مستثمرو البورصة الأتراك احترقوا بنار غواية الدولة

بعد الدعاية الضخمة التي روّجت للاقتصاد التركي وبشّرت بأنه سيخرج من أزمته الطويلة، وبأن سوق الأسهم ستزدهر، يواجه المستثمرون المحليون الصغار شعوراً بخيبة الأمل الكبيرة ويتكبدون خسائر مالية فادحة بعد إقبالهم القوي على شراء الأسهم التركية.

وكانت بورصة إسطنبول قد اجتذبت أكثر من 65 ألف مستثمر جديد منذ بداية العام. لكن هؤلاء المستثمرين تكبدوا خسائر من الصعب تعويضها، جرّاء هبوط صادم بسبب المخاوف من فيروس كورونا المستجد خلال الأسابيع الماضية.

وخسرت سوق الأسهم في تركيا أكثر من 15 في المئة من قيمتها السوقية منذ الثالث والعشرين من يناير، حيث هبطت إلى 110 آلاف نقطة في أواخر تعاملات يوم الجمعة، من 123 ألفا و556 نقطة. وعلى الرغم من فداحة هذه الخسارة، فإن الحقيقة تبدو أفدح عندما ننظر إلى المكاسب التي كان باستطاعة المستثمرين أن يحققوها لو أنهم أودعوا أموالهم في البنوك أو استثمروها في الدولار. فقد خسرت الليرة التركية نحو خمسة في المئة من قيمتها مقابل العملة الأميركية، بينما يتجه العائد على الودائع إلى الارتفاع.

وعلى الرغم من أن سبب هبوط سوق الأسهم التركية في الآونة الأخيرة يرجع بشكل كبير إلى أثر فيروس كورونا المستجد، فإن الوضع في تركيا قد يكون أسوأ بعض الشيء مما يبدو عليه.

وظلت بورصة إسطنبول تسجّل ارتفاعاً دون توقف منذ منتصف أكتوبر حتى الثالث والعشرين من يناير، حيث كان مفهوماً أن مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) لن يشدد سياسته النقدية. بعد ذلك كسرت السوق حاجزاً قياسياً بالليرة التركية، متجاوزة 123 ألف نقطة.

وقال خبراء إن البيانات الاقتصادية وإدارة تركيا للاقتصاد كانت قد أخذت منحى إيجابياً وإن الوضع في الأسواق العالمية سيظل مستقراً لبعض الوقت. وأشار البعض إلى أن المؤشر الرئيس لبورصة إسطنبول (BIST 100) قد يرتفع لما يصل إلى 135 ألف نقطة.

شجع ذلك المناخ الإيجابي على دخول المستثمرين إلى سوق الأسهم بأسرع وتيرة منذ عام 2018. وبالتأكيد، فإن الهبوط السريع في حجم الودائع والفائدة على السندات في ذلك الوقت، بالإضافة إلى ثبات أسعار صرف العملات الأجنبية، كلها عوامل دعمت هذا الاتجاه. نتيجة لهذا، فقد زاد عدد حملة الأسهم في بورصة إسطنبول إلى مليون و268 ألفاً بحلول العاشر من فبراير، مقارنة مع مليون و203 آلاف مستثمر في بداية العام.

لكن العامل الأهم الذي جرى تجاهله خلال ذلك الإقبال المحلي على الأسهم هو عدم اهتمام المستثمرين الأجانب، الذين يملكون نحو ثلثي الأسهم المتداولة في البورصة. وزاد المؤشر الرئيس بنسبة 31 في المئة خلال الفترة من 16 أكتوبر إلى 23 يناير، لكن مستوى الاستثمار الأجنبي ظل كما هو.

وبعد ارتفاع سوق الأسهم الخالي من مشاركة المستثمرين الأجانب، بدأ البعض يتحدثون من جديد عن مُضاربٍ يُعرف باسم "الرجل المتأنق"، أو كما يُقال في اللغة التركية "الحرّيف". في حقيقة الأمر، هذا "المتأنق" ليس مستثمراً فرداً أو مؤسسة تقوم بالمضاربة.

بدأ الناس يدركون أن هذا "الحرّيف" هو في واقع الأمر صندوق الثروة السيادي التركي، الذي يرأسه الرئيس رجب طيّب أردوغان. بمعنى آخر، فإنه الدولة التركية نفسها.

تحدد سلطات الدولة أسعار الفائدة وتضع السياسات النقدية بشكل سري من خلال البنك المركزي، وتحدد الفائدة على أدوات الدين التي تصدرها الخزانة من خلال عمليات شراء السندات عبر البنوك الحكومية. هذه السلطات وجدت طريقها الآن إلى التأثير على مستوى سوق الأسهم من خلال صندوق الثروة السيادي التركي.

وصارت سوق الأسهم الآن أداة احتيال جديدة، تستغلها الدولة لتجعل اقتصاد البلاد يبدو في وضع أفضل من الواقع.

وبالتأكيد، لا يمكن أن تفتح السلطات التنظيمية التركية تحقيقاً بشأن أنشطة ذلك "الحرّيف". وشأنها شأن الكثير من الدول الأخرى، يشكل التلاعب في السوق التركية جريمة تستلزم السجن وفرض عقوبات مالية ضخمة على مرتكبيها. لكن القانون يبدو غير مهم عند التعامل مع "الحرّيف".

وحيث أن النظام المستبد في تركيا يمارس ضغوطاً صعودية على الأسواق، فإنه لا يوجد أي اعتراض من جانب المستثمرين – سواء كانوا أشخاصاً أو مؤسسات – ضد مثل هذا السلوك.

ولم يتضرر الجميع من هبوط الأسهم التركية في الآونة الأخيرة بعد الصعود الكبير الذي قاده "الحريّف" فيما يبدو. على سبيل المثال، فإن المستثمرين الأجانب حوّلوا ارتفاع بورصة إسطنبول إلى فرصة، حيث باعوا أسهماً بقيمة بلغت نحو 800 مليون دولار، معظمها بأسعار مرتفعة، خلال فبراير.

ومعروف أن المستثمرين الأجانب واصلوا بيع الأسهم الأسبوع الماضي، عندما تعرضت الأسواق العالمية لصدمة فيروس كورونا المستجد. وهذا يجعل الأثر المالي أسوأ على المستثمرين المحليين الصغار، الذين يشترون الأسهم بأسعار مرتفعة.

وعلى الرغم من أن سوق الأسهم التركية – شأنها شأن الكثير من أسواق الأسهم الأخرى – هبطت بسبب حالة الذعر الناتجة عن انتشار فيروس كورونا، فإننا يجب ألّا نتجاهل دور الدولة التركية، التي ترمي المستثمرين في أتونٍ بتلاعبها الصارخ وبتشجيعها مواطنيها على شراء أسهم بأسعار مرتفعة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/economy/turks-following-dude-get-fingers-burnt-stock-market