مسلمو الصين الذين صاروا سعداء

احوال (خاص) – ربما لم يكن مسلمو الصين يحسبون ان من ارسل اليهم عشرات الرسائل التي تحرضهم وتساندهم سوف ينقلب عليهم فجأة.

الرسائل الاعلامية والخطابات الرنانة بخصوص مسلمي الصين كانت الشغل الشاغل للرئيس التركي رجب طيب اردوغان وحكومته بوصف تلك العرقية انها تعيش اتعس حياة يمكن تخيلها، لم تكن تلك الحملات الاعلامية بعيدة بل جرت سجالا ضد الصين في مطلع هذا العام وما قبله مما هدد بنسف العلاقات التركية – الصينية من اساسها.

وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، كان قد طالب السلطات الصينية بوقف الانتهاكات التي تطال حقوق الايغور في الصين.

واوضح جاويش أوغلو في كلمة خلال مشاركته في النسخة الـ 40 لمجلس حقوق الإنسان، أن التقارير التي تشير إلى وجود انتهاكات كبيرة لحقوق اتراك الايغور والاقليات المسلمة في اقليم تركستان الشرقية، تثير القلق.

واضاف جاويش أوغلو ان على الحكومة الصينية التمييز بين الأبرياء والإرهابيين، والتعامل مع الاقليات في اقليم تركستان الشرقية، انطلاقا من مبدأ الالتزام بحقوق الإنسان والحفاظ على الهوية المسلمة في الاقليم.

وجدد جاويش أوغلو مطالبة تركيا للسلطات الصينية بوقف انتهاك حقوق الإيغور واحترام الحريات الدينية للاقليات المسلمة في تركستان الشرقية.

واستند جاويش اوغلو الى تقارير كانت قد نشرت في ديسمبر الماضي، قالت فيها مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشليه إن مكتبها يسعى لترتيب زيارة للإقليم للتحقق من "تقارير مثيرة للقلق" عن مراكز احتجاز تسميها الصين "معكسرات إعادة التثقيف السياسي"، وتضم مسلمي الأويغور.

الحكومة التركية كانت قد طالبت السلطات الصينية بوقف الانتهاكات التي تطال حقوق الايغور في الصين.
الحكومة التركية كانت قد طالبت السلطات الصينية بوقف الانتهاكات التي تطال حقوق الايغور في الصين.

وتشير إحصائيات رسمية إلى وجود 30 مليون مسلم في الصين، 23 مليونا منهم من الأويغور، فيما تؤكد تقارير غير رسمية أن أعداد المسلمين تناهز الـ100 مليون، أي نحو 9.5 بالمئة من مجموع السكان.

الحكومة التركية اعادت الكرة مجددا اذ اعلنت أن كيفية تعامل الصين مع أقلية الاويغور المسلمة تشكل عارا على الإنسانية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية حامي اقصوي في بيان له نشر في فبراير الماضي إن "سياسة الاستيعاب المنهجي للسلطات الصينية بحق الاويغور الاتراك هي عار على الإنسانية".

وشهد اقليم شينجيانغ، حيث يشكل الاويغور الاتنية الرئيسية، توترا شديدا واعتداءات دامية قبل ان تفرض عليه في الاعوام الاخيرة رقابة شديدة من جانب الشرطة.

ويقول خبراء ومنظمات حقوقية إن ما يصل الى مليون مسلم محتجزون في مراكز لاعادة التأهيل السياسي في الاقليم.

لكن بكين تنفي هذه الاتهامات وتتحدث عن مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرف. وتؤكد ايضا أن الاجراءات الامنية في شينجيانغ ضرورية لمحاربة التطرف ولا تستهدف مجموعة إتنية محددة.

واضاف اقصوي أن "الاويغور غير المحتجزين في معسكرات يتعرضون أيضا لضغط شديد"، داعيا المجتمع الدولي والامين العام للامم المتحدة الى ما وصفه "وضع حد للمأساة الانسانية التي تحصل في شينجيانغ".

وأكد اقصوي أنه تبلغ بموت شاعر من الاويغور خلال احتجازه يدعى عبد الرحيم هاييت، وتابع وفق البيان أن هذا الحادث المأسوي عزز رد فعل الرأي العام التركي حيال الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان في شينجيانغ".

كان من الملفت للنظر مناورة حكومة العدالة والتنمية بأوراق اقلية الايغور ولها تاريخ في هذه المناورة، اذ بعد دفاعها بشدة عن الأويغور المسلمين الناطقين بالتركية، اوقفت حكومة العدالة والتنمية انتقاداتها منذ عام 2016 تجنبا لاغضاب بكين في سياق مشاكلها الاقتصادية وعزلة أنقرة المتزايدة في الغرب.

ومثال على ذلك، وفي عام 2009، اتهم اردوغان، رئيس الوزراء آنذاك، بكين بارتكاب "نوع من الإبادة الجماعية" ضد الأويغور.

لكن مع بداية هذا العام عادت انقرة للعب بهذه الورقة مجددا، اذ فاجأت وزارة الخارجية التركية الجميع من خلال وصفها سياسة الاستيعاب المنهجي للاويغور بأنها عار على الإنسانية، داعية بكين إلى إغلاق معسكراتها لإعادة التثقيف.

يقول سلجوق كولاكوغلو، مدير مركز دراسات آسيا-المحيط الهادئ في أنقرة. أن "تركيا بدأت تعتبر الصين مصدرا لرؤوس الاموال بدلا من الدول الغربية وتسعى الى الحصول على مزيد من الاستثمارات الصينية في مجالات النقل والطاقة وصناعة التعدين".

ومع مضاعفة دعواتها لتعزيز التعاون بين البلدين، وعدت تركيا عام 2017 ب القضاء على القوى المعادية للصين في أراضيها.

وتابع كولاكوغلو اليوم، يواجه أردوغان معضلة تكمن في الاختيار بين الدفاع عن المصالح الاقتصادية للبلاد أو الاستجابة لقلق الناخبين الأتراك وذلك مع دخول الاقتصاد التركي في حالة ركود، تعرف الحكومة أن الثمن قد يكون مرتفعا إذا تجاوزت انتقاداتها للصين التي بلغ حجم المبادلات التجارية معها اكثر من 26 مليار دولارسنويا.

استغلت حكومة العدالة والتنمية قضية الاقلية المسلمة في الصين وتلك الناطقة بالتركية لأغراض المزايدات السياسية ثم مالبثت ان تراجعت وتخلت عنهم
استغلت حكومة العدالة والتنمية قضية الاقلية المسلمة في الصين وتلك الناطقة بالتركية لأغراض المزايدات السياسية ثم مالبثت ان تراجعت وتخلت عنهم

ويبدو ان تردي العلاقات بين تركيا والحليفة الكبرى الولايات المتحدة والتي تنذر بعقوبات ومصاعب اقتصادية جديدة لتركيا هي التي صارت تدفع حكومة العدالة والتنمية الى التراجع عن سياساتها السابقة ومواقفها وتصريحاتها الصاخبة لصالح مسلمي الصين.

التمهيد للمرحلة الجديدة وللتراجع التركي تمثل في زيارة كان قام بها مساعد وزير الخارجية التركي سادات اونال ليستبق بذلك زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى بكين التي غادرها هذا اليوم.

وزارة الخارجية الصينية كانت اصدرت بيانا قالت فيه إن وزير الخارجية وانغ يي اكد خلال اجتماعه مع سادات أونال نائب وزير خارجية تركيا إن الصين تولي أهمية كبيرة للعلاقات بين البلدين.

وخلال تلك الزيارة، طلبت الصين من تركيا دعم حربها ضد من تسميهم المتشددين الذين ينشطون في إقليم شينجيانغ المضطرب في أقصى غرب البلاد في أعقاب انتقادات من أنقرة بشأن الحقوق في جزء من الصين يقطنه عدد كبير من أقلية معظمها من المسلمين الذين يتحدثون إحدى اللغات التركية.

وأضاف البيان "نأمل أن يحترم الجانب التركي أيضا المصالح الرئيسية للصين في حماية السيادة الوطنية والأمن وأن يدعم جهود الصين في مكافحة قوى تركستان الشرقية الإرهابية وأن يحافظ على الوضع العام للتعاون الاستراتيجي بين البلدين".

ونقلت وزارة الخارجية عن أونال قوله إن تركيا تدعم جهود الصين في الحفاظ على الوحدة الوطنية ومكافحة قوى الإرهاب وترغب في تعميق التعاون العملي مع الصين.

بعد هذا التمهيد تأتي زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وزيارته الاخيرة للصين التي تراجع فيها عن مواقف حكومته السابقة بشكل كامل فيما يتعلق بالاقلية المسلمية في الصين.

تراجع الرئيس التركي كليا عن تصريحاته السابقة التي ينادي فيها برفع الظلم عن مسلمي الصين ليقول اليوم انهم يعيشون بسعادة
تراجع الرئيس التركي كليا عن تصريحاته السابقة التي ينادي فيها برفع الظلم عن مسلمي الصين ليقول اليوم انهم يعيشون بسعادة

لم يتورع الرئيس التركي عن مناقضة تصريحات حكومته التي اوردنا بعضها في متن المقال اذ ذكرت وكالة الأنباء الصينية الرسمية أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان صرح لنظيره الصيني شي جينبينغ أن الأقليات الاتنية تعيش بسعادة في إقليم شينجيانغ خلافا لانتقادات أنقرة في الماضي لبكين حول القمع في هذه المنطقة.

والتقى اردوغان شي في قصر الشعب في بكين الثلاثاء بعد أربعة أشهر على وصف وزارة الخارجية التركية معاملة المسلمين الأويغور الناطقين بالتركية بأنها عار كبير على الإنسانية.

ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن اردوغان قوله إن "تركيا ما زالت ملتزمة سياسة الصين الواحدة".

وتابعت أن الرئيس التركي "شدد على أن كون المقيمين من مختلف الاتنيات يعيشون بسعادة في منطقة شينجيانغ للأويغور التي تتمتع بحكم ذاتي بسبب ازدهار الصين أمر واقع وتركيا لن تسمح لأحد بدق إسفين في علاقاتها مع الصين".

وأضافت أنه "عبر عن استعداده لتعزيز الثقة السياسية المتبادلة والتعاون الأمني مع الصين للتصدي للتطرف".

تلك هي فصول المناورة التي يتبعها الرئيس التركي في مقاربته للعلاقة مع الصين، فهو يمكنه ان يستخدم ورقة الاقلية العرقية الايغور وقتما يشاء ويذرف الدموغ وقتما يشاء ثم يتنكر لهم ويقول انهم يعيشون بسعادة في الوقت الذي يشاء، فهل ستثق هذه الاقلية العرقية والرأي العام بتصريحات ومواقف عنترية وقتية تناور بحياة البشر وبأمنهم في مجتمعاتهم في ظل سياسة كتلك التي تتبعها حكومة العدالة والتنمية؟