مُرشد العدالة والتنمية وإرثه الثقيل

أصبح النقد الموجه إلى تركيا شخصيا في السنوات الأخيرة، حيث يوجه معظم المحللين الغربيين، وحتى السياسيين، انتقاداتهم إلى الرئيس رجب طيب أردوغان. السؤال الكبير الذي يطرح نفسه لا محالة هو ما إذا كانت تركيا ستتغير إذا ترك الرجل القوي المسرح. العلامات حتى الآن غير مشجعة.

لقد فقدت تركيا الكثير من خصائص الديمقراطية التي كانت تمتلكها. داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم، الجميع في ظل أردوغان ومن الصعب تخيل أي شخص لديه الشجاعة للانفصال عن "المرشد الأعلى" وإرثه الأيديولوجي، الذي يشمل الآن أيضا أفكار وأهداف ورؤى. الذئاب الرمادية المتطرفة اليمينية. بدلاً من ذلك، من المرجح أن يظلوا على نفس المسار.

حتى الشخصيات البارزة مثل الرئيس السابق عبد الله غول، ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، ووزير المالية السابق علي باباجان، فشلوا في جهودهم لخلق اتجاه بديل جدي من داخل حزب العدالة والتنمية.

وفي الوقت نفسه، ظل حزب المعارضة الرئيسي - حزب الشعب الكمالي - في مكانه على مدار العشرين عاما الماضية بتصنيف شعبيته بنسبة 25 ٪ وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية يحاول التفوق على أردوغان بانتهاج طريق مختلف.

باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، فإن كل حزب عبر الطيف السياسي في تركيا منخرط في أجندة قومية متصاعدة، وحتى عندما لا يحتوي هذا على رؤية أردوغان التوسعية، فإنه ينطوي على احتكاك مع الغرب.

لقد أصبح من الواضح أنه بعد الهيمنة الكاملة على المشهد السياسي في تركيا طوال عقدين كاملين، فإن رؤية أردوغان تتخلص تدريجياً من رؤية كمال أتاتورك.

نظرا لغياب شخصية سياسية مؤثرة لديها الرؤية والنداء الشعبي لإعادة تركيا إلى مسار مختلف ، فليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل.

اردوغان

إرث أتاتورك ما يزال يشكل عبئا ثقيلا على أردوغان ساعياً للتخلّ منه وأن يحلّ محلّه

بدأ هذا يتضح في العواصم الغربية وفي معظم المؤسسات ومراكز الفكر ، التي لم تعد تركز كثيرا على كيفية إعادة تركيا إلى الحظيرة الأوروبية الأطلسية بقدر تركيزها على استراتيجيات إدارة تركيا الجديدة المواجهة - وهي الاستراتيجيات التي يجب أن تتضمن أيضا طرقا لوقف طموحاتها التوسعية.

وعلى صعيد الواقع التركي، يُمثل الحاضر انعكاسا للماضي أيضا. فعلى أحد المستويات، تعكس الاختلافات بين العلمانيين، والإسلاميين، والأكراد، واليساريين انقسامًا كبيرًا يمزق البلاد. فالمجتمع في ظل أردوغان  منقسم بين أولئك الذين يحترمون، ويوقرون مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة والنصف الآخر الذي يحترم أردوغان. وبالنسبة لهم، فإنه معصوم من الأخطاء، ويؤيد هذا سيطرته الكاملة تقريبًا على وسائل الإعلام التركية،كما يقول يافوز بايدر في مقال له في أحوال تركية.

ويبدو أن تركيا الجديدة التي يسعى أردوغان لتأسيسها لن تختلف كثيرًا في سماتها الرئيسية. ففي تصوره فهو يريدها أن تكون انعكاسية ومنقسمة بشدة، ومعارضة لأتاتورك، وأن تكون هويتها السنية واضحة بصورة تمامًا.
كما يعلم أردوغان أنه يمكنه تحقيق هدفه هذا فقط من خلال مساعدة يمكن أن يحصل عليها من القوميين اليمينيين المتطرفين، الذين يغمر تعاطفهم مع أتاتورك بطرق عديدة أسطورة القومية التركية الضاربة في عمق آسيا الوسطى. وكان أتاتورك يعارض هذا المظهر. ويمكن القول إن أردوغان يعمل ببراعة على دمج أيديولوجيتين معًا ألا وهما القومية التركية والإسلامية التركية. 

اردوغان

تعزيز النفوذ الشخصي وأن الحزب يساوي اردوغان وأردوغان يساوي الحزب جعل سطوته مطلقة

وكلما زادت سيطرة أردوغان على المؤسسات الرئيسية للدولة، كلما زاد التفوق الذي يدعيه على أتاتورك الذي يُلقي عليه باللوم في "قمع المتدينين". ومن الواضح أن أردوغان يحقد على أتاتورك بسبب الشعبية التي تمتع بها أتاتورك لعقود من الزمان بعد وفاته.
وهذا كله عن صنع أسطورة في دول يتم فيها نقل الثقافة المتوارثة الضاربة الجذور والسلطة من جيل لآخر. فأتاتورك أسطورة بالنسبة للملايين من أبناء الشعب التركي، وما يطمح أردوغان لتحقيقه هو فرض أسطورة عن نفسه، وبهذه الطريقة يقضي على أسطورة أتاتورك. ويأمل أردوغان، على أقل تقدير، في أن يجعل أسطورة أتاتورك ثانوية في العقلية الجمعية.

ويبدو أن تركيا الجديدة التي يسعى أردوغان لتأسيسها لن تختلف كثيرا في سماتها الرئيسية. ففي تصوره فهو يريدها أن تكون انعكاسية ومنقسمة بشدة، ومعارضة لأتاتورك، وأن تكون هويتها السنية واضحة بصورة تمامًا.
كما يعلم أردوغان أنه يمكنه تحقيق هدفه هذا فقط من خلال مساعدة يمكن أن يحصل عليها من القوميين اليمينيين المتطرفين، الذين يغمر تعاطفهم مع أتاتورك بطرق عديدة أسطورة القومية التركية الضاربة في عمق آسيا الوسطى. وكان أتاتورك يعارض هذا المظهر. ويمكن القول إن أردوغان يعمل ببراعة على دمج أيديولوجيتين معًا ألا وهما القومية التركية والإسلامية التركية. 
كما يرغب أردوغان في أن يرتقي فوق هذا الدمج وأن يكون أكثر نجاحًا لفترة أطول من تلك التي تمتع بها أتاتورك. وربما يأمل في أن يكون الزعيم الأبدي لتركيا. ومع الوضع في الاعتبار تأييد الحشود المحافظة له، فقد ينجح أردوغان في مسعاه هذا.

* بالإشارة الى مقال توم ايليس في ايكاثيميرني.