جان تيومان
أغسطس 22 2019

مشكلة تقديم البنوك الخاوية قروضاً في تركيا

يمكن تعريف البنك بأنه الشركة التي تشتري الأموال بأسعار منخفضة (الفائدة) ثم تبيعها بأسعار مرتفعة. لذلك، من المتوقع أن يحقق البنك ربحًا من كل معاملة إقراض. وتبيِّن الممارسات الفعلية في هذا الصدد أن البنك تزداد أرباحه كلما زادت عمليات إقراضه وتنخفض أرباحه كلما قلت عمليات إقراضه.

هذه العبارات هي تعبير عن العقلانية الرياضية التي يقرّها القطاع المالي، وإن كانت هناك استثناءات من هذه القاعدة.

على سبيل المثال، قد يتجه البنك لتحويل القروض إلى استثمارات غير عقلانية بناء على طلب رئيسه، وهذا يؤدي إلى الضرر بطبيعة الحال. أفضل مثال على ذلك تعثُّر رؤساء البنوك في سداد القروض المقدمة لهم من أجل أعمالهم ومشاريعهم الأخرى في أزمة عام 2001.

أو تقوم الإدارة المصرفية بإجراء استثمارات خاطئة انطلاقا من دوافع أخرى بدلا من الربح. فمثلا، قد يتورط البنك في السياسة ويتوجه للاستثمار في مجالات غير فعالة تماشيًا مع المصالح السياسية للحزب الذي يؤيده. كل ذلك من الأسباب التي تتسبب في الضرر للبنوك.

ومن الممكن أن نضيف إلى ذلك الخسائر الناتجة عن الوظيفة (الأداء السيئ أو الإهمال) أثناء أزمة 2001 التي أسفرت عن انهيار البنوك العامة.

مهما كانت العوامل التي تشوّه الهيكل المالي للبنك، فإنه يقوم على نفس المبدأ الأساسي: عدم قيام رئيس البنك/ الإدارة بتغطية تكاليف الاستثمارات المنفذة وفقًا لطلب الرئيس/ الإدارة. وهذا ما نشهده في النظام المصرفي التركي في الوقت الحاضر.

وفقا لمعطيات هيئة التنظيم والرقابة المصرفية، انخفض إجمالي ربح النظام المصرفي التركي بنسبة 14.6 في المئة في نهاية يونيو من هذا العام. وإذا أخذنا التضخم في الاعتبار، فإنه يكون قد طار أو ذاب ثلث الأرباح. في حين انخفض صافي ربح أكبر 10 بنوك حملت على عاتقها أعباء الإقراض في القطاع بنسبة 24.3 في المئة على أساس سنوي. وإذا أردنا التمييز بين القطاعين العام والخاص، فإن انخفاض الأرباح هو 44.8 في المئة و13.6 في المئة على الترتيب.

من الممكن أن نستنتج من هذا أن النظام المصرفي التركي ككل خلّف وراءه عاما سيئا، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى الانخفاض غير العادي في ربحية بنوك الدولة.

بينما كانت البنوك العامة زادت قروضها في العام الماضي أسرع ثلاث مرات من القطاع الخاص. فقد كان متوسط معدل نمو الائتمان في البنوك الحكومية الثلاثة المحتلة للمراكز العشرة الأولى في البلاد بلغ 22 في المئة، فيما تبقت نسبة البنوك الخاصة السبعة في القائمة نفسها عند حدود 6.7 في المئة فقط.

وطبقًا لهذه الأرقام، فإنه كان من المفترض أن ترتفع ربحية بنوك الدولة مع زيادة حصتها في السوق التي تلقتها من القطاع. لكن العكس هو الذي وقع، ويرجع سبب ذلك إلى الظروف الاستثنائية التي ذكرتها في مدخل المقال.

كما يتبين من الأمثلة التي سُقناها أعلاه فإن الظرف الاستثنائي بالنسبة لتركيا هو أن البنوك العامة تحظى برعاية سياسية وتخدم مصالح السلطة. لذلك، قدمت البنوك العامة المزيد من القروض، مع علمها أنها ستخسر. وفي النهاية انخفضت ربحيتها بسرعة كبيرة. ليست البنوك العامة فقط من وقعت تحت تأثير السياسة، بل المصارف الخاصة هي الأخرى التي أخذت نصيبها من ذلك. حيث إن السياسة تسببت عمدًا في زيادة قروض بعض البنوك الخاصة أيضًا وبالتالي زيادة خسارتها؛ نظرا لتعثر تلك القروض.

لا يرجع السبب الرئيسي في انخفاض الربحية إلى الفرق الشاسع بين الأموال التي تجمعها البنوك والأموال التي تبيعها. لأنه على الرغم من انخفاض أرباح القطاع المصرفي بنسبة 15 في المئة، إلا أن صافي دخل الفوائد شهد ارتفاعا بنسبة 10 في المئة في العام الماضي. بمعنى أن الربحية بين الفائدة المدفوعة على الودائع والفائدة المدفوعة على القروض لا تزال مرتفعة بطريقة أو بأخرى.

وفي مقابل ذلك، فإن عدم توافق قرارات الإدارة العامة (الحكومة) مع ظروف السوق، هو السبب الرئيسي وراء انخفاض ربحية بنوك الدولة. حيث كانت الإدارة الاقتصادية اتخذت قرارا مفاجئا قبل الانتخابات بهدف زيادة الائتمان، وأجبرت مديري البنوك على القيام بذلك. لكن هذه القرارات أفضت إلى تقلبات في أسعار الصرف، وزيادة أسعار الفائدة في سوق المقايضة التي يتحوَّل إليها التدفق النقدي الرئيسي للبنوك التركية. وهو الأمر الذي زاد بشكل كبير من الخسائر التجارية للبنوك بسبب إدارتها السيولة اليومية.

يوضح الجدول أدناه القروض السنوية والأرباح/ الخسائر التجارية وصافي أرباح البنوك:

يتمثل العنصر الرئيسي للخسائر التجارية بالجدول في الزيادة السريعة للخسائر في معاملات الصرف الأجنبي والمقايضة. فعلى سبيل المثال، زادت خسارة بنك الزراعة من معاملات المقايضة من 1.2 مليار ليرة إلى 4.7 مليار ليرة في غضون عام. والنتيجة الأخرى التي تَظهر من الجدول هي أن البنوك العامة عندما تقدم مزيدًا من القروض تقوم بتمويلها بقروض قصيرة الأجل من الأسواق.

وعندما تحدث تقلبات سريعة في أسواق المال، فإن هذا يزيد بسرعة من الخسائر التجارية الناجمة عن إدارة السيولة ويسبب انخفاضًا كبيرًا في صافي الربح. أما البنوك الخاصة فيبدو أنها كذلك تتبع الطريقة ذاتها لكن بمستوى معقول، ولذا تكون خسائرها الناجمة عن تقلبات السوق أقل مقارنة بالبنوك العامة.

بطبيعة الحال، فإن الديون التي تحصل عليها البنوك عن طريق معاملات المقايضة والخسائر الناجمة عن فتحها مركز صرف العملات الأجنبية ليسا التفسير الوحيد لانخفاض الأرباح. فمخصصات القروض المتعثرة هي السبب الآخر لانخفاض أرباح البنوك. أما بالنسبة لعشرة بنوك كبيرة، فإن المعطيات تدل على أن 4 مليارات ليرة من من مجموع خسارة أرباحها البالغة 6.1 مليار ليرة مقارنة بالعام الماضي نتجت عن زيادة خسائرها التجارية.

النتيجة الأخرى التي تظهرها تلك البيانات هي أن القروض المقدمة من البنوك دون أموال كافية تؤثر في الخسائر. لأن الأرقام تكشف أن البنوك التي تقترض ديونا قصيرة الأجل من سوق المال لتقديم قروض للزبائن، بدلا من زيادة حجم ودائعها بصورة كافية، تتعرض لخسائر أكثر.

ومن ثم تظهر أمامنا النتيجة الحتمية لهذا النهج: القروض المقدمة بدون أموال، خضوعًا لضغوط السلطة السياسية، لا تأتي بالأرباح. ولذلك تخسر البنوك كلما قدمت مزيدًا من القروض؛ وتربح كلما قدمت قليلاً، في الحالة التركية.

هذه النتيجة المثيرة تبعث على التفكير في تركيا التي علّقت كل آمالها على تقديم البنوك مزيدًا من القروض الرخيصة في الأيام القادمة من أجل تحقيق النمو الاقتصادي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/bankacilik-kredi-veren-zarar-vermeyen-karli-cikiyor