أغسطس 24 2019

مُدن الأكراد باقية لهم

 

نجت البلديات، التي يسيطر عليها الأكراد، بداية مع حزب الشعب الديمقراطي في عام 1999، من العديد من الكوارث، التي ألمّت بها بمرور السنين، ودفع عشرات من رؤساء البلديات، وما زالوا يدفعون، ثمن توليهم أمر الإدارة المحلية على أراضيهم، ثم جاء الانقلاب المدني في 19 أغسطس 2019  ضدّ أكبر ثلاث بلديات كردية بكارثة جديدة.
وعلى الرغم من كل الضغوط والممارسات المناهضة للديمقراطية، استطاعت السياسة الكردية  تحقيق نجاحات في مجلس النواب، وفي الإدارة المحلية، عن طريق توسيع دائرة تأثيرها منذ عام 2002 ، عندما جاء حزب العدالة والتنمية، وحتى الوقت الحالي. وعلى الجهة الأخرى، كان حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان يزداد عداوة كلما زادت المكاسب المشروعة للشعب.
يبدو أن ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي، الذين تركوا بصمتهم، بشكل لا يقبل الجدل، على نتائج الانتخابات الأخيرة في اسطنبول، أصبحوا في مواجهة مباشرة مع سياسة ستجعلهم يدفعون الثمن على أرضهم هم.
يعيش الأكراد، الذين أُجبروا على نظام الوصي، تجربة خطة "إصلاح الشرق" التي يتم تحديثها في المنطقة كل عشر سنوات؛ فبعد إعلان الجمهورية، تمت الموافقة على خطة إصلاح الشرق، التي تم إعدادها في إطار سياسة إقصاء الأكراد، من قبل مجلس الوزراء في 24 سبتمبر 1925 ، ومن ثم بدأ تطبيقها، وتم، في إطار هذه الخطة كذلك، إقرار "قانون الإسكان الجبري"، الذي دخل حيز التنفيذ في عام 1934 ، وكان يهدف إلى تهجير السكان من خلال عمليات الترحيل والنفي خارج الوطن.
ووفقًا للمادة 11 من خطة إصلاح الشرق، لن يتم السماح بتعيين أي موظف كردي، حتى في الدوائر الحكومية من الدرجة الثانية في الشرق. وكان طرد العمال الأكراد من البلديات والمؤسسات العامة في الدولة وإلغاء عقود العمال في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، واستبدالهم بموظفين آخرين من المحافظات الغربية دليلاً واضحًا على أن هذه الممارسات كانت مستوحاة من خطة الإصلاح كذلك. 
حظرت الخطة كذلك التعامل بلغات أخرى غير التركية في الولايات ومراكز المقاطعات والمكاتب والدوائر الحكومية والبلديات وفي المؤسسات والمدارس وجميع مجالات الحياة في المنطقة. وألهم نظام هيئات التفتيش، التي ظهرت في إطار هذه الخطة، حكومة العدالة والتنمية لاستخدام نموذج الوصي على البلديات. والواقع أنه لا يوجد ثمة فارق كبير بين تصرفات عابدين أوزمن ، الذي تم تعيينه مسؤولاً من الدرجة الأولى عن محافظات مثل ديار بكر وفان وهكاري وماردين، وما يقوم به الأوصياء المُعيَّنون من قبل الحكومة اليوم.
وكانت هيئات التفتيش ترتبط في عملها برئاسة الجمهورية مباشرة؛ لأنها كانت تقوم بدور الحاكم الإقليمي، وكانت تتمتع بصلاحيات وسلطات نافذة على المدنيين والعسكريين ورجال القضاء في المنطقة التي أنشئت فيها بين عامي 1927-1952. باختصار كانوا لا يخضعون للمساءلة تماماً مثل الأوصياء الذين تُعينهم الحكومة اليوم.
شملت عملية تعيين الأوصياء، التي بدأت في 11 سبتمبر 2016، 95 بلدية تابعة لحزب الشعوب الديمقراطي تشمل 10 مقاطعات و 63 مركزاً و 22 بلدة. قُبض على العديد من رؤساء البلديات، وحُكم عليهم بالسجن لمدة طويلة. لقد سلكت حكومات حزب العدالة والتنمية، التي تدعي أنها تحارب نظام الوصاية، نفس مسلك حكومات الحزب الواحد، التي طالما انتقدوها في الماضي، بإتاحة الفرصة أمام تطبيق وصاية بيروقراطية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى على إدارات الحكم المحلية.
كان الترتيب لشكل مجيء الأوصياء على البلديات، وتجهيز البنية التحتية القانونية اللازمة لذلك مؤشراً واضحاً عن طبيعة الحقبة الجديدة في تركيا. كان حزب العدالة والتنمية أول من تقدم إلى مجلس النواب بمشروع قانون يسمح بتعيين أوصياء على البلديات في عام 2016، ولكن تمكنت الكتلة النيابية لحزب الشعوب الديمقراطي، بالتعاون مع نواب آخرين من أحزاب المعارضة، بإحباط هذه المحاولة.
وفي أعقاب ذلك، استغلت حكومة العدالة والتنمية محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو للتحايل على الدستور والقوانين المعروفة؛ فاستصدرت مرسوم القرار رقم 674 في 4 سبتمبر 2016، الذي سمح بإضافة تعديل إلى المادة 45 من قانون البلدية رقم 5393 ؛ يسمح بتعيين أوصياء على البلديات، ومن هنا بدأ العمل بنظام تعيين الوصي.
شهدنا جميعًا كيف دخل الأوصياء الذين عيَّنتهم الحكومة إلى مباني البلدية، وقد أحاطت بهم كلاب الحراسة والمجنزرات والعربات المصفحة والفرق الخاصة، ورأينا كيف أُجبِر أعضاء المجلس والموظفون على الخروج من مباني البلدية بالقوة. كان الهدف الرئيس لتعيين حكومة حزب العدالة والتنمية أوصياء على البلديات هو اغتصاب ما عجزوا عن الحصول عليه بواسطة الانتخابات، حتى إن كان ذلك باستخدام القوة، والقضاء على نموذج البلدية الديمقراطي التحرري في تلك المدن. لهذا السبب، لا يمكننا وصف ما حدث إلا أنه كان هجومًا أيديولوجيًا مدبراً.
وما حدث أنه خلال فترة وجود الأوصياء المعيَّنين تمّ استبعاد الشعب من جميع عمليات صنع القرار، كما تمت مصادرة حقه في وضع الميزانية. قام هؤلاء الأشخاص كذلك بإقصاء مجالس المدن ومجالس الأحياء بعيداً عن المشاركة في المجال السياسي؛ وبذلك بدأت عملية توطين نظام الرجل الواحد في تركيا وترسيخه.
وبمجرد تولي هؤلاء الأوصياء مناصبهم في البلدية قبل ثلاث سنوات، ظهر فسادهم المشين، ليس هذا فحسب، بل وبدأوا في تنفيذ سياسة خاصة من أجل ضرب روح التضامن والتعاضد بين الشعب في تلك المناطق؛ فتم إغلاق بنوك الطعام ومراكز الإرشاد النفسي ودور الحضانة والملاعب ومراكز رعاية المسنين وورش النسيج التي أنشئت لتوفير فرص عمل للشباب، كما تم إلغاء جميع الدورات التابعة لمديرية الرياضة، وإلغاء المشروعات الاجتماعية الخاصة بالمعوقين والشباب.
من ناحية أخرى، كانت اللغة الكردية من أولى الأمور التي استهدفها هؤلاء الأوصياء؛ فتم إغلاق المشروعات الثقافية مثل الحضانات والمدارس التي تدرس باللغة الكردية، وإلغاء كتب الحكايات وألعاب الأطفال ومراكز الدراسات التي تحتوي على قواميس صور ودورات ومكتبات، كما تم حرق  آلاف الكتب في مكتبات البلديات وتدميرها.
وإلى جانب اللغة الكردية، كانت المرأة أيضاً على رأس الأشياء التي استهدفها النظام في هذه المناطق كذلك؛ فجرى تصفية الدراسات النسائية، وكافة المؤسسات التي تمّ إنشاؤها منذ عام 1999 إلى يومنا الحاضر. وتم حظر جميع الدراسات الخاصة بتجريم العنف ضد المرأة في المحافظات والمدن التي يوجد بها 43 مركزاً نسائياً، والتي انتهى مصيرها إما إلى الغلق أو إسناد أمرها إلى مؤسسة المرأة والديمقراطية، الذي تترأسها سمية ابنة أردوغان.
ليس هذا فحسب، بل وجرّت السياسات المالية التي اتبعها هؤلاء الأوصياء البلديات إلى الاستدانة. فعلى سبيل المثال قام الوصي، الذي عيَّنته الحكومة على بلدية ديار بكر، بإنفاق مبلغ 750 ألف ليرة، دفعة واحدة؛ من أجل شراء أثاث لغرفة مكتبه فقط، بالإضافة إلى 350 ألف ليرة أخرى لشراء أبواب من الفولاذ وزجاج مضاد للرصاص، وأنفق كذلك 250 ألف ليرة من أجل الحماية.
وعندما علم هؤلاء الأوصياء أن البلديات أصبحت مثقلةً  بالديون، وأنهم سيخسرون مدفوعاتهم في المناقصات، قاموا بترك مناصبهم بعد انتخابات 31 مارس. فعلى سبيل المثال، اقترض الأوصياء خلال عام 2017 وحده، 71% من دخل بلدية كايا بينار و25% من بلدية ماردين و 18% من دخل  بلدية فان.
تم إثبات وقائع فساد الأوصياء من خلال التقارير التي أعدها ديوان المحاسبات. فعلى سبيل المثال اكتشف البرنامج الرقابي لديوان المحاسبات عام 2017 في بلدية آغري فقط وقائع فساد تتعلق بمبلغ 50 مليون ليرة تركية لم يُذكر شيء عنها في السجلات.  
استطاع الأكراد استعادة بلدياتهم مرة أخرى في 31 مارس، مع خسائر طفيفة؛ لذلك حاول حزب العدالة والتنمية وزعيمه تنفيذ تهديده ووعيده الذي ذكره صراحة قبل الانتخابات. وكانت النتيجة تعيين أوصياء على بلديات فان وديار بكر وماردين التي لم تصوت الغالبية العظمى من الشعب فيها لصالح الحزب الحاكم.
________________________________________
هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 
https://ahvalnews.com/tr/kayyimlar/guncel-sark-islahat-planina-ragmen-o-sehirler-ezel-ebed-kurtlerindir