بول إيدن
أكتوبر 22 2019

مستقبل تركيا النووي

بينما يشكو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن بلاده لا تستطيع امتلاك أسلحة نووية، يساور بعضَ المسؤولين الأميركيين القلقُ من أن إبقاء صواريخ نووية أميركية في قاعدة إنجرليك الجوية جنوبي تركيا قد يتبين أنه أمر خطير.

وأبلغ مسؤول أميركي رفيع المستوى صحيفة نيويورك تايمز بأن القنابل النووية من نوع (بي-61) الموجودة في إنجرليك رهينة في يد أردوغان، نظراً لأن الولايات المتحدة لا تستطيع استردادها من تركيا بدون وضع نهاية فعلية للتحالف الاستراتيجي بين البلدين.

على الجانب الآخر، فإن إبقاء تلك القنابل هناك "يُطيل أمد المخاطر النووية التي كان ينبغي التخلص منها قبل سنوات".

وقنابل بي-61 هذه مُؤَمّنة برموز تشفير معقدة للغاية بحيث لا يمكن إطلاقها بدون فك شفراتها.

وأشار جوزيف ترِفيثيك، الخبير في الشؤون العسكرية، في الآونة الأخيرة إلى أن "هناك معالجات يمكنها أيضاً أن تجعلها خاملة باستخدام رموز تشفير لتعطيل التحكم فيها".

لكنه أضاف أن "ذلك لا يعني أنه لا توجد مخاطر، بما في ذلك أن شخصاً ما قد يُحوّل الأسلحة إلى نوع من أنواع القنابل القذرة، بالإضافة إلى الكابوس الأمني المفزع الذي قد ينتج عن أي أسلحة نووية خارجة عن السيطرة، فضلاً عن الحرج القومي".

وتجددت المخاوف بشأن قنابل إنجرليك بعد وقت قليل من غزو تركيا شمال شرقي سوريا هذا الشهر، والذي نتج عنه تعرض مواقع تتمركز فيها القوات الأميركية في تلك المنطقة لنيران المدفعية التركية.

ويعتقد نيكولاس هيراس، الزميل المتخصص في أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد، أن هذه القنابل "هي الورقة الرابحة التي يدخرها أردوغان لإخضاع الأميركيين لسياساته".

وقال هيراس لموقع أحوال تركية إن "صُنّاع السياسات الأميركيون غير راغبين في سحب الأسلحة النووية من تركيا، لأنهم يعتقدون أن العالم سينظر إلى هذا الأمر على أنه إشارة أخرى على أن الولايات المتحدة تنسحب من العالم وتتنازل لروسيا والصين عن مساحة في الشؤون الدولية".

أضاف أن أردوغان يعرف أن الكثيرين في النخبة المعنية بالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة "والذين تربوا في هذا المجال خلال فترة الحرب الباردة، عندما كانت تركيا الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي" سيؤيدون فقط سحب تلك الأسلحة " كخيار أخير، بل وحتى سيملأون الدنيا صياحاً وضجيجاً للحيلولة دون حدوث ذلك الأمر."

وقال أردوغان في مناسبتين خلال سبتمبر الماضي إن من غير المقبول ألّا يكون بوسع تركيا الحصول على أسلحة نووية تكون ملكاً لها.

وذكر وقتها بالنص أن "بعض الدول لديها صواريخ مزودة برؤوس نووية، ليس واحداً ولا اثنين. لكن (هم يقولون) نحن لا نستطيع أن نمتلكها. هذا الأمر لا يمكنني أن أقبله".

وادّعى أردغان كذباً بأنه "لا يوجد بلد متقدم في العالم لا يمتلكها".

وفي وقت لاحق، أصر الرئيس التركي خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة على أنه ينبغي أن يكون امتلاك مثل هذه التكنولوجيا "إما محظوراً على الجميع أو متاحاً للجميع".

ولم يحدد أردوغان ما إذا كانت لدى تركيا من قبل أي خطط لامتلاك مثل هذا النوع من الأسلحة، وهو أمر غير مرجح.

ولا تسعى تركيا في الوقت الحالي لامتلاك برنامج للأسلحة النووية، فضلاً عن أنها تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية اللازمة لتأسيس برنامج للأسلحة النووية، حتى إذا قررت ذلك.

والتكنولوجيا الوحيدة ذات الصلة بالطاقة النووية التي يجري تطويرها في تركيا اليوم هي تلك المرتبطة بمحطة أكويو للطاقة النووية على ساحل البحر المتوسط. وفازت روسيا بعقد بناء هذه المنشأة في عام 2010، وبدأت أعمال الإنشاء في أبريل 2018.

ويأمل أردوغان في اكتمال المشروع البالغة تكلفته 20 مليار دولار بحلول الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية عام 2023. لكن من المرجح أن يحتاج هذا الأمر لمزيد من الوقت، نظراً لأن شركة روساتوم الروسية المُصنّعة لهذه المحطة واجهت صعوبات في إيجاد شركاء أتراك يأخذون حصة نسبتها 49 في المئة في هذا المشروع.

فضلاً عن ذلك، فإن المحطة يجري بناؤها في منطقة معرضة لخطر حدوث هزات أرضية. هذا الأمر – بالإضافة إلى ما تشير إليه تقارير من حدوث تصدعات في الأساس الخرساني بالموقع – خلق مخاوف وأثار تساؤلات بشأن سلامة المحطة النووية المزمعة.

وحتى إذا اكتملت محطة أكويو قريباً وتمكنت تركيا من شراء التقنيات التي تُمكنها من بناء مفاعلات نووية بنفسها – والأمران غير محتملين – فإنها ستظل تفتقر إلى الأدوات التي تُمكنها من تطوير أسلحة نووية.

وقال الدكتور علي بكير، وهو محلل ومستشار في الشؤون السياسية، لموقع أحوال تركية إن "تطوير أسلحة نووية أمرٌ مختلف تماماً".

أضاف أنه بينما "تساعد موسكو أنقرة في مشروع أكويو "فإنها غير مهتمة بأن تكون لدى تركيا قدرات نووية، وبالتأكيد هي لن تساعد بلداً عضواً في حلف شمال الأطلسي على تطوير أسلحة نووية، أو الوسائل التي تمكنه من فعل ذلك... هذا أمر غير منطقي على الإطلاق".

ويرى آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية، أيضاً أنه ما من سبيل يجعل مشروع أكويو قادراً على مساعدة تركيا حتى في الشروع في تطوير أسلحة نووية.

وقال شتاين لموقع أحوال تركيا إن "أكويو مشروع مفاعل غريب الملامح.

"فروسيا هي التي ستبنيه، وستمتلكه وتُشغله... روساتوم أيضاً أضافت عقداً لتوريد الوقود وستتولى إعادة معالجة الوقود المستهلك من المحطة ثم ستعيد النفايات المزججة إلى تركيا لتخزينها بشكل دائم".

بالتالي، فإن هذا الترتيب يجعل أكويو "أحد الاتفاقيات الأكثر مقاومة للانتشار على وجه الأرض" لأن روسيا "تُشغّل بالضرورة مفاعلاً محلياً داخل تركيا نتيجة لاتفاقيات التمويل التي أعدّتها أنقرة".

وقال كريم هاس، المحلل المتخصص في الشؤون الروسية التركية، والمقيم في موسكو، إن الطلاب الأتراك الذين يدرسون الهندسة النووية في الجامعات الروسية لم يتعلّموا تكنولوجيا مهمة جداً في هذا المجال.

يسلط هذا الضوء على عدم رغبة روسيا في مساعدة تركيا على الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في مجال تطوير التكنولوجيا النووية.

ولدى تركيا ترسانة من الصواريخ الباليستية التكتيكية التقليدية، أبرزها صواريخ (جيه-600تي يلدريم) التي طورتها بمساعدة الصين، والصواريخ (بورا-1) التي كان أول استخدام لها ضد حزب العمال الكردستاني في كردستان العراق خلال شهر مايو.

ولا يمتلك أي من الصاروخين في الوقت الحالي القدرة على حمل رؤوس نووية لضرب هدف محدد بها.

وقال بكير "باستثناء بعض من الطائرات إف-16 التي تمتلكها، والتي جرى تعديلها لتكون قادرة على حمل القنابل الأميركية من نوع بي-61، فإن تركيا لا تمتلك الوسائل التي تمكنها من حمل رؤوس نووية... فبرنامجها النووي ليس مصمماً لإنتاج صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية".

وبينما قال أردوغان إن تركيا حُرمت من حقها في تطوير أسلحة نووية، فإنه آثر أن يتجاهل حقيقة أن أنقرة وقّعت على معاهدة منع الانتشار النووي ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.

يعني هذا بالضرورة أن تركيا تعهدت بالفعل أمام العالم كله بأنها لن تسعى لتطوير ترسانة نووية.

وقال بكير "إذا كانت تركيا تخطط للحصول على أسلحة نووية، فسيكون من الصعب عليها فعل ذلك سراً... الأهم من ذلك هو أنه سيكون من المستحيل أن تروج لقضيتها في غياب الدوافع المنطقية لذلك."

وأضاف "بيد أنه في اللحظة التي ستمتلك فيها إيران و/أو المملكة العربية السعودية أسلحة نووية، فإن حسابات أنقرة قد تتغير تماماً".

ويعتقد شتاين أيضاً أنه إذا سعت تركيا لامتلاك هذه القدرة، فإنها ستواجه عقوبات بالتأكيد. لكنه لا يعتقد أن هذه النتيجة مرجحة على الإطلاق.

وقال إن "أنقرة لم تُبد رغبة حتى في دفع المال من أجل امتلاك مفاعل، ناهيكم عن تحمل تكلفة برنامج سري لامتلاك سلاح... إذا كانت أنقرة تريد القنبلة – وأنا أشك في هذا الأمر – فإن تركيا ستكون بحاجة، وبشكل أساسي، إلى بنية تحتية نووية من الألف إلى الياء".

أضاف "هل هذا ممكن؟ بالتأكيد. هل هو مرجح؟ لا أعتقد هذا في الحقيقة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-nuclear-power/turkeys-nuclear-future
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.