ناخبو إسطنبول: تكتيكات الحزب الحاكم لن تنطلي على الأكراد

يتوجه الناخبون في إسطنبول إلى صناديق الاقتراع من جديد في الثالث والعشرين من يونيو في إعادة لانتخابات بلدية إسطنبول على منصب العمدة، والتي كان مرشح المعارضة فاز فيها في المرة الأولى بدعم من الحزب السياسي الكردي الأبرز في البلاد.
ويبدو أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يتبع تكتيكات معينة لجذب الناخبين الأكراد في إعادة الانتخابات؛ لكن الناخبين في إسطنبول يعتقدون أن مثل هذه التحركات لن يكون لها أثر على النتائج.
وأصدر المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا حكماً لصالح حزب العدالة والتنمية في التاسع من مايو بشأن الطعن الذي تقدم به لإبطال نتيجة الانتخابات التي جرت على منصب عمدة إسطنبول في 31 مارس، والتي فاز فيها أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب المعارضة الرئيس بهامش بسيط.
وقبل ساعات فقط من إعلان قرار المجلس، نظم محامو عبد الله أوجلان مؤتمراً صحفياً وأعلنوا أنهم التقوا بزعيم حزب العمال الكردستاني المحظور في سجن إمرالي للمرة الأولى منذ عام 2011.
وبينما قال بعض الصحفيين إن السلطات التركية أقرت الاجتماع لكي تسمح لأوجلان بإرسال رسالة إلى مؤيديه لإنهاء الإضراب عن الطعام الجاري في السجون، فإن توقيت الحدثين أثار شكوكا في أن هدف حزب العدالة والتنمية الرئيس من وراء هذا هو الوصول إلى الناخبين الأكراد الذين أعطوا أصواتهم لإمام أوغلو في انتخابات 31 مارس.
وقال جواد آيدوغان وزوجته بيرفين، وكلاهما من مؤيدي حزب المعارضة الرئيس حزب الشعب الجمهوري، إن مثل هذه التكتيكات لن تُقنع الناخبين الأكراد بتغيير موقفهم في الثالث والعشرين من يونيو. وقال جواد آيدوغان، الذي يعمل في مجال إصلاح الأعطال، إن "حزب العدالة والتنمية كذب على الناخبين الأكراد في كل مرة، وكان دائماً يحاول أن يخدعهم. ليس لدى حزب العدالة والتنمية ما يمكن أن يعطيه للناخبين الأكراد سوى الكذب".
ومنذ أن وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السلطة في عام 2003، أطلق عمليتا سلام في تركيا لحل المشكلة الكردية. وفي عام 2009، أطلق أردوغان – وكان رئيساً للوزراء في ذلك الوقت – عملية مباحثات بين المخابرات التركية وقيادة حزب العمال الكردستاني لإنهاء الاشتباكات المسلحة في جنوب شرقي تركيا، والتي بدأت في عام 1984 وأفضت إلى مقتل نحو 40 ألف شخص.
بيد أن تلك المبادرة انتهت فجأة عندما تم السماح لثمانية من مسلحي حزب العمال الكردستاني بالدخول إلى تركيا قادمين من العراق واستقبلهم الأكراد في مدينة ديار بكر جنوب شرقي البلاد. كانت تلك الواقعة سبباً لصدمة المجتمع التركي، ولم تستطع الحكومة أن تستمر في العملية بسبب ردود الفعل الواسعة المعارضة لتلك العملية.
وفي عام 2013، أعلن أردوغان بداية عملية سلام جديدة. وأعلن أوجلان وقفاً لإطلاق النيران في خطاب تُلي خلال احتفالات عيد النوروز في ديار بكر. لكن المباحثات فشلت؛ وفي عام 2015، وجد الجانبان أنهما مضطرين للعودة إلى الصراع من جديد تحت ضغط الصراع السوري والسياسات المحلية.

بيرفين آيدوغان
بيرفين آيدوغان

وتذكر بيرفين آيدوغان أن تلك لم تكن المرة الأولى التي دفع فيها الحزب الحاكم من أجل إعادة الانتخابات. ففي عام 2015، خسر حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية في الانتخابات التي جرت في السابع من يونيو، بينما تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي ذي الأغلبية الكردية عتبة العشرة بالمئة الانتخابية وحصد 80 مقعداً.
وشكلت نتائج الانتخابات تغيّراً كبيراً في سياسة حزب العدالة والتنمية تجاه الأكراد. واستعاد حزب العدالة والتنمية أغلبيته في انتخابات مبكرة أجريت في الأول من نوفمبر من العام ذاته بعد إطلاق عمليات عسكرية في مراكز حضرية جنوب شرقي البلاد ضد من وصفتهم السلطات بأنهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني.
وفي إشارة إلى الرئيس التركي، قالت آيدوغان إنه "لم يتحمل فوز حزب الشعوب الديمقراطي بثمانين مقعداً. لذا، فقد نظم انتخابات جديدة في الأول من نوفمبر. إنه يريد أن يعيد الانتخابات حتى يفوز – هل يمكن أن نصف هذه بأنها ديمقراطية... نحن يحكمنا شخص لا يحترم القانون".
وفي أعقاب محاولة انقلاب فاشلة في عام 2016، شكل الحزب الحاكم تحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف وشن حملة واسعة النطاق على المعارضة في ظل حالة الطوارئ التي ظلت مفروضة على مدى عامين.
نتيجة لهذا، استبدلت الحكومة التركية أكثر من 90 بالمئة من عُمد حزب الشعوب الديمقراطي المنتخبين في شرقي البلاد ومناطق الجنوب الشرقي، في حين تم الزج بقيادات بارزة من الحزب في السجون بتهم تتعلق بالإرهاب، ومن بينهم رئيس الحزب السابق صلاح الدين دميرطاش.
كان دميرطاش يحظى بشعبية طاغية بين الناخبين العلمانيين في تركيا خلال رئاسته لحزب الشعوب الديمقراطي. وهذه الشريحة من الناخبين نشطة بطبيعتها. وقد زادت شعبية الرجل في انتخابات 31 مارس، حيث أرسل رسالة من محبسه للناخبين الأكراد دعاهم فيها إلى تأييد مرشحي المعارضة على مناصب العُمد في غربي تركيا ليشكلوا تكتلا مناهضاً للفاشية.
وقالت بيرفين آيدوغان "الناخبون الأكراد وقعوا مرارا من قبل في أفخاخ حزب العدالة والتنمية... نحن مدينون لصلاح الدين دميرطاش للدعم الذي قدمه الشعب الكردي لحزب الشعب الجمهوري. دميرطاش له تأثير على الأكراد أكبر من تأثير أوجلان".

محسون باتو
محسون باتو

يقول محسون باتو (24 عاماً)، وهو ناخب من مدينة مردين جنوب شرقي تركيا، إنه سيصوت لإمام أوغلو حتى وإن أُعيدت الانتخابات عشر مرات. وعلق على ذلك قائلاً "لا أستطيع أن أقبل وصف الرئيس والدائرة المقربة منه لمن لا يصوتون لصالح حزب العدالة والتنمية بأنهم "إرهابيون".
أضاف أن "السماح لأوجلان بمقابلة محاميه لن يؤثر على الناخبين الأكراد. العقلية الكردية القديمة لم تعد موجودة. سيفتقدون الأكراد الذين كانوا دائما يطيعون في الماضي أي رسالة تأتي من سجن إمرالي.
"الشعب الكردي يحب صلاح الدين دميرطاش جداً. حتى إذا سمحوا لأوجلان بأن يرى محاميه مئة مرة أو مئتين، فإن اختيار الأكراد واضح: إنه الديمقراطية".
ووفقا لبعض الناخبين في إسطنبول، فإن هناك أوجه شبه بين دميرطاش وإمام أوغلو، الذي كان يعد إلى حد كبير سياسياً مغموراً قبل انتخابات 31 مارس. غير أن الطعن الذي تقدم به حزب العدالة والتنمية جعل منه سياسياً شهيراً، حيث أدار العملية بهدوء وظل يرسل رسالات تصالحية.
وأردف باتو قائلاً "كلاهما يقف بقوة ضد أردوغان... كلاهما عطوف وغير إقصائي ويسعى للاتحاد،" وذلك في إشارة إلى دميرطاش وإمام أوغلو.
أما حسن إيجيفين، وهو ناخب آخر ينحدر أصلاً من مردين، فقال إنه لا وجة نظر في توقع الديمقراطية من ديكتاتور، مضيفاً أنه سيصوت لصالح إمام أوغلو في انتخابات الثالث والعشرين من يونيو كما فعل في 31 مارس. وعلق قائلاً "نريد التغيير، لا التمييز. إمام أوغلو صبور وعطوف؛ إنه يتحدث مثل صلاح الدين دميرطاش".
وقال مراد إكليم (41 عاماً)، وهو ناخب من مدينة إلازغ (معمورة العزيز) إن على حزب الشعب الجمهوري أن يغير سياساته تجاه الأكراد. وأشار إلى أن "صلاح الدين دميرطاش قال ما ينبغي على الأكراد أن يفعلوه. طريق الأكراد هو الطريق إلى الديمقراطية. لا أعتقد أن الأكراد سيكترثون لكلمات أوجلان من الآن فصاعداً".
 ويتوقع إكليم فوز إمام أوغلو في الانتخابات التي ستُجرى في الثالث والعشرين من يونيو بما يتراوح بين 65 و70 في المئة من الأصوات. وقال "أملك نشاطاً تجارياً صغيراً وأتحدث إلى مئات الأشخاص يومياً. أصدقائي المؤيدون لحزب العدالة والتنمية يقولون إنهم سيصوتون لإمام أوغلو".
وأكد بعض مؤيدي حزب العدالة والتنمية توقعات إكليم. وقال محمد يشيلطاش، الذي أيد مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم في انتخابات 31 مارس، إنه سيصوت هذه المرة لصالح إمام أوغلو.
وأردف قائلاً "لقد ارتكبوا خطأً. إمام أوغلو رجل صبور للغاية، لقد صارع في حدود القانون... أعتقد أن إمام أوغلو سيفوز بأغلبية كبيرة في الثالث والعشرين من يونيو. شعرت بالأسف لإمام أوغلو، على الرغم من أنني من مؤيدي حزب العدالة والتنمية".
أما الناخب مصطفى تُركمن (67 عاماً)، فقال إن الحزب الحاكم أجبر الناس على التصويت لليسار. "لقد فاز الرجل، كيف يمكنكم مصادرة حق مكتسب. دعوه يحكم المدينة لأربع أو خمس سنوات"، وذلك في إشارة إلى إمام أوغلو.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/istanbul/voters-istanbul-say-ruling-partys-tactics-wont-win-kurds-over
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.