أحوال تركية
أكتوبر 07 2019

مساعي أردوغان لصياغة خريطة ديمغرافية جديدة شمال سوريا

إسطنبول - هل تنجح تركيا بتغيير الخريطة السكانية في شمال سوريا؟ هل تستقيم لها فكرة إقامة منطقة آمنة وإسكان مليوني سوري فيها، بحسب مزاعم الرئيس أردوغان؟ إلى أيّ حدّ ينفّذ أردوغان تهديداته باجتياح شرق الفرات بالكامل وبالتالي صياغة خريطة ديمغرافية جديدة فيها تتناسب مع التوجّه التركي إفراغ المنطقة من سكّانها الأكراد؟

يحرص أردوغان على تقديم نفسه كزعيم قوي لا يمكن لأحد كسر شوكته والتأثير على هيبته، ويقوم بتأجيج العنصرية تجاه الأكراد، وزرع الفتنة والشقاق بين أبناء المنطقة، بما يكفل له إدامة نفوذه عليها وسيطرته على مقدراتها واستقلاليتها، فهل يتمكن من تحقيق ذلك؟ وهل ينجح في تعميم مخططه العدوانيّ؟ وهل تغضّ القوى العظمى النظر عن سلوكياته الاستفزازية ومحاولات ابتزازه المستمرة لها بأوراق ضغط يشهرها بين الحين والآخر؟

لا يخفى أنّ الإدارة الذاتية الكردية أصبحت الهمّ الرئيس المقلق للرئيس أردوغان الذي يسعى بكلّ جهوده من أجل القضاء عليها، بذريعة محاربة الخطر الذي يتهدّد تركيا، وذلك لتبديد أيّ محاولة لبلورة كيان كرديّ في سوريا من شأنه تشكيل خطر على تركيا، وتحريض أكراد تركيا على التمرّد والثورة للمطالبة بحقوقهم المسلوبة.

يلجأ أردوغان إلى سياسة القضم المتتالي للأراضي السورية، وإنشاء مناطق تابعة لتركيا فيها، حيث تسيطر جماعات من مرتزقة المعارضة السورية الموالية لها على ما يسمّى بمناطق درع الفرات، بالإضافة إلى منطقة عفرين التي ترزح تحت غزو تركيّ مباشر، وبتواطؤ ومشاركة من مرتزقة إسلاميين من الميليشيات السورية المعارضة التي أصبح هدفها محاربة الأكراد، وتنفيذ الأوامر والإملاءات التركية، وليس محاربة النظام كما تزعم.

ولا يتورّع عن استعمال أيّة وسيلة من أجل ضرب أيّ مشروع كرديّ، وإفراغ المنطقة من ابنائها، وإحلال آخرين موالين له فيها، بحيث يضمن نسف أيّ حلم كرديّ في المستقبل، وتحويل الأكراد إلى أقلية في مناطقهم وأماكن توزّعهم شمال سوريا.

كما يعمل أردوغان على ترويج مزاعمه بضرورة وضع حدّ لمشكلة اللاجئين السوريين المتفاقمة، ويقوم بالضغط على أوروبا بهذه الورقة التي يشهرها للابتزاز، والمطالبة بمزيد من الدعم الاقتصادي والسياسي له، بحجة أنّه يحمي الحدود الشرقية لأوروبا، ويدفع عنها موجات هجرة مليونية، ويتحمّل عبء مواجهتها، ويفرض عليهم شروطه وإملاءاته بناء على ذلك. كما أنّه يحاول إظهار هزيمته، وهزيمة الجماعات المتشددة المدعومة من قبله في إدلب على أنّه انتصار، ويقوم بتوجيه بنادق المرتزقة الجهاديين إلى الأكراد، ووعده لهم بتوطين اللاجئين من إدلب وغيرها في المنطقة الآمنة التي يخطط لإنشائها.

خطة أردوغان تعكس إعادة الهيكلة الديموغرافية العنيفة في سوريا
خطة أردوغان تعكس إعادة الهيكلة الديموغرافية العنيفة في سوريا

وفي مقال له بصحيفة فاينانشال تايمز، أشار الكاتب ديفيد جاردنر إلى أن الهدف الحقيقي لأردوغان، بحسب الخبراء في القضية الكردية، هو التغلب على الحكم الفعلي الذي أقامه الأكراد السوريون في الأراضي السورية التي يسيطرون عليها بدعم جوي أميركي في الحرب ضد داعش، أي أن الهدف هو تغيير التركيبة السكانية وتخفيف تركز الأكراد في تلك المناطق من خلال فتح الباب أمام دفعات هائلة من العرب السُنة إلى تلك المناطق".

ويلفت إلى أنّ خطة أردوغان لا تعد واقعية، وأنها تعكس إعادة الهيكلة الديموغرافية العنيفة التي تجري في بقية أنحاء سوريا. كما ينوه إلى أنه "ليس هناك سوى القليل من النقاشات الواضحة حول كل ما يجري في سوريا داخل العواصم الغربية، ولكن الواقع هو أن أوروبا مرعوبة بسبب الخوف من موجات أخرى من الهجرة من سوريا كما كان الحال في عامي 2015 و2016، وهو ما حفز موجات الشعبوية الهائلة التي اجتاحت أوروبا، في وقت تتعرض فيه الولايات المتحدة إلى حالة تشتيت وارتباك كبرى تحت حكم الرئيس دونالد ترامب، بشكل يمنعها عن التركيز على تلك القضية."

وبحسب بيان لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، فإنّ  أنشطة تركيا السيادية تتواصل في مناطق احتلالها شمال سوريا، حيث قررت مؤخراً فتح ثلاث جامعات بمناطق عفرين وإعزاز والباب، في سياق سياساتها الرامية إلى إضعاف ارتباطها الوطني وتبديد هويتها، ضمن مفهومٍ توسعي عثماني جديد، يخطط له أردوغان وطاقم حزبه العدالة والتنمية، بينما الحكومة السورية لا تُحرك ساكناً سوى إطلاق بعض تصريحاتٍ مقتضبة رافضة ونشر بعض التقارير الإعلامية.

وعملت تركيا على توطين مقاتلي المعارضة السورية النازحين من مناطق الغوطة الشرقية وريف دمشق مع أسرهم في عفرين، وطرد السكان الأكراد من بيوتهم وقراهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم بحجج مختلفة.

وعلى الرغم من محاولات أردوغان نفي أن تكون لبلاده رغبة في احتلال مناطق من سوريا وتأكيده أن أنقرة ترغب في عودة الملاك الشرعيين لتلك المناطق، إلا أنّ مظاهر الاحتلال التركي لعفرين واضحة في كل مكان من المنطقة. وبعد أكثر من سنة من انتزاع تركيا وميليشيات تابعة لها السيطرة على منطقة عفرين من قبضة وحدات حماية الشعب الكردية المسلحة، فإنها بدأت بتغيير ديمغرافي كبير فيها، وطرد أهلها في مسعى لإعادة هيكلة خريطتها السكانية بما ينصبّ في مصلحة تركيا.

وقبل أكثر من عامين توغلت تركيا شرقا بشكل أكبر في شمال سوريا في عملية أُطلق عليها اسم درع الفرات للقضاء على مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، ووقف تقدم وحدات حماية الشعب الكردية. وأصبح لتركيا وجود هناك منذ ذلك الوقت وبدأت في فتح مدارس والمساعدة في إدارة مستشفيات.

وفي هذه المنطقة يدرس تلاميذ المدارس اللغة التركية كما توجد لافتات إرشادية باللغة التركية وقوة شرطة دربتها تركيا ومكتب بريد تركي. واتهمت دمشق تركيا بأن لها أطماعا استعمارية بينما يندد بعض الناشطين السوريين بما يصفونه بإضفاء الطابع التركي على المنطقة.

ونتيجة لذلك، فإنّ أبناء المنطقة من الأكراد يؤكّدون رفضهم للغزو التركي لمناطقهم، وتحديهم للمطامع التركية بالاستيلاء على أرضهم، وتشريدهم منها، كما يؤكّدون أنّهم لن يتوانوا عن مقاومة هذا الغزو بأيّ وسيلة متاحة لهم.