متى وكيف فقد أردوغان حظوته لدى الغرب؟

إسطنبول – حرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سنوات حكمه الأولى على تقديم نفسه للغرب بصورة الزعيم المنفتح القادم من خلفية سياسية "مظلومة" وإسلامية معتدلة، والباحث عن مدّ جسور التعاون أكثر مع أوروبا، والراغب بشدّة بانضمام بلاده إلى الاتّحاد الأوروبيّ، وقام في سبيل ذلك باتّخاذ بعض الخطوات الإصلاحية داخلياً، كالتواصل مع حزب العمال الكردستاني الذي يصفه بالإرهابي، والاعتراف بوجود قضية كردية في تركيا، وإيلاء بعض الاهتمام للمناطق الكردية التي كانت تعاني التهميش والإقصاء لسنوات.

لم يوفّر أردوغان أيّة وسيلة للتقرّب من الغرب والتودّد إليه من أجل تسريع عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبيّ، وعمل على تصدير صورة الزعيم الديمقراطيّ الذي يكون صندوق الانتخابات وسيلته لاستلام سدّة الحكم، في حين أنّه كان يبيّت استغلال سلطته لتغيير نظام الحكم في البلاد، والتوجّه نحو سلطة استبدادية فرديّة، بحسب ما أثبتت الوقائع لاحقاً.

لعبت عدّة عوالم في كشف صورة أردوغان الحقيقيّة أمام الغرب، وفضحت توجّهاته ومآربه التي لم يتمكّن من التغطية عليها لفترة طويلة، وبدأ بفقدان حظوته لدى الغرب في عدّة محطّات، وعلى مدى بضع سنوات فقط.

تذكر الباحثة والأكاديمية التركية إزغي باشاران في كتابها "تركيا والنزاع على الشرق الأوسط" أنه بعد عام 2013، تبدّلت النبرة في الغرب بصدد تركيا. لقد اختفى نموذج الدور الإسلامي المعتدل في الغرب، وخسر أردوغان حظوته. وكانت ردة فعله قاسية على ذلك الانقلاب في الرأي.

تحطّمت صورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الغرب مع احتجاجات متنزّه غيزي التي بلغت ذروتها في شهري مايو ويونيو 2013، ولم يعد الغرب يرى فيه ذاك الزعيم المفترض لأفضل إسلام سياسية ممكن. وأضحت الكوّة التي صمّمها الغرب والليبراليون الأتراك صغيرة جدّاً بالنسبة إلى زعيم تزداد قوّته وسلطته يوماً بعد يوم، كما أن شخصية أردوغان ومطامحه ومخاوفه أدّت دوراً كبيراً في الفشل في توطيد ديمقراطية حقيقية.

اتّهم أردوغان المحتجين في غيزي بأنّهم متآمرون مع الأعداء، وخونة، ولم يبق أيّ اتهام إلّا وألصقه بهم، وذلك في محاولة يائسة منه لتجريمهم وشيطنتهم، وتبرير تنكيل حكومته بهم، ولاسيما أنّ الجانب السلمي والمدني الذي انتهجوه في احتجاجهم لفت الأنظار، وجذب التعاطف معهم من قبل الشارع التركي.

ورفض الرئيس التركي السابق عبدالله غو الذي كان حليف أردوغان، تبني وجهة نظر أردوغان حيال احتجاجات غيزي التي اعتبرت أكبر موجة احتجاجات ضد حكومة العدالة والتنمية منذ توليها مقاليد السلطة في عام 2002. وقال غول إنه كان فخوراً جدا بها.

وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يونيو 2016، كان أردوغان غاضباً من الاتّحاد الأوروبيّ لأنّ زعماءه تأخّروا في إدانة محاولة الانقلاب أو توانوا في إدانتها. كما لم يبادر أيّ زعيم أوروبيّ إلى زيارة تركيا لإظهار تضامنه في الأسابيع التي أعقبت الانقلاب مباشرة، ولم يسلّم ايّ منهم باحتمال أن تكون حركة غولن هي من دبّر محاولة الانقلاب وقامت به، عدا المملكة المتحدة التي أعربت عن أنّها لا تجد صعوبة في قبول الرواية التركية الرسمية لمحاولة الانقلاب.  

وبعد ذلك شكّل الاستفتاء العام الذي دفع إليه الرئيس التركي للانتقال بالبلاد من الحكم البرلماني إلى النظام الرئاسي، وتمريره في البرمان، بمثابة صدع آخر في العلاقة بين تركيا والغرب، وأثبت للغرب أنّ أردوغان ماضٍ في سياسة الاستبداد والتوجّه نحكم حكم الفرد والحزب الواحد، ويخرج تركيا من مسار الديمقراطية الذي كان يزعم أنّه يسير عليه.

الأزمات كشفت حقيقة أردوغان
الأزمات كشفت حقيقة أردوغان

وحين خسر مرشّح أردوغان لبلدية إسطنبول؛ بن علي يلدريم، في الانتخابات المحلية التي أجريت في نهاية مارس الماضي، ولم يتمكّن من مواجهة مرشّح المعارضة الصاعد أكرم إمام أوغلو، انقلب أردوغان على صندوق الانتخابات، وفرض إعادة الانتخابات في يونيو الماضي، ليخسر مرشّحه مرّة أخرى، وبفاقر أصوات أكبر، ما ساهم بكشف ألاعيبه للغرب أكثر، وفضح مزاعمه باحترام إرادة الناخبين ونتائج صناديق الاقتراع التي قادته للحكم.

وبدأ أردوغان بالتحول تدريجيّاً من سياسة المرونة في التعاطي مع الاتحاد الأوروبي إلى أسلوب الهجوم عليه، وتصعيد لهجته الخطابية الاتهامية، وأعلن أن الاتحاد الأوروبي يماطل تركيا، وقال: "لنقل وداعاً للاتحاد الأوروبيّ وننضمّ إلى منظمة شنغهاي للتعاون.

وتشير باشاران بحلول ذلك الوقت، ومع انتهاكات تركيا لحقوق الإنسان وبطشها بوسائل الإعلام، كانت قد قالت بالفعل وداعاً لعملية الانضمام للاتحاد الأوروبي لحين من الزمن، إلى أن انبثقت أزمة اللاجئين السوريين وشكّلت تهديداً كبيراً للبلدان الأوروبية كافة.

وقرّر زعماء الاتحاد الأوروبيّ الذين انتقدوا بين الفينة والأخرى أعمال القمع التي يمارسها أردوغان أن يتفاوضوا على صفقة مع تركيا، لكن التوصل إلى صفقة مع تركيا كان بالغ الصعوبة بسبب الجمود الحاصل في العلاقات القائمة بينها وبين الاتّحاد الأوروبيّ.

ولم يساهم المناخ الذي ساد بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يونيو 2016، في تحسين العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، كما لم تصمد الاتفاقية الهشة والمؤقّتة حول اللاجئين بينهما.

أصبح أردوغان اليوم يتعاطى مع الغرب بأسلوب الضغط والابتزاز، بعيداً عن المسؤولية التي ينبغي أن يتحلّى بها رئيس دولة تجاه حلفائه، ضارباً عرض الحائط بجميع الأصول والأعراف الدبلوماسية، ومظهراً وجهاً عدوانياً لا يليق بتركيا وشعبها، بحسب ما يلفت معارضون أتراك.

وأثارت محاججة أردوغان لأوروبا بملف حقوق الإنسان، سخرية مراقبين ومعارضين وصفوه بالحاكم الذي لا يعير أي اهتمام للحريات والحقوق العامة في بلاده، وحول تركيا إلى دولة مارقة، وإلى أكبر سجن للصحفيين في العالم، وأنه آخر مَن يحقّ له التحدّث في شعاراته كهذه.  كما أثار رفع أردوغان شعارات حقوق الإنسان في مساومته لدول الاتّحاد الأوروبي التي يستخدم ورقة اللاجئين للضغط عليها وابتزازها، أسئلة عن ممارساته على أرض الواقع، حيث أصبح مناخ الرعب سائداً في تركيا تحت سلطته التي توصف بالاستبدادية من قبل معارضيه.

وفي استكمال لسياسته الهجومية، اتهم أردوغان مؤخّراً في خطاب ألقاه بأنقرة الدول الأوروبية وبينها اليونان بـ”الدوس” على حقوق الإنسان عبر “ضرب وإغراق زوارق وحتى إطلاق النار” على المهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا من تركيا بعدما فتحت أنقرة حدودها أمامهم.

ويقول محلّلون، ومنهم سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إنّ التاريخ سيذكر أردوغان بأنه الزعيم الذي أدى إلى انهيار تركيا الحديثة، وهو ما تؤكده تقارير دولية وأممية، منها تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الذي يرصد تراجعا خطيرا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا نتيجة سياسات النظام الحاكم.

وما يزال ترتيب تركيا في مجال حقوق الإنسان ينذر بخطر كبير، حيث يقبع نظام أردوغان، بحسب تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود للعام 2019، في المرتبة 157 على مستوى العالم في مؤشر حرية الصحافة، وما زال قرابة المئة وثمانين صحفيا وإعلاميا في الاحتجاز دون محاكمات، أو يقضون عقوبات ملفقة بتهم الإرهاب. كما يخضع المئات من الموظفين والسياسيين وضباط الشرطة وغيرهم لمحاكمات لا تتوفر فيها أبسط متطلبات العدالة القضائية المتعارف عليها.