معاذ إبراهيم أوغلو
سبتمبر 14 2019

موسيقى الراب تعبر عن مشاكل الأتراك وتجتذب الملايين منهم

ألقت المشاكل المزمنة، التي تعاني منها تركيا مؤخراً، بظلالها على موسيقى الراب كذلك. والحقيقة أن موسيقى الراب، كانت منذ ظهورها نمطاً موسيقياً معبراً عن الاحتجاج على أوضاع ومشاكل المواطن. ومع هذا، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي  تكشف فيها موسيقى الراب عن الصورة، والوضع السياسي في تركيا، بطريقة أكثر تفرداً، جعلت نسبة مشاهدة هذه "الكليبات" تصل إلى الملايين في ليلة واحدة.

نُشرت كليبات مغني الراب التركي شانيشَر وأصدقائه، التي حملت اسم "لا يمكنني أن أصمت"، وكذلك كليبات مغني الراب أذهَل المُسماه "القضية"، على موقع يوتيوب في ساعات الليل. وبمجرد نشر هذه الفيديوهات، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا كلها بالحديث عن هذه الفيديوهات وتداولها.

تناول العمل الفني الرائع الذي قدمه شانيشَر، بالتعاون مع أصدقائه، العديد من الموضوعات التي يُثار حولها النقاش كثيراً في تركيا هذه الأيام مثل مشاكل الطبيعة والجفاف والقانون والعدالة وإسطنبول والتعليم والاستجواب وحقوق المرأة والاغتراب وحقوق الحيوان والإنتحار والفاشية والشارع ومشاكل المرور. وإلى جانب شانيشَر، شارك في هذا العمل الضخم فنانون ومُطربو راب آخرون، على رأسهم  فؤاد وأدوس وحايكي وسيرفر أوراز وبيتا طاهريباد إيسيان وسقراط وأوزبي ودنيز تيكين وسحابه يائس وسينسورا وأسبوفا وديفكهان وآغا ب وميراج وميرت شينيل وكاموفلا. 

وحققت أغنية "لا يمكنني أن أصمت" وحدها نسبة مشاهدة ضخمة على يوتيوب، بلغت حوالي 3 ملايين شخص، خلال مدة قصيرة لم تتعد 12 ساعة فقط. ليس هذا فقط، بل وأصبحت أيضًا واحدة من أكثر الموضوعات المتداولة بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام في تركيا كذلك.

وجاء نشر مقطوعة "القضية" على موقع يوتيوب لمغني الراب أذهل متزامناً مع العمل السابق أيضاً. هذا ولم يأت إطلاق اسم "القضية" على هذه الكليبات عبثاً؛ حيث لم تترك أياً من الأزمات التي شكلت قضية لدى طائفة أو شريحة من المواطنين الأتراك إلا وأشارت إليها. ومن هذه الموضوعات؛ احتجاجات منتزه غيزي، واعتقال صلاح الدين دميرطاش ومحسن يازيجي أوغلو، وليلة 15 يوليو، والحرب السورية، ومقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، لتتصدر هذه الفيديوهات نسبة المشاهدة كذلك على يوتيوب بحوالي 2 مليون مشاهدة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا نالت مقطوعات الراب السياسية تلك كل هذا الاهتمام من جانب المواطنين الأتراك؟ توجهنا بهذا السؤال إلى عدد من مطربي الراب، الذين شاركوا في إعداد هذا المشروع، وعدد آخر من النقاد الموسيقيين. 

شانيشَر هو صاحب فكرة مشروع "لا يمكنني أن أصمت" من الأساس؛ لذا كان من الطبيعي أن نلتقي معه، بالإضافة إلى عدد آخر من أصدقائه المشاركين في هذا العمل كذلك، ونسألهم عن بداية التفكير في المشروع. من ناحيته، قال شانيشَر إن إعداد هذا المشروع استغرق حوالي شهرين إلى ثلاثة أشهر. وعلى الجانب الآخر، أكد مطربو الراب الآخرون أنهم لم يتوقعوا أن يُنشر هذا العمل على موقع يوتيوب، أو أن يلقى هذا القدر من الاهتمام الشديد من جانب الشعب التركي.  

كان موضوع العنف ضد المرأة في تركيا أحد أهم الموضوعات التي تناولها مشروع "لا يمكنني أن أصمت". وفي السياق ذاته، أعربت الموسيقية دنيز تيكين، التي شاركت في الجزء الخاص بالعنف ضد المرأة في المشروع، عن سعادتها البالغة بالنجاح الذي حققه الفريق، وأضافت أنهم اختاروا الموضوعات مع شانيشَر، وأن موضوع العنف ضد المرأة كان من بين الموضوعات التي تحمَّس لها الجميع بشكلٍ كبير بمجرد طرحها. 

صرحت تيكين أن اقتراح تنفيذ هذا المشروع جاء بالتزامن مع فترة كَثُر فيها الجدل داخل المجتمع التركي حول حقوق المرأة، وأضافت "أشعر بسعادة بالغة لمشاركتي في هذا المشروع؛ لأنه جاء بالتزامن مع فكرةٍ طالما شغلت حيزاً كبيراً من تفكيره، بخصوص الاعتداء على حقوق المرأة. كنت دائماً ما أفكر في المشاركة في أي عمل يتعرض لمشكلات المرأة في تركيا. أردتُ أن أقول إن المرأة غالية، ولا يصح أن نعاملها كأنها سلعة تُباع وتُشترى. لا ينبغي أن تكون المرأة مُضهدةُ من قِبَل الرجال.

هناك خطأ كبير يرتكبه المجتمع في تعامله مع المرأة، إلى جانب ضغوطه المستمرة عليها، ويتعين عليه أن يصحح هذا الخطأ. أنا شخصياً لم تصادفني نماذج صعبة للغاية، لكنني أرى بوضوح أن العنف ضد المرأة قد بلغ أبعاداً خطيرة للغاية في المجتمع التركي. أردتُ، من المشاركة في هذا العمل، أن أسهم في رفع مستوى الوعي ضد العنف ضد المرأة".   

أما مطرب الراب أوزبي، فجاء حديثه معنا على النحو التالي:

"طالما اعتقدتُ أن الاستجواب هو أحد أكبر أوجه القصور في هذا البلد. من هنا، ولدت الفكرة للحديث عن هذا القصور، وتقديم منظورنا حياله بالضغط على الجرح، وليس تجاهله. شرحت في الجزء الخاص بأغنية "هل يحرُم عليَّ أن أفهم" كيف "أنهم لا يريدونك أن تفهم"، وأنه لا سبيل إلى التوصل لحل، طالما لم ندرك هذه الحقيقة جيداً".

وفي تقييمه للاهتمام الكبير بالكليب، قال مطرب الراب سقراط "من الواضح أن أحداً منا لم يتوقع مثل هذا الاهتمام الكبير بهذا العمل. غالبًا ما يشارك مطربو الراب في العديد من المشروعات الجماعية، ولكن ربما صادف، هذه المرة، أن مشروعنا عبر، بشكل أوضح، عن تطلعات المواطن التركي، وما يتعيَّن علينا تغييره داخل المجتمع. هذه هي وجهة نظري في هذا الموضوع.

والحق أن أياً منا لم يعتقد أن يحقق هذا المشروع كل هذا النجاح. لقد فوجئنا نحن أيضًا بكل هذا النجاح".   

أما مطرب الراب فؤاد، الذي دعاه شانيشَر للمشاركة في هذا المشروع كذلك، فقال إنه من المحبين للطبيعة، والحيوانات، وإنه كان يريد دائماً المشاركة في عمل كهذا، ويضيف "لقد سئم الناسُ الصمت، والعيش دون إبداء رد فعل إزاء ما يعيشون من معاناة؛ لذا كان قرارنا أن نضع أيدينا، من خلال هذا العمل، على معاناة الناس، وأن نصبح صوتاً لهم، نصبح صوتاً للجميع. أصحبنا بالفعل صوتاً للأطفال الذين يتعرضون للاستغلال، والنساء اللاتي يتعرضن للعنف والتحرش.

صرنا صوتاً لكل مظلوم في هذا البلد. لقد أحاط الظلم بالفعل برقاب الناس. بالطبع لا أحد يريد أن يحرّض الناس، أو يدعوهم للنزول إلى الشوارع، أو أن تتحول الدولة إلى حريق كبير. أعتقد أننا عبرنا عن رد فعلنا إزاء ما نعيشه بأكثر الطرق تحضراً".  

يقول فؤاد أيضاً إن موسيقى الراب كانت دائماً موسيقى ذات توجهات سياسية. كان السبب الرئيس وراء ظهور موسيقى الراب والهيب هوب (أحد أنواع الموسيقى والثقافة في الولايات المتحدة. وتعتبر حركة ثقافية للسود أو الأميركيين الأفارقة) هو أن تصبح صوتاً للناس للتعبير عن مشاكل المواطنين. تعتبر موسيقى الهيب نظاماً يعبر عن الأشخاص الذين لا يستطيعون العثور على مكان لهم في نظام التعليم، ويريدون تعليم أنفسهم. لقد كانت هذه الموسيقى ذات طابع سياسي دائماً.

نحن أيضاً فضلنا استخدام الموسيقى للاحتجاج على الأوضاع الراهنة، ولم ننجرف أبداً إلى الطرق المظلمة الأخرى. سرتُ في جميع أعمالي على امتداد 25 عاماً على نفس النمط؛ لذا كان من الطبيعي أن نعبر عن هذه المشكلات في هذا المشروع كذلك. لا تزال موسيقى سياسية في المقام الأول".    

من ناحيته، أيَّد الناقد الموسيقي نعيم ديلمَنَر رأي مطربي الراب السابقين، مُعللاً سبب الإقبال الكبير على هذه الأغاني بقوله "ليس لهذا معنى سوى أننا كنا بحاجة إلى شيء كهذا، وأننا نعيش أزمة حقيقية، ولكننا نخشى من أن نصدر صوتاً؛ لذا كان من الطبيعي أن يلتف الناس حول أولئك الذين يحاولون التعبير عما يدور بداخلهم".  

يؤكد ديلمَنَر أن هذه المقطوعات الموسيقية لاقت رد فعل إيجابياً لدى الناس، ويضيف "استطاعت هذه الأغاني أن تبث الأمل في نفوسنا جميعاً في فترة لم تتعد يوماً واحداً فقط. لستُ متأكداً مما ينون فعله بعد ذلك. أعتقد أن هذا الأمر يعتمد علينا كذلك. لقد أصبحوا صوتاً ومتنفساً لنا جميعاً. لقد استمدنا قوتنا من هذه الأغاني". 

والواقع أننا عندما ننظر إلى هذه الأغاني، التي تفاعل معها الملايين، يتأكد لنا ما جاء في أغنية "لا يمكنني أن أصمت" من أن "عدد الأشخاص الذين يعتقدون أن الموسيقى يمكن أن تغير أشياء" مرتفع للغاية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/isyanin-dili-rap-bir-gecede-milyonlarla-bulustu-adalet-talebi-susamam-ve-olayda-can-buldu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

Related Articles

مقالات ذات صلة

İlgili yazılar