منتدى اقتصادي للمعارضة يبعث الأمل في حل مشاكل تركيا

 

على الرغم من أن بعض القوى داخل حزب  الشعب الجمهوري وخارجه تسعى إلى إشغاله بأجندات يومية عابرة لا أهمية لها، إلا أن إدارة الحزب تصرّ على التركيز على الأجندة والمشاكل الحقيقية لتركيا.
أحدثُ مثالٍ على ذلك المنتدى الاقتصادي الذي نظمته بلدية "مالتبه" في إسطنبول التابعة للحزب الجمهوري، حيث وضع المشاركون في المنتدى الاقتصاد على طاولة التشريح بأبعاده المحلية والدولية خلال يومين متتاليين.
وقد حضر المنتدى كبار مسؤولي الحزب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وفي مقدمتهم رئيس الحزب كمال كليجدار أوغلو ونوابه وأعضاء البرلمان، وعمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، ورئيسة شعبة الحزب في إسطنبول جانان قفطانجي أوغلو ورؤساء البلديات التابعة للحزب، إلى جانب الأكاديميين الخبراء والكتاب المتخصصين من تركيا وبلدان مختلفة من العالم.
الكلمة الافتتاحية التي ألقاها رئيس بلدية مالتبه علي قيليج، وخطاب كل من كليجدار أوغلو والاقتصادي الشهير عالميًّا دارون عجم أوغلو كانت مفتوحة لوسائل الإعلام، في حين أن جلسات المنتدى الاقتصادي الأخرى كانت مغلقة، حيث تم تطبيق قاعدة "تشاتام هاوس" (Chatham House Rule) في هذه الجلسات.
وقد قال رئيس البلدية علي قيليج في كلمته الافتتاحية: "إن المناخ السياسي والمشاكل الاقتصادية في البلاد يؤديان إلى هجرة الأدمغة ورؤوس الأموال"، وعزا سبب ذلك إلى "عدم ثقة الناس بمستقبل تركيا". ومن ثم اختتم كلمته قائلاً: "يجب علينا باعتبارنا إدارات محلية أن نناقش مشاكل تركيا، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، ومن ثم نحاول إيجاد حلول لها، وذلك إلى جانب الخدمات البلدية الأخرى".
وقد تناولت جلسات المنتدى قضايا اقتصادية تحت عناوين مختلفة، من بينها "الوضع الراهن للاقتصاد التركي والعالمي والتوقعات"، و"توجهات جديدة في السياسة الاقتصادية"، و"التحولات الحادثة في ظاهرة التحضّر في تركيا والعالم"، و"السياسة المالية المستدامة للبلديات" وغيرها.
وقد قدم دارون عجم أوغلو، الأستاذ التركي أرمني الأصل بمعهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا بالولايات المتحدة إسهامًا نوعيًّا، حيث تناول المشكلة الإنتاجية في تركيا من خلال بحثٍ حمل عنوان "خارطة طريق تركيا في ضوء التطورات الاقتصادية العالمية".
واعترف عجم أوغلو بأن تركيا تحقّق نموًّا، لكنه أكد في الوقت ذاته أن هذا النموّ مفتقر إلى النوعية والكفاءة والإنتاجية، وأرجع السبب الرئيسي لذلك إلى تدني جودة التعليم قائلاً: "عندما تنخفض جودة التعليم تنخفض معها جودة ونوعية الإنتاج".
أفاد عجم أوغلو أيضًا أن ثلثي القروض الخارجية تُستثمر في قطاع البناء، مشيرًا إلى أن ذلك قد يوفر فرص عمل إلا أنه أسلوب غير فعّال ولا يمثل إنتاجًا حقيقيًّا.
ولفت عجم أوغلو إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لغياب معايير الكفاءة والإنتاجية هو بدء المؤسسات الديمقراطية في فقدان قوتها اعتبارًا من عام 2006، وأكد أن تدهور الهياكل السياسية، وانتشار شتى أنواع الفساد في المؤسسات، والإخلال بالموازين الموجودة في توزيع الدخل، وغياب الحقوق والحريات الأساسية من العوامل التي تضعف الديمقراطية.
نوّه عجم أوغلو أيضًا بأن النظام الرئاسي المطبق في تركيا منذ 2017 أضفى الطابع المؤسسي على هذا الخلل، مؤكدًا أن العودة إلى النظام البرلماني مرة أخرى ستشكِّل أحد عناصر العودة إلى الديمقراطية مجددًا.
في اليوم الثاني من المنتدى، ألقى زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو خطابًا جديدًا تعرض خلاله لعدد من القضايا الاقتصادية، وذكر أن 8 ملايين و647 ألفا و282 مواطنًا يحصلون على دخل شهري تحت سقف 673 ليرة تركية (118 دولارًا)، في حين أن 847 ألفًا و643 متقاعدًا يحصلون على دخل شهري لا يتجاوز ألف ليرة (174 دولارًا).
كما قدّم كليجدار أوغلو خلال خطابه في اليوم الثاني من المنتدى خطة للخروج من الأزمة الاقتصادية في تركيا، وذهب إلى احتمالية أن يكون الدافع الأساسي وراء تنفيذ الاستثمارات في قطاع البناء والإنشاء على وجه الخصوص هو الرغبة في تمويل السياسة بالواردات التي يقدمها هذا القطاع، ثم خلُص إلى أن الخروج عن القوانين واللوائح المنظمة لأعمال قطاع البناء يفتح الباب أمام ممارسات الفساد.
قال كليجدار أوغلو إن الاقتصاد يتصدر أجندات تركيا، وهناك كثير من الأمور يجب تحقيقها بصورة عاجلة في هذا الصدد، وأضاف: "إننا ندرك ماهية المشاكل الاقتصادية التي تواجه تركيا اليوم، ونحن مستعدون لتسويتها بشكل فعّال، ومن أجل تحقيق هذه الغاية عازمون على تسلم السلطة من الحزب الحاكم. وإننا سننجح في الانتخابات العامة كما نجحنا في الانتخابات المحلية".
أودّ أن أذكر هنا ملاحظتين برزتا خلال جلسات المنتدى الاقتصادي؛ فقد قدّم أحد الأكاديميين القادمين من العاصمة أنقرة تشخيصًا لافتًا قال فيه: "أحد مشاكلنا في الاقتصاد هو فخّ الدخل المتوسط. وقد أصبح قدوم المهاجرين السوريين إلى تركيا عاملاً أخَّر تخلُّص البلاد من هذا الفخ عشر سنوات على أقل تقدير".
أزعم أن هذا تشخيص في غاية الأهمية ويستحق الوقوف عنده.
والملاحظة المهمة الثانية جاءت من رئيس بلدية إسطنبول ‏أكرم إمام أوغلو، ‏إذ قال: "لدينا قوة وحيدة فقط ألا ‏وهي الشفافية. سنحقق مزيدًا من النجاح كلما التزمنا الشفافية. العنصر الثاني الذي يُكمل الشفافية هو النهج الإداري القائم على المشاركة الفعالة والعقل الجمعي. نحن نفضِّل الوفاق والاتفاق بدلا من الاستقطاب. الجدارة والأهلية ستكونان أولويتنا. هذا جيل جديد من الإدارة المحلية والسياسية إن صح التعبير. نحن نحاول أن نكون مُمثلين لهذا النوع الجديد من الإدارة والسياسة".
إن المنتدى الاقتصادي الذي أقامته بلدية مالتبه في إسطنبول ‏واستمر يومين أصبح فرصة جيدة للتركيز على المشاكل الاقتصادية في تركيا. أعضاء الحزب الجمهوري الذين قابلتهم وتحدثت معهم في المنتدى لم يتطرقوا بأي شكل من الأشكال إلى قضية "العضو الذي ذهب إلى القصر الرئاسي من أجل التواطؤ مع أردوغان على إسقاط كليجدار أوغلو من منصب رئاسة حزب الشعب الجمهوري"، وإنما اكتفى أحد نواب رئيس الحزب بالقول: "هذا النقاش غير مدرج ضمن أجندة حزبنا، بل إنّ أجندتنا هي المشاكل الحقيقية لتركيا التي يأتي الاقتصاد على رأسها".
أعتقد أن مبادرة حزب الشعب الجمهوري إلى وضع المشاكل الاقتصادية على طاولة التشريح بمشاركة الخبراء والمتخصصين في مجالاتهم، وتقديم الحلول التي أنتجتها جلسات المنتدى للرأي العام، ينطوي على أهمية كبيرة، ويشكل خطوة مهمة نحو رفع الإدارات المحلية في البلاد صوتها أكثر من السابق في تشخيص مشاكل تركيا وتحديد علاجاتها.
 

- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:
 

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/siyasetin-finansmani-insaattan-mi-geliyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.