مطلبنا الحقيقي الفصل بين السلطات واستقلال القضاء

اجتمع الرئيس التركي بعد الهزيمة التي مُنِي بها حزبه في الانتخابات الأخيرة مع نواب الحزب وسائر المسؤولين الآخرين للوقوف على مكامن الخلل داخل نظامه، ولكن سرعان ما تبددت آمال كل من كان يعوِّل على خروج هذه الاجتماعات بنتائج حقيقية.

تعلقت الآمال بتصريح أردوغان، الذي دعا فيه إلى مراجعة النظام الرئاسي، عبر تأسيس لجنة برئاسة نائب الرئيس فؤاد أوكتاي لتقييم نظام الحكم الرئاسي، ظناً منهم بأن ذلك النظام، أو كما يطلق عليه في الأوساط الرسمية نظام الحكم الرئاسي، سيعمل على راحة الشعب. 

ومع ذلك، فقد خرج الرئيس والمسؤولون المقربون منه من ذوي التأثير، بعد ذلك، ليؤكدوا على أنهم لم يطبقوا خلال العام الأول سوى 10% فقط من المستهدف من النظام الرئاسي الجديد. إذن كان المقصود بهذا الإعلان أنهم بصدد تشديد النظام بشكل أكبر، وليس الاتجاه نحو التيسير على المواطنين، اعتقاداً منهم أن هذا النظام لا يحكم قبضته بالشكل الكافي. 

علاوة على ذلك، قال رئيس البرلمان مصطفى شنطوب، بإصرار وعناد، "إن النظام البرلماني هو نظام ملكي"، في ذات الوقت الذي التزم فيه نواب حزب العدالة والتنمية الصمت، ولم يعرب أي منهم عن شكواه من المصادرة على حق المجلس في التشريع أو تبرُّمهم من عدم مراعاة مبدأ الفصل بين السلطات. وعلى عكس المتوقع، كانت مشكلتهم الوحيدة أنهم لا يستطيعون الوصول إلى الوزراء عبر الهاتف، وأنهم، أي الوزراء، لا يبدون الاهتمام المطلوب بالطلبات التي يتقدمون بها إليهم، وما عدا ذلك فليس لديهم أي اعتراضات على جوهر النظام أو على تهميش دور المجلس من الأساس. 

الواقع أن الرئيس نفسه يرى أن الشعب ليس على دراية كافية بحقيقة الأمور. كثيراً ما يقول ذلك. ومع هذا، لا يمكن القول إنه راضٍ للغاية عن نموذج إجراء الانتخابات على جولتين، ولا عن نسبة 50 بالمائة +1. هناك أيضًا احتمال أن ينفصل علي باباجان مع مؤيديه من نواب الحزب الذي سيشكله عن التكتل النيابي لحزب العدالة والتنمية داخل المجلس. في الواقع، يبدو أن هاتين المشكلتين تشغلان رؤوسهم بشكل كبير. وقد انعكست هذه المشكلات بالفعل على ما يجري وراء الكواليس، وعلى اعتزام أردوغان تغيير قانون الانتخابات في الخريف، باعتبارها الوسيلة المثلى للحل.  

من المحتمل كذلك أن يتم الترويج، خلال الفترة المقبلة، لقانون الانتخابات الجديد، في إطار حزمة خادعة من الخيارات. وبالتزامن مع حملة دعائية ضخمة لجعل هذه الحزمة تبدو أكثر جذبًا من قبيل الحديث عن أن "الشعب سيختار النائب الذي يعرفه"، و"القضاء على هيمنة قادة الأحزاب"، سيترك القانون الجديد سلطة تحديد الدوائر الانتخابية في يد رئيس الجمهورية. ولا شك أن حزب العدالة والتنمية سيسعى للحفاظ على أغلبية البرلمان، وربما يتم مع هذه الحزمة إلغاء نظام الانتخاب على جولتين.  

والواقع أن رغبة الحكومة في تطبيق النظام الجديد بنسبة 100% لا بد أن يقابلها عجز تام داخل مؤسسات الدولة المختلفة على ممارسة دورها بحرية؛ لأن النظام الحالي لن يتورع عن تدمير المؤسسات الحالية، وإفقادها قيمتها، تماماً مثلما حدث في نموذج المجلس الأعلى للانتخابات. وهذا الأمر، بالنسبة لهم، من السهولة بمكان، كأن تقوم بسحب شعرة من قالب من الزبد، وإن كان لا يمنع أن يظهر بين الحين والآخر بعض الأصوات المعارضة لهذا من داخل تلك المؤسسات.

على سبيل المثال، على الرغم من أن استقلالية البنك المركزي التركي لم تتعد كونها مجرد حبر على ورق لفترة طويلة، إلا أن أعداداً قليلة انخدعت بما تقوله الحكومة من أن  سمعة العملة المحلية في بلدٍ ما، وإمكانية التنبؤ بأداء الاقتصاد تظل مقيدة بهذه الاستقلالية؛ لذا فهم يرون أنه من الضروري تقييد سلطاته؛ لذلك كانت المهمة الأولى للحزب الحاكم بعد الانتخابات، والتي اضطر مجبراً لتأجيلها قبل الانتخابات، هي التنكيل بمحافظ البنك المركزي.

لم ينتظر أردوغان انتهاء مدة خدمة محافظ البنك المركزي، وقام بعزله عن منصبه في منتصف الليل، وعيَّن محافظاً جديداً. وكانت المهمة الأولى للرئيس الجديد هي إجراء تخفيض كبير في سعر الفائدة؛ تلبيةً لرغبة الرئيس. وعلى الرغم من أن النسبة الجديدة لم ترض تطلعات الرئيس أيضًا، إلا أنه قبل بها، بشكل مؤقت، على اعتبار أنها مجرد بداية لتخفيضات أخرى مقبلة.  

أراد أردوغان بهذا أن يثبت صدق أطروحته بأن سعر الفائدة هو السبب وأن التضخم هو النتيجة. ولا شك أن الأشهر القليلة المقبلة ستكشف كيف كان هذا القرار صائباً، وكيف قام البنك المركزي، الذي يدَّعون أنه مستقل، بعرقلة نمو الاقتصاد، وبطبيعة الحال، عرقلة مسيرة حزب العدالة والتنمية بتعمده عدم خفض سعر الفائدة.

بالفعل ستخرس ألسنة كل من يتحدثون عن سياسات التيسير النقدي لدى الاحتياطي الفيدرالي، والبنك المركزي الأوروبي، أو عائدات السياحة، أو أن الشعب لم يعد لديه أموال ينفقها، ولكن عندما يعاود التضخم ارتفاعه مرة أخرى بعد نوفمبر، فحينها سوف يكون لكل حادث حديث.  

حسناً، إن أولوية السلطة إذن لم تكن التضخم، وإنما النمو؛ فعلى الرغم من خفض سعر الفائدة، وتكتل الحكومة بكل قوتها خلف تحقيق هذا الهدف، إلا أن الاقتصاد لم ينتعش، ولم يتحقق النمو المنشود حتى الآن، بل لا يبدو ذلك ممكنًا في الفترة المقبلة بسبب تآكل الثقة، وعدم قدرة البنوك على منح قروض جديدة؛ لذلك كان ضرورياً للسلطة الحاكمة اليوم أن تبدأ تدريجياً بالتذرع بوجود اللاجئين السوريين، وإثارة المشاكل حولهم.  

يبدو أن اللاجئين السوريين سيكونون ذريعة أردوغان الجديدة، ليس فقط لحدوث الأزمة الاقتصادية التي عجز عن حلها، ولكنه سيتخذ منهم أيضاً مسوغاً لإقناع الشعب التركي بالتوغل في عمق الأراضي السورية  مسافة 30-35 كم؛ لذا لم يكن من قبيل الصدفة أن تأتي عمليات الإعادة إلى الوطن التي بدأها بمطاردة السوريين في الشوارع، وفي أماكن عملهم بالتزامن مع العملية العسكرية ضد سوريا، التي قالت عنها الحكومة التركية، إذا لم تقم بذلك الولايات المتحدة فسوف نفعله نحن. 

إن ثاني المؤسسات التي تزعج السلطة الحاكمة هي المحكمة الدستورية. يبدو أن القرار الذي اتخذته المحكمة الدستورية بشأن الأكاديميين الذين نشروا إعلان السلام "لن نكون شركاء في هذه الجريمة"، الذي وقَّع عليه في البداية 1128 عضواً، ثم ارتفع بعد ذلك ليتخطى ألفي توقيع، كان محبطاً للغاية بالنسبة لوسائل الإعلام والأكاديميين المؤيدين للحزب الحاكم.

من ناحية أخرى، كان اتخاذ قرار انتهاك الحقوق ضد هؤلاء رقم 8-8 ، بعد تدخل الرئيس وتصويته لهذا، مُوجهاً في الأساس إلى رئيس المحكمة الدستورية لدرجة أنه حتى المؤسسات، التي نطلق عليها اسم "جامعات"، والتي من المفترض أن تدافع عن الحريات، وأن تقف ضد أية محاولة لفرض قيود استثنائية، أصدرت (لسبب ما) بياناً مضاداً لقرار رئيس المحكمة الدستورية، وقَّع عليه 1071 عضواً (أصدر بعض هؤلاء تصريحات بعد ذلك، قالوا فيها إن توقيعاتهم وضعت دون الرجوع إليهم) .  

وبالإضافة إلى اﻟ 1071 شخصاً، الذين وقعوا على هذا البيان، أصدرت رئاسة جامعة إسطنبول، التي تخرَّج فيها أرفع رجال القانون في تركيا وأقدرهم، تصريحاً، هي الأخرى، بعنوان "حول ما يسمى ببيان إعلان السلام". كنتُ أتمنى لو أن رئيس الجامعة استمع لرأي أعضاء هيئة التدريس بكلية الحقوق في الجامعة، قبل الإقدام على هذه الخطوة، أو على حد قول المحامي الدستوري إبراهيم كابوغلو، ليته لم يُقدم على ارتكاب جريمة انتهاك الدستور إرضاءً للحزب الحاكم.

يبدو أن رد الفعل الشديد من جانب الحكومة على قرار رئيس المحكمة الدستورية كان المؤشر على عزم الحكومة إجراء تغييرات في هيكل المحكمة الدستورية وأعضائها في الخريف. وفي رأيي الشخصي، إن تداول أخبار من قبيل "الأعضاء الذين عيَّنهم عبد الله غول ... و"الأعضاء الذين عيَّنهم أردوغان" هي أيضاً مؤشرات على نية الحكومة الإقدام على هذا الأمر.  

وتكشف ردود الفعل، التي سمعناها بعد قرار المحكمة الدستورية العليا، أنه لا يمكننا حل أية مشكلة، من خلال إصدار دستور جديد في دولة لا يلقي القائمون على الحكم فيها بالاً لانتهاك الدستور الحالي فيها.

وكما يتضح من المثال الأخير، فمن الواضح أن العديد من مشاكلنا الرئيسة لم تكن بسبب وجود قصور في نصوص الدستور. وهذا الأمر تعيه السلطة الحاكمة جيدًا، بل أنا على ثقة أيضًا أن المعارضة تراقب المناقشات الدستورية الجديدة بسرور كبير، بل وتستعد للتعامل مع الإجراءات التي ستحصن بها السلطة الحاكمة نظام الحكم الرئاسي، الذي يُقال إنه لم يُطبق منه سوى 10% فقط.

وعلاوة على ذلك، إن الدستور الحالي متخم بالمواد التي تتحدث عن الحقوق والحريات، التي توضح بالتفصيل حقوق المواطن التركي... والسؤال الآن: ألا تحمل ردود الأفعال، التي صدرت عن وسائل الإعلام وبعض الجامعات والأكاديميين الموالين للسلطة ضد قرار المحكمة الدستورية الأخير، دلالة على أن مشكلتنا الأساسية ليست في نصوص الدستور الحالي ومواده؟

كان البروفيسور إبراهيم كابوغلو محقاً فيما قاله، من الواضح أن هذا البيان كان انتهاكاً صارخاً للدستور؛ حيث تنص المادة 138 من الدستور على أن "القُضاة يصدرون أحكامهم وفقًا "للدستور والقانون وقناعتهم الشخصية"، وتتحدث المادة 153 من الدستور عن قرارات المحكمة الدستورية.

تنص هذه المادة على أن "قرارات المحكمة الدستورية مُلزمة لكافة الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية والسلطات الإدارية والأشخاص الحقيقيين والاعتباريين في الدولة". 

ماذا تنتظرون بعد هذا؟

الحقيقة هي أن الأعمال التي بدأها جناح السلطة، وعاصفة الانتقادات التي شنَّها على قرار المحكمة الدستورية الأخير... كانت جميعاً مؤشرات على اتجاه السلطة الحاكمة نحو تحصين قوتها بزعم دعوة الجميع للمشاركة في نقاشات الخريف عن النظام الرئاسي وشبه الرئاسي ودوائر محدودة من أجل برلمان قوي.. الخ. 

يجب على المعارضة، في المقابل، أن تتوخى الحذر في الفترة المقبلة حتى لا تسقط في الفخ، وأن تؤكد بإصرار وثبات أنه بغض النظر عن اسم النظام؛ سواء كان رئاسياً أو شبه رئاسي، فإن الضمانة الأساسية تكمن في حتمية فصل السلطات، ووجود سلطة قضائية مستقلة، وبالتالي تكون قد أعلنت رفضها المشاركة في لعبة السلطة الحاكمة.

أما نحن، فيجب علينا، بوصفنا مواطني هذا البلد، أن نأخذ الأمر على محمل الجد، وألا نفرط في حقوقنا في ظل أنظمة استبدادية، وألا نسمح، على حد قول مراد سيفينج، "للسياسة أن تسرق أوقاتنا بكلمات لا طائل من ورائها".  

هذا المقال يعكس آراء المؤلف وليس بالضرورة أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/gucler-ayriligi/temel-guvencemiz-gucler-ayriligi-ve-bagimsiz-yargidir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.