوعة السلاح المزمعة.

وقال لانديس إن الأمر لم يقتصر على عدم الالتزام بهذا البند، وإنما استمرت هذه المجموعة في "إطلاق النيران على أحياء حلب والقوات السورية من تلك المنطقة".

وفي يناير 2019، تمكّنت هيئة تحرير الشام من كسب أرض في أنحاء إدلب، معززة بذلك هيمنتها على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية، عندما تخلى مسلحون مدعومون من تركيا عن أراض لهم بعد ما يزيد قليلا على الأسبوع من القتال.

وبالتالي، فإن الفشل التركي لم يقتصر على عدم القدرة على احتواء هيئة تحرير الشام، وإنما الفشل حتى في منع المجموعة من التوسع والتمدد.

لكن ليست تركيا الطرف الوحيد الذي يتحمل مسؤولية اندلاع الأزمة في إدلب. وقال آرون لوند، الزميل في (ذا سنتشري فاونديشن) "من الواضح أن الجانبين لا يلتزمان بروح خطاب الاتفاق.

"فقد دعمت روسيا الهجمات التي تشنها الحكومة السورية، والتي أدت إلى الاستيلاء على جزء كبير من منطقة عدم التصعيد المفترضة في إدلب، فضلاً عن أنها – من قبل ذلك – استولت على مناطق عدم تصعيد أخرى كانا قد اتفقا عليها... ليس هذا بالنهج الذي يمكن أن يؤدي إلى نجاح وقف إطلاق النار".

ويرى لوند أنه من الصعب تحديد الطرف الذي يتحمل الجزء الأكبر من الخطأ، نظراً لأنه قد تكون هناك اتفاقات إضافية غير معلنة بين أنقرة وموسكو "ولأننا لا نعرف محتوى المفاوضات ونبرتها التي أوصلت الأمور إلى هذا المنعطف".

ويتشكك لوند أيضاً في أن تكون هناك أي إجابة موضوعية لمن يتساءل عن الطرف الذي يتحمل الجزء الأكبر من الخطأ، لأن الأمر لا يتعلق بقوتين تلتزمان باتفاقاتهما بإخلاص. فالأمر يتعلق بقوتين تستغلّان اتفاقهما المكتوب بنيّة سيئة "لتعزيز مصالحهما في صراع يتعلق بالقوة العسكرية والسياسية أكثر مما يتعلق بتأويلات اتفاق ما".

أضاف أن الاتفاق يتعرض لسلسلة من الانتهاكات والمخالفات منذ أن كُتب، حيث كانت روسيا وتركيا تجدان دائما سبُلا "للالتفاف على هذا عندما تكون لديهما الرغبة في ذلك... لكنهما لا تريدان ذلك بعد الآن".

ويرى ديميتار بيشيف، الزميل الأول غير المقيم في المجلس الأطلسي، أيضاً أن كلا الجانبين لم يلتزم بوعوده.

وقال "فشلت تركيا إلى حد كبير في نزع سلاح هيئة تحرير الشام، التي نجحت في كسب أرضية أكبر منذ الاتفاق الأصلي بين (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين و(الرئيس التركي رجب طيّب) أردوغان".

على الجانب الآخر، جعلت روسيا مبدأ عدم التصعيد "مثاراً للسخرية... وبقولها إن الاتفاق لا يشمل هيئة تحرير الشام، أخذت تستهدف الجميع في المنطقة دون تمييز – بما في ذلك فصائل الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا، والأهم من ذلك المدنيين".

وقال بيشيف "مختصر القول أن المسؤولية مشتركة. لكن الأسد والروس هم في النهاية من تسببوا في الأزمة (التي توقّعها الكثيرون من البداية)".

وأشار كايل أورتون، وهو محلل مستقل متخصص في شؤون الشرق الأوسط، أيضاً إلى أن كلا الطرفين لم يلتزما بتعهداتهما. لكنه أضاف أن تركيا "لم يكن لها أبداً أن تفعل" لأن هيئة تحرير الشام استفحلت وتمكنت في إدلب بشكل أكبر من أن يسمح لتركيا باجتثاثها.

وقال أورتون إن هذا كان مخططاً له، مشيراً إلى أن روسيا وإيران أبرمتا هذا الاتفاق مع تركيا من أجل تهدئة جبهة إدلب، بينما كانتا تقضيان على منطقتي عدم التصعيد الأخريين". وهاتان المنطقتان هما درعا والغوطة الشرقية، اللتان عاود نظام الأسد الاستيلاء عليهما في عام 2018.

وقال أورتون إن "هذا التحرك الدبلوماسي حال دون احتجاج تركيا بشأن درعا، والغوطة الشرقية وبقية المناطق".

أضاف أورتون أن الأسد كان يعرف أنه يستطيع أن يترك إدلب للنهاية، لأنهم كانت لديهم ذريعة وجود هيئة تحرير الشام لتنفيذ هجوم، "وهي ذريعة ممهورة بختم تركيا".

اختتم قوله بالإشارة إلى أن الوضع الحالي لم يكن هناك مفر منه، لأن نظام الأسد وداعميه الروس والإيرانيين مصرون على استعادة السيطرة على سوريا بالكامل، بينما قدرة تركيا على التحكم في مجريات الأمور وتوجيهها على الأرض محدودة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/idlib/analysts-neither-turkey-nor-russia-lived-agreements-syrias-idlib
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.