موقف ميركل الأخلاقي من الهولوكوست يتبدد عندما يتعلق الأمر بتركيا

في ذكرى مرور 75 عاماً على تحرير معسكر الموت النازي أوشفيتز على أيدي الجيش الأحمر السوفييتي. حيث يتم الاحتفال بذلك اليوم منذ عام 2005 باعتباره اليوم العالمي لإحياء ذكرى المحرقة (الهولوكوست)، قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال زيارتها للمعسكر حيث قُتل نحو مليون شخص "تذكر الجرائم مسؤولية لا تنتهي أبداً. إنها تخص بلادنا بشكل لا ينفصم.. أن تكون على دراية بهذه المسؤولية جزء من هويتنا الوطنية وفهمنا الذاتي كمجتمع مستنير وحر ودولة ديمقراطية".

وقالت ميركل "لا تزال ألمانيا تشعر بالخجل الشديد لما حدث في أوشفيتز - بيركينو.. لا توجد كلمات تستطيع التعبير عن حزننا".

لا شك أن ميركل كانت صادقة، لكنني أتمنى أن يكون لديها مجرد قدر بسيط من نفس التعاطف مع مجموعة أخرى من الضحايا، وهم مواطنو تركيا الذين يعانون تحت الحكم الحديدي لصديقها الجيد الرئيس رجب طيب أردوغان.

هناك، تتحمل حكومة ميركل مسؤولية غير مباشرة عبر دعمها لأردوغان من خلال صفقات السلاح والعلاقات الاقتصادية وصمتها المطبق بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

موقف ميركل الأخلاقي من الهولوكوست يتبدد عندما يتعلق الأمر بتركيا ويسود اليوم الحياد والاسترضاء والأعمال التجارية.

وقال وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزير ذات مرة، في مارس 2016، فيما كان الاتحاد الأوروبي يشعر باليأس من إمكانية إبرام اتفاق مع أردوغان لمحاولة إنهاء أزمة اللاجئين في بحر إيجة "نحن لسنا حكماً بشأن حقوق الإنسان". وتم توقيع اتفاق اللاجئين التاريخي بعد أيام.

وبات ضبط تحركات اللاجئين على رأس أولويات العلاقات بين برلين وأنقرة.

ولم تعد حتى العلاقات الاقتصادية تحظى بنفس القدر من الأهمية مقارنة بالمخاوف المتعلقة باللاجئين على الرغم من وجود حوالي 6000 شركة ألمانية تعمل في تركيا.

لكن هنا تكمن المفارقة في السياسة الألمانية تجاه تركيا.

ترى ألمانيا، وميركل على وجه الخصوص، أردوغان عاملاً من عوامل الاستقرار، على الرغم من ممارساته الاستبدادية الشديدة أو بفضلها. لأن الألمان وغيرهم من الغربيين على حد سواء، يبدو أنهم يخشون انهيار تركيا التام. علاوة على ذلك، تناسب سياسة الاسترضاء تماماً المخاطر الاقتصادية لألمانيا في تركيا وسيطرة تركيا على تدفق اللاجئين.

لسوء الحظ رغم ذلك، كلما مارست ميركل سياسة الاسترضاء زادت انتهاكات أردوغان وزاد عدد المواطنين الأتراك الراغبين في اللجوء إلى الخارج وزادت عدوانية أنقرة في الخارج. بالنسبة لهذه المسألة، وصلت الهجرة الجماعية للمواطنين الأتراك في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016 والقمع الذي أعقب ذلك إلى أعلى مستوياتها التي لم تشهدها منذ الانقلاب العسكري عام 1980. تتحدث بعض أجهزة الاستخبارات الغربية عن مغادرة 1.5 مليون منذ يوليو 2016.

مثل كل محاولات الاسترضاء، لا سيما محاولة أدولف هتلر في ميونيخ في عام 1938، مصير محاولات ألمانيا لاسترضاء أردوغان الفشل. زادت الانتهاكات التركية بشكل كبير في الداخل والخارج منذ عام 2015، عندما كانت ميركل مشغولة بزيارة تركيا.

قامت المستشارة بعشر زيارات إلى تركيا، لتسجل رقماً قياسياً وسط السياسيين الغربيين. ومن بين هذه الزيارات، تمت ثلاث بين عامي 2005 و2014. وتركت زيارتها في الثامن عشر من أكتوبر 2015، قبل الانتخابات العامة التي جرى تزويرها في الأول من نوفمبر، شعوراً بالمرارة. لقد صُدمت البلاد من أعمال القتل بدم بارد للأكراد على أيدي قوات الأمن وسلسلة من هجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) التي يقول منتقدون إنها بتدبير الحكومة لتعويض خسارة الانتخابات السابقة التي جرت في السابع من يونيو. رأى كثيرون في تركيا هذه الزيارة إهانة جسيمة. ومع ذلك، لم تتوقف المستشارة عند هذا الحد واستمرت في القدوم في إطار اتفاقها الشيطاني مع أردوغان، بما في ذلك ثلاث مرات في عام 2016، عندما كانت البلاد مدمرة سياسياً وأخلاقياً.

وباتت انتهاكات تركيا في الخارج صارخة فيما واصلت ميركل زياراتها واستقبلت أردوغان في ألمانيا. وابتداءً من أغسطس 2016، شنت تركيا ثلاث هجمات عسكرية للاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي في شمال سوريا. وفي الوقت نفسه، أصبحت تركيا الراعية الأكبر، إلى جانب دولة قطر، للسلفية الجهادية في المنطقة. وإلى جانب روسيا، باتت تركيا في الواقع أحد الأسباب الرئيسة للهجرة الجماعية من سوريا. وفي هذه الأثناء، أصبحت روسيا الشريكة الأساسية لأردوغان على حساب الغرب.

تحركات أردوغان في ليبيا في الآونة الأخيرة التي تتحدى علناً نتائج مؤتمر برلين الذي عقدته ميركل في التاسع عشر من يناير تضرب مثالاً على فشل سياسة الاسترضاء. فخلال مؤتمر صحفي يوم الجمعة، وفي حين حذرت ميركل من أن ليبيا يمكن أن تصبح سوريا جديدة، أعلن أردوغان بفخر أن تركيا ستواصل تقديم المساعدة العسكرية لحكومة طرابلس في شكل جهاديين سوريين ومدربين عسكريين أتراك في انتهاك لما تم الاتفاق عليه قبل أيام فقط. وتحدث الرئيس التركي أيضاً بالتفصيل عن عمليات التطهير العرقي البشعة والهندسة الديموغرافية التي تورطت فيها تركيا في المناطق التي تحتلها في شمال سوريا. اتفاق شيطاني بامتياز.

جدير بالذكر أن علاقة حب المستشارة الألمانية مع تركيا تتعارض مع وجهة نظر الهيئة القانونية في المجلس التشريعي الاتحادي (البوندستاغ)، والتي تواصل إصدار الآراء ضد المعاملات الدولية لتركيا. فعلى سبيل المثال، تحدثت عن بطلان مذكرة تفاهم الحدود البحرية الموقعة في شهر نوفمبر بين أنقرة وطرابلس، مشيرة إلى أن الجزر اليونانية لها جرف قاري بصرف النظر عن حجمها.

وفي السابق، أعلنت نفس الهيئة أن تركيا "لم تقدم بعد أدلة ملموسة على هجوم مسلح عليها من شأنه أن يتسبب في الدفاع المشروع عن النفس" لتبرير عمليتها العسكرية في منطقة عفرين بشمال غرب سوريا، التي تحتلها الآن القوات التركية.

وعلى صعيد ثانوي ولكنه مهم للغاية، كان أحد أسباب زيارة ميركل إلى تركيا افتتاح حرم جامعي جديد للجامعة التركية الألمانية في إسطنبول يوم الجمعة. جاء هذا المشهد بعد عامين من الإغلاق القسري لمدرسة ألمانية في إزمير، والتي اعتبرها الكثيرون في وسائل الإعلام والأوساط السياسية الألمانية إجراء يهدف إلى التخويف. يبدو أنه رد من أفضل صديق لميركل بسبب رغبته الشديدة في فتح المدارس التركية في ألمانيا، وهي دعوة تم رفضها دائماً.

بمناسبة يوم ذكرى المحرقة، اسمحوا لي أن أقتبس من كلود لانزمان مخرج الفيلم الوثائقي الشهير (شوأه) الذي أُنتج في عام 1985 "ظل (البولنديون) يعيشون حياتهم اليومية خلال الإبادة الجماعية. سمعوا ما كان يحدث في تشيلمنو، لكنهم استمروا في حرث حقولهم المجاورة لمعسكرات الموت. وبالطبع، كان بإمكانهم شم الرائحة الكريهة لأن كل بولندا كانت تفوح منها رائحة حرق الجثث البشرية. كانوا جميعاً يتحدثون عن الرائحة الكريهة. كانوا يبقون نوافذهم مغلقة. ظللت أسألهم (ماذا كنتم تفعلون خلال أشهر الصيف؟) (كنا نغلي في الداخل). ما أدهشني هو أن البولنديين كانوا يتأرجحون باستمرار بين الخيال والواقع".

لا يملك أردوغان ولا أصدقاؤه الشعور بالمفارقة ولا أدنى حس فكاهي للتفكير ملياً قبل أن يقدموا لضيفتهم مرآة يد مطلية بالذهب، والتي تخبرنا الكثير.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/merkel-erdogan/merkel-erdoganland-magic-mirror-my-hand-who-fairest-land
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.