مرتزقة تخلت عنهم تركيا يهجرون القتال

دبي - ذكرت تقارير دولية وعربية والمرصد السوري لحقوق الإنسان مؤخرا أن دفعات من المرتزقة السوريين الذين جندتهم تركيا للقتال في ليبيا ولاحقا في أذربيجان خلال النزاع بين الأخيرة وارمينيا حول في إقليم قره باغ (جنوب القوقاز)، عادت من طرابلس وباكو إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية في شمال سوريا وهي مناطق في غالبيتها مشمولة بالاحتلال التركي وأن معظم هؤلاء المرتزقة هجروا القتال والفصائلالموالية لأنقرة والتي كانوا يقاتلون في صفوفها. 

مصير هؤلاء بعد أن انتهت مهمتهم وكانوا يتقاضون رواتب تقدر بألفي دولار للفرد الواحد قبل أن تتراجع إلى 500 دولار تحت وطأة الأزمة المالية التي تمر بها تركيا، بقي إلى فترة غير معلوم إلى أن سلط المرصد السوري لحقوق الإنسان الضوء على هؤلاء الذين تخلت عنهم أنقرة بعد أن نفذت بهم مهمات قتالية ودفعت بهم إلى الصفوف الأمامية على جبهات القتال في ليبيا ولاحقا في قره باغ.

والمؤكد أن عدد منهم قتل في جبهات المواجهة ومن نجا منهم عاد ليفتتح مشاريع صغيرة في شمال سوريا بعد أن قرروا هجر القتال كرها فتركيا لم تعد قادرة على تمويل الآلاف منهم كما أن المتغيرات الجيوسياسية أجبرتهم على العودة بحثا عن لقمة العيش بعيدا عن ثقل السلاح وأزيز الرصاص.

ففي ليبيا التي مزقها صراع مسلح في السنوات الأخيرة بين سلطتين (واحدة في الشرق والأخرى في الغرب) تتنازعان الشرعية، ولدت حكومة وحدة وطنية من رحم ضغوط دولية وبات على عاتقها إنهاء الوجود العسكري الأجنبي وفي صدارته الوجود التركي والتهيئة لانتخابات عامة بنهاية العام الحالي.

وفي اذربيجان، انتهى القتال بعد أن انتزعت باكو مناطق واسعة من قره باغ وخفتت أصوات الرصاص بعد تفاهمات تركية روسية ولم يعد لوجود المرتزقة السوريين، اي داع وهم يشكلون عبئا ماليا على موازنة تركيا التي أرهقتها التدخلات الخارجية التي يقودها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مدفوعا بطموحات شخصية وتوسعات استعمارية لاستعادة مجد عثماني عفا عليه الزمن.

وكانت تركيا قد دفعت بآلاف المرتزقة جندتهم من فصائل سورية موالية لها ويقدر عددهم بين 10 إلى 16 ألف مرتزق، وذلك للقتال إلى جانب ميليشيات حكومة الوفاق السابقة في مواجهة هجوم أطلقه الجيش الوطني الليبي في أبريل 2019 بقيادة المشير خليفة حفتر لـ"تطهير" العاصمة طرابلس من الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة الموالية لحكومة فايز السراج.

وترددت أنباء بعد إعلان ولادة سلطة تنفيذية جديدة تشمل حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبدالحميد دبيبة ومجلس رئاسي بقيادة محمد المنفي ونيلها الثقة من البرلمان في مارس الماضي، تفيد بأن تركيا بدأت في سحب دفعات من مرتزقتها من ليبيا لكن عدد المنسحبين لايزال مجهولا إلا أنه لم يبلغ الصفر بعد.

ودفعت أنقرة لاحقا ببعض الدفعات التي سحبتها من ليبيا إلى أذربيجان للقتال إلى جانب القوات الأذرية في المعارك التي شهدها إقليم نوغورنو قره باغ الذي كانت تسيطر عليه أرمينيا. وانتهت المعارك باتفاق بين باكو ويريفان برعاية روسية وتفاهمات مع تركيا.

ونشرت قناة 'الحرة' الأميركية تقريرا نقلا عن المرصد السوري لحقوق الإنسان على موقعها الالكتروني أشارت فيه إلى أن هؤلاء المرتزقة ممن عادوا من جبهات القتال من ليبيا وأذربيجان غالبيتهم يقيمون في مناطق الاحتلال التركي في شمال سوريا وفي مدينة عفرين في ريف حلب الشمالي.

وبحسب المصدر ذاته افتتح عدد منهم مشاريع لضمان ايرادات بعد أن تقطعت بهم السبل وتخلت عنهم تركيا.

وأحد هؤلاء افتتح قاعة سباحة بالشراكة مع آخرين في عفرين بعد أن ساهم بنحو 10 آلاف دولار وهي حصيلة جناها من البقاء في طرابلس لمدة 6 أشهر وكان يقاتل مع 'فرقة الحمزة' احدى فصائل الجيش الحر الذي تشرف عليه المخابرات التركية.

ويقول هذا المقاتل انه اضطر للذهاب للقتال في ليبيا لإعالة عائلة تتكون من ستة افراد بعد أن كان يعمل في أعمال حرة لا تدر عليه إلا القليل من المال.

وأمثال هذا المرتزق كثيرة وقد استغلت تركيا حالة العوز التي يعيشها كثيرون في مناطق الاحتلال التركي، لتجنيدهم وإرسالهم إلى جبهات القتال في ليبيا وأذربيجان.

ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان إن "هذا الشاب واحد من العشرات أو ربما المئات الذين تركوا صفوف الفصائل المسلحة بعد عودتهم إلى سوريا ليباشروا العمل في مشاريع خاصة صغيرة".

وعرض المرصد لحالة أخرى لشاب قال إن وضعه المعيشي كان سيئا قبل الانتقال للقتال في ليبيا وكان قبلها ضمن فصيل 'سلطان سليمان شاه'  أحد فصائل المعارضة السورية الموالية لتركيا وكان يجني 70 دولارا وهي غير كافية لتأمين الحياة لعائلته.

وقال "الأوضاع المعيشية السيئة أجبرتني على المشاركة  في الحرب الليبية دون أن يعيني بطبيعة الحال من المنتصر فيها"، مضيفا أن حاله كحال الآلاف ممن "غررت بهم تركيا بالتعاون مع قيادات فصائلهم واستغلال حاجتهم لإعاشة عائلاتهم".

مرتزق آخر كان يقاتل في فيلق الشام (تنظيم إسلامي متشدد) قال إنه قاتل في ليبيا لمدة خمسة أشهر تقريبا وجنى مبلغا قدره 7500 دولار، استثمرها في شراء سيارة أجرة بعد عودته بلدة كفرتخاريم شمال غربي إدلب.

وقال "تركت  فصيل فيلق الشام بعد عودتي من ليبيا لأعمل على سيارة الأجرة التي اشتريتها وأنقل يوميًا عدة زبائن يقوم بتقديم إلى مناطق مختلفة في الشمال السوري لأتمكن من تحمل أعباء مصاريف عائلتي المكونة من 4 أفراد".

ويقول آخرون إنه بعد عودتهم من ليبيا وأذربيجان، تركوا الفصائل التي كانوا يقاتلون في صفوفها وافتتحوا مشاريع صغيرة لإعالة عائلاتهم.