مستشفيات المدن نموذج على إثراء السلطة لمؤيديها بالأموال العامة

 

تركيا تفقد سريعًا التقدم بكل المجالات. نظام الحكومة الرئاسية المنتخبة 24 يونيو 2018 سرّع انهيار الهيكل المؤسسي للدولة. والمشاكل التي استفحلت في الاقتصاد انتقلت إلى 2020 بشكل أكبر، وأسوأ في السياسة الخارجية، بينما أصبحت تدخلات الرئيس أردوغان الشخصية في كل مجالات الحياة أمرًا عاديًا.
د. فكرت شاهين عضو حزب الشعب الجمهوري ونائبه في البرلمان عن "باليكسير" أجاب عن أسئلة موقع "أحوال تركية" بشأن الأوضاع الراهنة.
شاهين الطبيب والجراح عضو لجنة التنسيق مع الاتحاد الأوروبي، ذكر أن حزبه يستهدف تحالفًا واسعًا دفاعًا عن الديمقراطية، ووصف مشاريع السلطة "مستشفيات المدن" بأنها "وسيلة حديثة للاستغلال، وامتيازات لمؤيدي السلطة، وأكبر ثقب أسود حتى اليوم."

 

تركيا تمر بمرحلة عصيبة بسبب المشاكل المتكاثفة في السياسة الخارجية، وخاصة في المنطقة. فما الخطوات الواجبة على السلطة لتلبية مصالح تركيا، وكيف ينبغي لها التحرك التغلب على هذه المشاكل؟
خط السياسة الخارجية التقليدية لتركيا تحدد بمبدأ "سلام في الوطن، وسلام في العالم" لأتاتورك مؤسس الجمهورية وحزبنا الشعب الجمهوري، وبه نالت تركيا مكانة محترمة إقليميا وعالميا. فأهمل ذلك بسبب سلطة العدالة والتنمية، وصرنا طرفًا في التطورات السياسية والعسكرية الخارجية بمنطقتنا، وسيكون لذلك تأثير سلبي عميق علينا. ومُورست في الشرق الأوسط سياسة خارجية منحازة على غرار أخوة "الإخوان" المرفوضة من قبل دول عديدة.
يجب تطوير سياسة خارجية عقلانية ومنطقية وفقًا لموقعنا الجيو-سياسي، بدلًا من سياسة العدالة والتنمية المتحيزة وغير المنطقية مسبقة الأحكام. تآكلت مكانة بلدنا وصرنا نعيش مشاكل مع كل جيراننا، وانسحقنا بين أميركا وروسيا في السياسة الخارجية، وعُزلنا... للتغلب على مشكلات السياسة الخارجية التي نواجهها. ينبغي للسلطة الحالية العودة للسياسة الخارجية المتوازنة التي رسمها أتاتورك، والتخلى عن التحيز. يجب تطوير سياسة خارجية تركز على مصالح ومكانة البلاد واستقرارها، وعدم استخدامها أداة للسياسة الداخلية.
نؤمن -نحن الشعب الجمهوري- بضرورة حل كل توتر بالمنطقة عبر القنوات الدبلوماسية ووفقًا للقانون الدولي. تركيا تترك ما حولها من توترات، وتتخذ خطوات تمهد السبيل لتوترات عالمية في مناطق أخرى، وهذا غير مناسب إطلاقًا. ينبغي للسلطة استئناف العلاقات الدبلوماسية مع سورية والحكومة المصرية لحل مشاكل المهاجرين السوريين والإرهاب.
نقترح سياسة خارجية تشاركية متصالحة مع العالم تزداد فيها العلاقات الإقليمية والعالمية؛ أساسها القانون والقيم الدولية والموروث التاريخي، والموقع الجغرافي والتعددية الثقافية. ويجب تطوير سياسة جوار موثوقة في كل المناطق، وتجنب الانقسامات العرقية والطائفية والدينية، والاعتماد على التوحيد لا التفريق.
ويجب إعادة تطبيع علاقات تركيا مع حلفائها الناتو والمجلس الأوروبي والاتحاد الأوروبي وغيرها. سياسة تركيا الخارجية يجب أن تجعلها طرفًا فاعلًا مطلوبًا في حل القضايا العالمية، وليس الإقليمية فحسب.

 

كطبيب ما هي تقييماتك وتوقعاتك حول تقديم مستشفيات المدينة كنموذج للحل في مجال الرعاية الصحية؟
ليس خطأ اعتبارها وسيلة حديثة للاستغلال وامتيازات عصرنا. إنها نموذج على إثراء السلطة مؤيديها بالأموال العامة، وربما أنها أسوأ نقطة في تاريخ الجمهورية. في البرلمان عارضنا المشروع، ولطالما طلبنا من الوزارة المختصة عقود المشروع، لكننا لم نستطع الحصول عليها بحجة أنها "أسرار تجارية". تُحجب عن الشعب ونوابه معلومات ونفقات تعرفها الشركات الأجنبية؛ إذا ورائها "فساد وتمييز للمؤيدين". لا نرى الشفافية اللازمة لدى وزارة الصحة. عبر هذه المستشفيات حُولت للشركات الخاصة أموال بالعملات الأجنبية، وتضرر المال العام. ورهنت ميزانيات الأجيال القادمة، وأُنفقت من الآن. وأضرار هذه المشاريع تنبع من محاباة المؤيدين للسلطة بها؛ حيث مدفوعات الإيجار والخدمة لمستشفيات المدينة تمثل 17.7 بالمائة من ميزانية 2020، وتزداد سنويًا.
ومؤخرًا اعترف وزير الصحة بالضرر العام، وأعلن أن الـ 12 مستشفى التالية سوف تنشأ من الميزانية العامة، وستتكفل الوزارة بالمعدات أيضًا. واضح أن المستفيد الوحيد من هذه المستشفيات الشركات الأجنبية ومؤيدو السلطة. إنها مشاريع لتجديد أسرة المستشفيات فقط. نتيجة لذلك هي أبعد ما تكون عن حل المشاكل الصحية، بل تزيدها. فيجب مصادرتها سريعا ووضعها تحت المسؤولية الكاملة لوزارة الصحة.

 

ما خطة حزب الشعب الجمهوري لحل المعضلات التي تواجه الجماهير في مجال الصحة والضمان الاجتماعي؟
سيتحقق ذلك في سلطة الحزب، وبغض النظر عن القوة المالية للمواطنين فسيحصلون على الرعاية الصحية على قدم المساواة. ننادي بـ “المساواة في الوصول إلى الصحة" و"خدمة صحية مجانية أساسها الحقوق"، وفي هذا السياق سنقوم بأشياء منها:
- توفير خدمة صحية مجانية.
- إلغاء الرسوم الإضافية في الخدمات الصحية.
- تتكفل الخزانة العامة بأقساط التأمين الصحي العام للمواطنين المشمولين بالتأمين العائلي.
- إلغاء ديون المواطنين للتأمين الصحي وضمان استمرار حصولهم على الخدمة.
- إنشاء وحدات استقبال لمواطنينا المعاقين، وتوفير العلاج الطبيعي في منازلهم.
- تعزيز الوعي والوقاية والنظام الغذائي وبرامج العلاج لمكافحة السمنة.
- تنفيذ خدمات الصحة الوقائية.
-  تطوير البنية التحتية والموارد البشرية للمستشفيات في مراكز المدن.
- توفير احتياجات البنية التحتية والموظفين في خدمات العناية المركزة.
- جعل خدمات الطوارئ مجانية.
- تأميم ملكية مستشفيات المدينة.
- حماية بيانات الصحة الشخصية.
- تشجيع الصناعة الدوائية المحلية والتقليل التدريجي من الاعتماد على الأدوية واللقاحات الأجنبية.

 

بصفتك عضوًا برلمانيا في لجنة التنسيق مع الاتحاد الأوروبي، كيف تقيم الوضع الحالي للعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي؟ برأيك ما الخطوات اللازمة لتطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي؟
كحزب نرى ضرورة تحديث العضوية الكاملة في الاتحاد. لكننا نلاحظ اليوم انحرافًا خطيرًا في مركز الثقل في العلاقات. توقفت مباحثات العضوية الكاملة تمامًا بالفعل اليوم، والتي دائمًا ما تشدق بها حزب العدالة والتنمية بداية حكمه. تم التغاضي عن المبادئ الأساسية مثل معايير كوبنهاغن والديمقراطية وسيادة القانون في علاقات تركيا والاتحاد الأوروبي، فعلت السلطة قصارى جهدها لإخراج تركيا من العضوية؛ ودعت لجنة الاتحاد الأوروبي لتعليق مباحثات العضوية حيث نشرت تقريرًا مرحليًا قاسيًا عام 2016.
الواقع أن سياسة العدالة والتنمية وزعيمه، الداخلية والخارجية، تتناقض مع عضوية الاتحاد الأوروبي؛ بسبب تقييد الحريات بالبلاد، وتعليق سيادة القانون، وقمع حرية التعبير.
تطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي يتطلب أمورًا منها:
- تنفيذ الإصلاحات اللازمة بإرادتنا كدولة دون انتظار أن يبدأ الاتحاد مرحلة جديدة.
- تفعيل هدف العضوية الكاملة بقوة وحزم.
- إعادة تنظيم علاقتنا بالاتحاد بما لا يضر بمصالحنا الوطنية.
- انهاء استغلال ورقة اللاجئين السوريين لدينا.
- العمل بما يزيد من تضامن الأحزاب الديمقراطية العاملة بأوروبا مع منظورنا في العضوية الكاملة، وبالتالي القضاء على الأحكام المسبقة هناك بشأن تركيا.
- ضمان قبول الاتحاد لطلبات الأتراك القبارصة عبر الدبلوماسية والحوار.

 

ما تقييمك لممارسات الحكومة الرئاسية على مدار عام ونصف؟ ما الاستراتيجية التي يجب على الشعب الجمهوري اتباعها للوصول إلى السلطة في الوضع السياسي الراهن، وما التحالفات التي يجب عليه الاتجاه نحوها؟
أُقر نظام الحكومة الرئاسية على عجل بدعوى سرعته في تيسير الإجراءات وتحقيق الاستقرار وفاعليته. زُعم أن هذا النظام أكثر عقلانية وتأثيرًا وسرعة لأن القرارات ستصدر عن شخص واحد، ولكن هذا لم يحدث.
بداية كُسر مبدأ الفصل بين السلطات، العنصر الأساس في الديمقراطية. وقُيّدت صلاحيات السلطة التشريعية، ودخلت تحت السلطة التنفيذية، فصار النظام شيئًا يقرره شخص واحد.
أُهمل مبدأ الكفاءة في التوظيف، واستبدل بمبدأ المولاة للنظام الحاكم. بدأت تضطرب وتنهار المؤسسات الحيوية في الدولة.
ابتعدنا عن أن نكون دولة يمكن الثقة بها؛ إذ اعتبر هذا النظام ديكتاتوريًا في العالم، فتأثرت جميع مؤشراتنا الاقتصادية سلبًا.
كانت انتخابات إسطنبول، بصفة خاصة، نوعًا من الاستفتاء بالنسبة لنظام الحكومة الرئاسية، فكشف المواطنون بنتائج الانتخابات عدم رضاهم عن النظام الرئاسي وأنه لا يناسب بلدنا.
يعد نجاح حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المحلية إلى جانب تحالف الأمة مؤشرا واضحا على عدم استقرار نظام الحكومة الرئاسية وقصوره طيلة عام ونصف.
الرأي المشترك للشعب الجمهوري وأحزاب تحالف الأمة، هو العودة للنظام البرلماني، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون مرة أخرى، وتوسيع مجالات الحرية.
أعتقد أننا سنعزز تحالفنا في المرحلة المقبلة مع الأحزاب التي ستساهم في نضالنا على أساس الحرية والديمقراطية والمساواة.
وتصديًا لممارسة العدالة والتنمية السياسة بإثارة "الخوف" سيواصل الشعب الجمهوري وتحالف الأمة طريقه بترسيخ لغة الحب في الخطاب السياسي.
لقد سئم الناخبون من الخوف والحماسة والاستقطاب السياسي. أعتقد أن الشعب الجمهوري سينجح في كل تحالف طالما ظل يدعو إلى الوحدة والاتحاد تصديًا للاستقطاب والتفريق. أعتقد أن جميع جدران الأحكام المسبقة التي في تركيا سوف تنهار حين تبدأ الإجراءات عبر نهج حكم تعددي وتشاركي وشفاف.

 

 
-    يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/sehir-hastaneleri/chpli-fikret-sahin-sehir-hastaneleri-gunumuzun-kapitulasyonlari
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.