مواقف أردوغان من الصين.. انتهازية بلا مبادئ

قيل الكثير عن التحول العقائدي فيما تمارسه تركيا من سياسة خارجية تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية.

والواقع أن هذا حقيقي. فلسنوات تركت أفكار أردوغان ورؤاه عن العالم بصمتها على العلاقات الخارجية للبلاد.

لننطلق من تعامل تركيا مع الربيع العربي وصولا إلى المشاكل التي تشوب علاقاتها مع الولايات المتحدة لنجد العديد والعديد من الأمثلة التي تشير بوضوح إلى أن الحسابات المجردة المفترض أن تكون في صالح الدولة إنما تغلب عليها حسابات الولاءات والانتماءات أو تظهر فيها بجلاء انحيازات صارخة.

ففي ظل كل ما في يدي الرئيس من صلاحيات، يبدو هذا التحول أمر محتوما.

يكفي النظر إلى معتقدات أردوغان وميوله وما يزعجه وما يخيفه لنفهم الأسباب التي تدفع تركيا للتعامل بطريقة ما مع دولة ما في توقيت ما.

ربما تكون الإشارة الأخيرة إلى أسباب تعامل تركيا مع الدول المختلفة صحيحة، لكنها لا تشير بالضرورة إلى أن السياسة الخارجية للبلاد قد انفصلت عن مبادئها النفعية.

لدينا مثال في الرحلة التي قام بها أردوغان إلى الصين، حيث رافقه وزراء ومسؤولون كبار في الدولة، كمدير المخابرات هاكان فيدان، في دليل واضح يثبت هذه النقطة.

بالتأكيد على دعم أنقرة لمبادرة طريق الحرير، إلى جانب طموحها لتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع بكين، فإن تركيا تبعث برسالة قوية مفادها أنها تسعى لتنويع تحالفاتها الدولية لتتجاوز حدود الولايات المتحدة وروسيا.

فتركيا لا ترى في نفسها خط دفاع أماميا للغرب، ولا شريكا صغيرا لموسكو، بل لاعبا طموحا في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

ومن الواضح أن الجزء المعروف باسم "الممر الأوسط" من مبادرة طريق الحرير التي تربط الصين بأوروبا مرورا بتركيا (مع تجاوز روسيا) يوجه صفعة قوية لمبادئ العلوم الجيوسياسية.

غير أن التطلعات بعيدة المدى تتطلب دفع الثمن، وفورا. لعل كثيرين أصابتهم صدمة لرؤية أردوغان يلقي بثقله الكامل وراء الرواية الصينية لما يحدث في شينجيانغ، الإقليم الواقع في شمال غرب البلاد والذي تسكنه أغلبية من المسلمين الأويغور وغيرهم من المجموعات المنحدرة من آسيا الوسطى مثل الكازاخ والأوزبك.

وكانت تعليقاته في حضور الرئيس الصيني شي جين بينغ، التي نقلتها وسائل الإعلام الرسمية الصينية، صادمة، وهذا أقل وصف ممكن.

قال أردوغان "الناس يعيشون في سعادة في إقليم شينجيانغ  الصيني في ظل التقدم والرخاء الذي تشهده الصين.. وتركيا لا تسمح لأحد بإثارة مشاكل في العلاقات التركية الصينية."

وأضاف أردوغان "إن تركيا تعارض وبقوة الأفكار المتطرفة وتعتزم زيادة مستوى الثقة السياسة المتبادلة مع الصين وتعزيز التعاون الأمني المشترك."

لقد كان بوسع أردوغان أن يلتزم الصمت حيال ما يتعرض له الأويغور من ويلات، فهناك منهم مليون شخص تحتجزهم السلطات الصينية فيما تطلق عليها اسم "معسكرات إعادة تأهيل"، وفقا لما تقوله منظمات دولية معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان.

لكنه وبدلا من ذلك اختار ترديد الرواية الصينية بحذافيرها. كما أن الإشارة إلى الأفكار المتطرفة في إقليم شينجيانغ الصيني لابد وأن تثير الدهشة في تركيا أيضا.

فالصين، مثل روسيا، لا تصنف حزب العمال الكردستاني باعتباره منظمة إرهابية.

وبالتالي، فإن الرئيس التركي قد ذهب بعيدا جدا في التودد إلى الصين، وذلك على حساب الروابط العرقية لتركيا.

من المفيد هنا أن نذكر ما حدث عام 2009 حين وصف أردوغان حملة القمع التي مارستها الصين على احتجاجات الأويغور في إقليم شينجيانغ بأنها حملة "تطهير عرقي"، ثم ما جرى مؤخرا، في فبراير الماضي، حين اعتبر بيان لوزارة الخارجية التركية أن معسكرات الاعتقال المشار إليها تلك هي "عار على جبين الإنسانية."

لكن هذا التحول الكامل لا يجب أن يمثل مفاجأة. فموقف كهذا من القيادة التركية ليس الأول من نوعه.

إن تركيا في كل مرة اضطرت فيها للاختيار بين تأييد المجموعات المنحدرة من آسيا الوسطى أو الأقليات المسلمة وبين أولوياتها الأمنية أو الاقتصادية، كان الاختيار دوما يقع على الأولويات الأمنية والاقتصادية.

وبالتالي، فإن القلق بشأن التتر في شبه جزيرة القرم لم يكن كافيا لإقناع أنقرة بتأييد العقوبات التي فرضت على روسيا عام 2014.

قد يذكر بعض المراقبين المتابعين للشأن التركي كيف اعتبر رئيس الوزراء التركي السابق بولنت أجاويد، خلال زيارة قام بها إلى موسكو في نوفمبر عام 1999 حيث التقى رئيس الوزراء المعين حديثا حينها فلاديمير بوتين، أن حرب الشيشان الثانية والحملة العسكرية التي تقوم بها روسيا هناك باعتبارها "شأنا داخليا روسيا."

غير أن الجديد هنا في الواقع هو قدرة أردوغان التي لا يضاهيه فيها أحد على التنقل بين الأدوار المتباينة ليتنقل من دور المدافع المتحمس عن المسلمين المضطهدين في مختلف أنحاء العالم إلى دور رجل الدولة الذي يضع مصالح تركيا في المقام الأول.

وكالعادة، يبقى السؤال عما قد تجنيه تركيا من وراء هذا الهجوم الصادم.

فمخاوف تركيا في تعاملها مع الصين لا تختلف عما تشعر به من قلق في تعاملها مع الولايات المتحدة وأوروبا.

يميل الميزان التجاري بين البلدين بشدة ليصب في صالح الصين. ورغم أن أردوغان أثار هذه القضية خلال آخر زيارة قام بها إلى الصين قبل أربع سنوات، فإن الكفة مالت أكثر وأكثر ناحية الصين.

إن عجز الميزان التجاري في تعاملها مع الصين قد ارتفع من 15 مليار دولار عام 2017 ليصل إلى 18 مليار العام الماضي.

تأمل تركيا بالتأكيد في معادلة الكفة في الميزان التجاري من خلال جذب استثمارات من خلال مبادرة طريق الحرير.

وهناك زيادة واضحة في الاستثمارات الصينية في الاقتصادات التركي في قطاعات من قبيل القطاعات المالية واللوجيستيات والطاقة والاتصالات.

وتمول الصين البنية التحتية الحيوية لمشروعات مثل خط أنابيب الأناضول، كما تشارك في تطوير شبكة قطارات فائقة السرعة في تركيا.

لكن يظل تدفق رأس المال من الصين محدودا بالمقارنة بما يأتي من دول الاتحاد الأوروبي.

في عام 2017، جذبت تركيا 4.7 مليار دولار في صورة استثمارات مباشرة من أوروبا، مقابل 986 مليون دولار من الصين.

ولا يرجح أن تحل الصين قريبا محل الاتحاد الأوروبي كسوق للصادرات التركية أو كمستثمر في السوق التركية.

وبالتالي، فإن رؤية أردوغان التي تطمح لوصول التجارة التركية إلى عتبة 100 مليار دولار، مثلما عبر عنها في افتتاحية نشرتها له صحيفة غلوبال تايمز، لا تبدو واقعية.

هناك أيضا ما يتعلق بقطاع الصناعات الدفاعية الذي لا يبدو أنه يمثل فرصا للتعاون.

فتركيا ترغب في تطوير مجمع للصناعات العسكرية، وتمثل الصين – باعتبارها قوة عسكرية صاعدة تطمح للريادة في الصناعات التكنولوجية، شريكا محتملا. غير أن سجل التعاون مع البلدين يحمل عثرات بقدر ما يحمل من نجاح.

ففي عام 2013، أبرمت تركيا اتفاقا بقيمة 3.4 مليار دولار مع شركة بريسيجن ماشينيري الصينية للتصدير والاستيراد، وهي شركة مملوكة للدولة، لتقديم خدمات في إطار نظام دفاع صاروخي.

لكن الصفقة سرعان ما انهارت، لأسباب أهمها إصرار أنقرة على المشاركة في الإنتاج وعلى نقل التكنولوجيا.

وجاء الإلغاء قبل زيارة كانت مزمعة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الأناضول حيث كان مقررا أن يحضر قمة دول العشرين الاقتصادية.

خلال الأشهر القليلة الماضية، حضر مسؤولون صينيون من قطاع الصناعات الدفاعية تدريبات في تركيا.

ورافق إسماعيل ديمير، رئيس شركة الصناعات الدفاعية التركية، أردوغان ووزير دفاعه خلوصي أكار خلال الزيارة إلى الصين.

وفي هذا دليل واضح على أن صفقات جديدة ربما تخرج للعلن قريبا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/china-turkey/erdogans-chinese-trip-exercise-realpolitik
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.