مصر وتركيا مواجهة في شرقي المتوسط

تتزايد سخونة الوضع في منطقة شرقي المتوسط. وقد التفتت الأنظار من جديد إلى سخونة الوضع والاضطراب في المنطقة بعد قرار تركيا بالتنقيب قبالة سواحل جنوبي قبرص. وحذر عدد من المؤسسات الدولية والدول، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر، تركيا من مغبة تنفيذ أنشطة التنقيب هذه.
والعلاقات بين تركيا ومصر في وضع سيّئ منذ عام 2013، عندما أطاح الجيش المصري بالرئيس السابق محمد مرسي. وفي الرابع من مايو، حذرت مصر تركيا من أن تبدأ أعمال تنقيب بالقرب من الجنوب القبرصي قائلة إن من شأن مثل هذه الأعمال "التأثير على الأمن والاستقرار في منطقة شرقي المتوسط".
أثار ذلك تساؤلاً حول احتمال حدوث مواجهة بين البلدين المسلمين الكبيرين في منطقة شرقي المتوسط.
وينبع الشقاق بين مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي وتركيا الرئيس رجب طيب أردوغان في معظمه من خلافات أيديولوجية؛ بيد أن الخلاف بشأن المناطق البحرية الخاضعة للولاية القانونية للدول في منطقة شرق المتوسط أمر مختلف تماماً.
وكانت الجمهورية القبرصية اليونانية وقعت اتفاقاً لترسيم الحدود في منطقتها الاقتصادية الخالصة مع مصر عام 2003. لكن تركيا تدعي بأن هذا الاتفاق "ينتهك الجرف القاري التركي" وتقول إن أنقرة لا تعترف بسيادة إدارة القبارصة اليونانيين على الجزيرة كلها.
في المقابل، تؤيد أنقرة الإدارة التركية في شمالي قبرص، وتقول إن أي استغلال لاحتياطيات الطاقة من قبل القبارصة اليونانيين سيحرم القبارصة الأتراك من حصتهم المستحقة في الثروات المحتملة.
واستعرضت تركيا عضلات بحريتها لمنع دخول سفن إجراء المسح والتنقيب إلى المنطقة التي تدعي بأنها تقع في جرفها القاري والمناطق المرخّص بها من قبل إدارة الشمال القبرصي. غير أنها لم تتدخل إلى الآن في الأنشطة المصرية.
وقال فاتوش سان، وهو باحث مرشح للحصولة على درجة الدكتوراة من الجامعة الأوروبية في ليفكا: "مصر هي الدولة الأهم لمعادلة الطاقة في منطقة شرقي المتوسط، بما لديها من بنية تحتية واحتياطيات مؤكدة... كما أنها دولة مهمة لما أصفه بدبلوماسية الكابلات وخطوط الأنابيب القبرصية اليونانية".
وتخطط الإدارة القبرصية اليونانية لتصدير غازها عبر مصر إلى السوق الأوروبية المتعطشة للطاقة. ومن شأن هذا أن يوفر للاتحاد الأوروبي – الذي وقع اتفاقاً للتعاون الاستراتيجي بشأن الطاقة مع مصر في أبريل 2018 – بديلاً عن الغاز الروسي، ظل الاتحاد يسعى إليه منذ فترة طويلة.
وقد تصبح مصر مصدراً بديلاً ومهماً للطاقة بالنسبة لتركيا، التي تعتمد حالياً بشدة على الغاز القادم من كل من روسيا وإيران. كما أن الصادرات المصرية قد تكتسب أهمية خاصة في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، والتي تسعى تركيا للحصول على استثناء منها دون أن يكون هناك ضمان للحصول على مثل هذا الاستثناء.
وأشار سان إلى أن تركيا بدأت تستورد ما سيشكل ثلاث بالمئة من حاجاتها السنوية من الغاز من مصر في يناير 2019، وهو ما يجعل نشوب صراع تركي مصري أمراً غير مرجح.
وتتمتع مصر بقوة عسكرية هي من بين الأكبر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتقوم بجهود لتحديث قواتها البحرية والجوية وإمدادها بطائرات وأسلحة وقطع بحرية متقدمة تكنولوجياً من إنتاج روسيا والغرب. كما أنها تعمل على بناء مقار وقواعد بحرية جديدة.
وقال محمد جمال، وهو باحث في الشؤون العسكرية المصرية، "هذا لا يتعلق فقط بتركيا. فالحقيقة أن مصر تحاول أن تصبح قوة إقليمية عبر النفوذ السياسي والعسكري على دول الشرق الأوسط... تسعى مصر أيضاً للسيطرة على المناطق البحرية الخاضعة لولايتها القانونية من أجل حماية سواحلها وتأمين مصادر حصرية للطاقة".
وتوطدت العلاقات العسكرية المصرية اليونانية القبرصية، وجرى توقيع اتفاق أمني ثلاثي عام 2015، وبدأت الدول الثلاث إجراء تدريبات عسكرية مشتركة باسم ميدوزا في العام ذاته. وفُسّرت تلك المناورات العسكرية على أنها رد على الأنشطة التركية في منطقة شرقي المتوسط.
وقال جمال "إذا واجهت أي من تلك الدول أي تهديد عسكري، ستحظى الدولة المهددة بدعم من الدولتين الأخريين في هذا التحالف،" وذلك في إشارة إلى الاتفاق المبرم في عام 2015.
أضاف "يمكنني أن أقول إن الوضع إذا تطور ووصل إلى مرحلة التصعيد العسكري بين تركيا وقبرص، فإن مصر ستقدم الدعم العسكري لقبرص، لكنها لن تدخل بشكل مباشر في أي صراع عسكري مع تركيا وفق ما تمليه عليها مقتضيات سياستها واستراتيجيتها العسكرية".
غير أن الدكتورة نيرفانا محمود، وهي محللة سياسية مصرية، تعتقد أن هناك فرصة لنشوب صراع إذا رأت تركيا في مصر هدفاً أسهل بسبب عضوية قبرص في الاتحاد الأوروبي.
وقالت الدكتورة نيرفانا "أي هجوم على قبرص سيكون من الناحية القانونية بمثابة هجوم على الاتحاد الأوروبي. نحن لسنا في السبعينيات".
وتبدو إمكانية نشوب صراع تركي مصري ضعيفة في الوقت الحالي. لكن الأرجح أن تكون نقطة الانفجار في العلاقات بين البلدين اتفاقية ترسيم حدود مصر مع اليونان، والتي حققت تقدماً بخطى ثابتة في العام الماضي.
وإذا وافقت مصر على قبول المنطقة الاقتصادية الحصرية التي تطالب بها اليونان، والتي تشمل جزراً من بينها جزيرتي كاستيلوريزو وكريت، فإن هذا سيكون معناه أن القاهرة لا تعترف بالولاية القانونية لأنقرة على مناطق كبيرة تدعي تركيا بأنها تقع في نطاق جرفها القاري.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/egypt-turkey/could-egypt-and-turkey-come-blows-eastern-mediterranean
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.