مايو 15 2019

من مرعى للحيوانات إلى معبد يجذب السياح إلى ديار بكر

صار معبدٌ للإله ميثرا، يعود عمره إلى ما قبل 1800 سنة، فجأة مركزاً لجذب علماء الآثار والسائحين، بعد ان اكتُشف في جنوب شرقي تركيا عام 2017.
والميثرائية ديانة قديمة لا يُعرف عنها الكثير؛ لكنها ظلت لزمن طويل نقطة بداية يربط أصحاب نظريات المؤامرة بينها وبين المنتورون، وهو مجتمع سري يعتقد البعض أنه يدير العالم، وفرسان المعبد – وهم مجموعة كبيرة من المسيحيين المتدينين كانت موجودة خلال القرون الوسطى- والمجتمعات الماسونية.
ويُعتقد أن تلك الديانة القديمة مستلهمة من ميثرا، إله الشمس لدى الفرس الذي يُقال إن عبادته وصلت حتى الإمبراطورية الرومانية على يد الجنود الذين شاركوا في الحملات العسكرية على الفرس.
وقد تكون أهمية الميثرائية لنظريات المؤامرة مرتبطة بنظام الشعائر والطقوس المعقد الذي كان قائماً بين أتباع تلك الديانة؛ فلم يُسمح إلا للرجال بعمل تلك الطقوس، وكان عليهم أن يتحملوا 12 صِنفاً من العذاب من بينها قطع بعض الأوصال، أو طعن أنحاء من الجسم، أو تحمل الجوع والعطش لمدد طويلة جداً.
وقمعت الإمبراطوريةُ الرومانية الميثرائية في نهاية القرن الرابع، حيث كان يُنظر إليها على أنها عدو للديانة المسيحية التي اعتلت مكانة رسمية في الإمبراطورية خلال القرن السابق.
اكتُشف المعبد تحت قلعة زرزيفان في ديار بكر بجنوب شرقي تركيا، وهو في حالة جيدة للغاية مقارنة مع المعابد الأخرى المكتشفة في السابق في أنحاء الإمبراطورية الرومانية.
ويُعتقد أن هذه المعابد جرى تصميمها وفقاً لحركة النظام الشمسي. ويقول البعض إن لها مجالها المغناطيسي الخاص، وهو ما قد يفسر الشعبية التي تحظى بها بين ممارسي رياضة اليوغا، الذين من المعروف أنهم يزورونها على أمل استخلاص القوى الكامنة فيها.
وتتطرف بعض المعتقدات المرتبطة بهذه المعابد إلى أبعد من ذلك، إذ يدّعي البعض بأن هناك أبواباً تشكل نوافذ على عوالم أخرى في تلك المعابد.
كل ذلك الغموض الذي يحيط بالمعبد جلب نحو 352 ألف زائر إلى الموقع العام الماضي، ومن المتوقع أن يكون هناك مليون زائر في عام 2019؛ فالفنادق محجوزة بالكامل لأشهر قادمة، والطلب مرتفع جداً لدرجة أن شركات السياحة طلبت بناء مهبط للطائرات العمودية (الهليكوبتر) بالقرب من قلعة زرزيفان. 
وتقع القاعدة العسكرية القديمة التي تعود إلى الحقبة الرومانية، والمعروفة أيضاً باسم قلعة ساماتشي، على أرض مرتفعة على بعد 13 كيلومتراً من حي شينار بمدينة ديار بكر، وتمتد على مساحة 60 ألف متر مربع.
وفتحت الجيوش الإسلامية الحامية الحدودية الرومانية ذات الأهمية الاستراتيجية، بعد أن ظلت لسنوات تحمي وادياً شاسعاً ومهماً. كان ذلك في عام 639، وتُركت بعدها الحامية شبه مهجورة بشكل كامل على مدى 1400 سنة منذ ذلك الحين، حتى بدأ خبراء الآثار العمل على الأطلال.

قلعة زرزيفان في ديار بكر بجنوب شرقي تركيا
قلعة زرزيفان في ديار بكر بجنوب شرقي تركيا

ومنذ أن بدأت أعمال التنقيب في عام 2014، تم كشف واحد بالمئة فقط من قلعة زرزيفان. ومن المتوقع أن نحصل على رؤية أوسع حول تاريخ هذا المكان مع الكشف عن برج للمراقبة بارتفاع 21 متراً، وكنيسة، ومبنى إداري، ومبان سكنية، ومعبد تحت الأرض، ومخابئ حصينة تحت الأرض، ومقابر صخرية، وقنوات مائية، و54 صهريجاً للماء. ويصف البعض الموقع بأنه "إفسوس الشرق"، في إشارة إلى المدينة الرومانية الواقعة بالقرب من ساحل بحر إيجه في تركيا، التي اكتُشفت في حالة جيدة جداً.
ويقول آيتاش جوشكون، رئيس فريق التنقيب الذي يعمل على تلك الأطلال، وهو عالم آثار في جامعة دجلة، إن القلعة تقع على طريق كانت له أهمية تجارية وسياسية واستراتيجية خلال الحقب الآشورية والفارسية والرومانية.
وعُثر على بعض الآثار التي تعود إلى القرن الثالث خلال أعمال التنقيب، التي يقول جوشكون أنها ستستغرق 50 عاماً، ومن المرجح أن تكشف عن الكثير من الأمور المهمة.
وقال عالم الآثار الكبير إن "الكثير من الأشياء التي كانت تُستخدم في الحياة اليومية خلال الحقبة الرومانية يتم الكشف عنها. وكانت القلعة في أوقات الحرب تؤوي أكثر من عشرة آلاف نسمة، وبها مدينتان، إحداهما فوق الأرض، والأخرى تحت الأرض. وكان السكان يجلبون الماء من مكان يبعد ثمانية كيلومترات." وأشار إلى أن من بين ما تم الكشف عنه "رؤوس أسهم، وأبازيم أحزمة عسكرية، وحُلي كانت تزين الملابس، وأدوات جراحة، وقلائد، ومشابك شعر مصنوعة بمهارة... هناك مجموعة رائعة".
أضاف أن المعبد "يعتبر معبداً مهماً لأنه الوحيد الموجود في الحدود الشرقية للرومان. نعرف أن مثل تلك المعابد كانت موجودة في الأراضي الرومانية، بما في ذلك في إسبانيا وإنكلترا الموجودتان حالياً".
ويبلغ طول المعبد المنحوت في الصخر سبعة أمتار وعرضه خمسة أمتار، وبه مدخل واحد. وقال جوشكون "هنا نرى آثار الرومانيين الوثنيين والرومانيين المسيحيين".
ووفقاً لجوشكون، فإن ما تم التوصل إليه يسلط ضوءاً جديداً على ما نعرفه حالياً عن الديانة الميثرائية. وقال إن "المعبد به الكثير من رموز الميثرائية. بعد أن تم الكشف عن المعبد، أصبحنا قادرين على الإجابة على الكثير من الاسئلة".
أضاف جوشكون أن هناك أناساً جاءوا من أماكن بعيدة كأوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان من أجل زيارة هذا المعبد، في الوقت الذي يسعى فيه منتجو الأفلام السينمائية والوثائقية للحصول على الإذن بالتصوير في الموقع.

صهاريج الماء في قلعة زرزيفان
صهاريج الماء في قلعة زرزيفان

واختار فريق المجلس الدولي للمعالم والمواقع زرزيفان كواحد من أربعة مواقع في العالم لإنتاج فيلم وثائقي حول الإرث الثقافي، بينما تخطط ناشيونال جيوغرافيك لتصوير فيلم وثائقي في قلعة زرزيفان عام 2020 بعنوان "قصة إله"، وفقاً لما قاله جوشكون.
وساعدت أعمال التنقيب واهتمام السياح على إعطاء دفعة للاقتصاد المتداعي في مدينة ديار بكر، التي عانت كثيراً من مشاكل البلاد المالية ومن صراع امتد لأكثر من ثلاثة عقود مع المتمردين الأكراد.
وفي الوقت الحالي يعمل نحو 75 شخصاً في موقع التنقيب. وقال محمد كيزلتون، وهو مزارع سابق يعمل حارساً منذ ثلاث سنوات، كان هذا المكان خالياً في الماضي، وكان الناس يجلبون حيواناتهم هنا للرعي.
"أما الآن بعد أن بدأت أعمال التنقيب، فإن الزوار يتوافدون بالآلاف. أعتقد أن القلعة ستقدم إسهاماً ضخما في اقتصاد المنطقة عندما تفتح أبوابها أمام السائحين".
وظل الغموض يكتنف القلعة طوال قرون منذ استخدامها، لكنها لم تكن مهجورة بشكل كامل عندما بدأت أعمال التنقيب؛ فقد استقرت عائلة انتقلت إلى المنطقة من مدينة مردين جنوب شرقي البلاد في القلعة عام 1890 وأسست قرية هناك.
عاش هؤلاء القرويون في منازل بنوها داخل القلعة وكانوا يكسبون لقمة العيش من رعي الماشية. لكنهم اضطروا إلى الابتعاد لمسافة كيلومترين عام 1967 بسبب نقص المياه وظروف المعيشة الصعبة.
ويشعر القرويون بسعادة غامرة لأن القلعة صارت مركز جذب، ويأملون في أن يسهم هذا في خلق فرص عمل ووظائف للشباب الذين يسكنون المنطقة لكي لا يضطر هؤلاء للبحث عن عمل في أنحاء أخرى من تركيا.
سليم عطا أحد هؤلاء القرويين، وهو من مواليد قلعة زرزيفان التي عاش فيها حتى بلغ عمره 15 سنة. ووفقا لعطا، فإنه كان هناك الكثير من العملات الفضية والذهبية في المنطقة، ولهذا السبب سُمّيت زرزيفان. وتعني كلمة "زر" "الذهب" في اللغة الكردية، أما كلمة "زي" فمعناها الفضة.
ويقول عطا "عندما كنت أعيش في القلعة كنت طفلاً، وكنا معتادين على اللعب هناك. كنا نبني بيوتاً بالحجارة الموجودة في القلعة. كان هناك الكثير من الأشياء النحاسية في القلعة. كانت هناك بعض العملات النحاسية عليها صور نساء".
أضاف أن القلعة شهدت أيضاً المذبحة الأرمنية عام 1915. وقال الرجل القروي "والدي، الذي كان شاهداً على كل ذلك حكى لنا. وقد ذكر أن الأرمن كانوا يُنقَلون إلى القلعة في جماعات بعد قطع رؤوسهم بالسيوف، وكان يتم إلقاؤهم في صهاريج المياه. كنا معتادين على أن نرى عظامهم، وربما ما زالت هناك".

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/archaeology/newly-discovered-temple-mithras-makes-turkeys-diyarbakir-touristic-attraction